شفق نيوز- بغداد/ طهران/ رام الله/ موسكو
تشهد سياسات الإعلام والحرب الكلامية التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه الشرق الأوسط - خاصة إيران - تصاعداً في الأهمية ليس على صعيد الإعلام والرأي العام فقط، بل أيضاً على صعيد الواقع السياسي والميداني، في وقت تشير تقديرات ميدانية إلى اكتمال جميع ترتيبات توجيه ضربة عسكرية للنظام في طهران.
ففيما يرى البعض أنها حملة تهويلية نفسية لإجبار الخصوم على التراجع، يعتبر آخرون أن هذه السياسات تحولت إلى أداة ضغط استراتيجية ذات أثر ملموس، تهدف لإعادة تشكيل التحالفات وإعادة رسم ميزان القوى في المنطقة.
ويبدو أن هذه الحرب غير التقليدية، التي تبدأ بالكلمة ولا تنتهي عندها، باتت جزءاً من بنية الصراع وصناعة القرار، كما يؤكد أكاديميون ومحللون سياسيون، حيث أصبح الخطاب الإعلامي أداة استراتيجية تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى، تمتد من التأثير على المجتمع الداخلي في إيران إلى الساحة الدولية.
ضغط استراتيجي
وفي هذا السياق، يرى أستاذ الإعلام في جامعة كربلاء، حيدر شلال متعب، أن سياسات ترمب الإعلامية تجاه الشرق الأوسط تمثل نموذجاً واضحاً لـ"الحرب الخطابية ذات الأثر الواقعي".
ويضيف شلال متعب لوكالة شفق نيوز: "لا يمكن اختزال هذه السياسات على أنها مجرد حملة إعلامية، ولا يمكن أيضاً تصنيفها كحرب فعلية تقليدية، بل هي قوة ضغط استراتيجية كان لها أثر مباشر على الواقع السياسي والميداني في المنطقة، سواء عبر زعزعة الاستقرار أو إعادة تشكيل التحالفات أو تصعيد التوترات".
ويخلص الأكاديمي إلى أن "الخطاب الإعلامي لم يعد أداة تواصل فقط، بل أصبح جزءاً من بنية الصراع وصناعة القرار"، ما يجعل هذه الحرب غير التقليدية تبدأ بالكلمة وتمتد إلى التأثير الميداني والسياسي.
وقال ترمب، في تدوينة نشرها أمس الأربعاء على منصة "تروث سوشيال"، إن "أسطولاً ضخماً يتحرك الآن باتجاه إيران وبسرعة كبيرة"، موضحاً أن حجمه "أكبر من ذلك الذي أُرسل سابقاً إلى فنزويلا".
وحذّر الرئيس الأميركي من أن أي هجوم قادم على إيران سيكون "أسوأ بكثير"، داعياً طهران مجدداً إلى إبرام اتفاق، ومشيراً إلى أن تجاهل ذلك قد يقود إلى تصعيد أشد في المرحلة المقبلة.
كما أكد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، يوم أمس، وجود 40 ألف جندي من بلاده في الشرق الأوسط بمرمى صواريخ ومسيرات القوات الإيرانية، في حين لفت إلى أنه لا يعلم من سيحكم إيران بعد سقوط نظام المرشد الأعلى علي خامنئي.
الحرب النفسية
من جهته، يرى المحلل السياسي الإيراني سعيد الشارودي أن الضجة التي يثيرها ترمب قد تكون "مجرد حرب نفسية وإعلامية لدفع الخصم للتراجع والتنازل"، من خلال تهديدات بالقوة العسكرية ووصف الخيار العسكري بأنه "مدمر ومزلزل وأكثر تدميراً مقارنة بحرب 12 يوماً على إيران".
ويشير الشارودي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز إلى أن الإعلام العربي والفارسي يلعب دوراً كبيراً في تشكيل الروايات لدى الرأي العام، خاصة بين الشباب الإيراني، محذراً من أن بعض الفئات قد تتأثر بهذه الحرب الإعلامية، بينما "نسبة كبيرة من المجتمع الإيراني تعلم خطط هذه اللعبة ولا تعير لها اهتماماً، خاصة في ظل جهوزية القوات المسلحة القادرة على التصدي بل وإلحاق هزيمة بالعدو".
مع ذلك، يحذر المحلل الإيراني من استبعاد احتمال الحرب: "ربما تكون أميركا مضطرة للحرب للحفاظ على ماء وجهها وسمعتها وقوتها المزعومة حتى لو كانت حرباً خاسرة".
تفكيك إيران
ومن موسكو، يشير مدير مركز JSM للأبحاث والدراسات الدكتور آصف ملحم إلى أن أي تحركات عسكرية يرافقها "نوع من الضخ الإعلامي والنفسي على الخصم" أمر طبيعي، لكنه يؤكد أن الولايات المتحدة لا يمكنها الدخول في "حرب استنزاف طويلة مع إيران".
ويضيف ملحم لوكالة شفق نيوز، أن الهدف من الحشود العسكرية الأميركية هو "الضغط النفسي لتغيير المسار السياسي لإيران، وهو ضغط لن يفلح"، مشيراً إلى أن الهدف بعيد المدى هو "قلب نظام الحكم في إيران وتفكيك الدولة، وهو مرتبط بما يحصل في سوريا وإطلاق سجون الدواعش باتجاه العراق".
ويرى أن "الغاية من الحرب الإعلامية الأميركية هي إضعاف ثقة الشعب الإيراني بالقيادة، وتحويل إيران إلى دولة منزوعة السلاح وبلا مشاريع إقليمية، كونها حلقة مركزية في الزحف الأميركي نحو الشرق الأوسط".
حرب فعلية
فيما يأتي خبير العلاقات الدولية الفلسطيني الدكتور أشرف عكة ليؤكد أن هناك "عدواناً أميركياً فعلياً" مدعوماً بتحريض إسرائيلي، وأن هناك أهدافاً استراتيجية تشمل "السيطرة على منابع النفط والممرات التجارية العالمية".
ويشير عكة خلال حديثه لوكالة شفق نيوز إلى أن "المواقف السياسية لا تنتزع بفرض الشروط التعجيزية التي تحاول أميركا فرضها على إيران، سواء في تخصيب اليورانيوم أو برنامج الصواريخ"، مؤكداً أن التحضيرات الحالية تمهيد لعمل عسكري حقيقي وتهيئة الرأي العام الأميركي والدولي والإسرائيلي لهذه الحرب.
وخلص إلى أن "التحركات الإيرانية العسكرية الأخيرة، سواء في البحر أو عبر الرسائل المباشرة لحاملة الطائرات الأميركية، دليل على جاهزية حقيقية، وبالتالي أي عدوان على إيران يعتبر بمثابة حرب شاملة مهما كانت طبيعة الضربة".