شفق نيوز- بغداد
يطرح قرار الحكومة العراقية رفع قيمة الدولار الأميركي إزاء الدينار المحلي، ليكون سعر الصرف الجديد 152 ألف دينار مقابل كل 100 دولار في السوق الرسمية، تساؤلات جمّة حول سبب هذا الانخفاض وأهدافه، وما يمكن أن يلحق بالتجار من أضرار مالية جرّاء سعر الصرف الجديد.
وكان رئيس الحكومة علي الزيدي قد برّر سبب الانخفاض بالرغبة في الحد من "جشع المضاربين" ومحاولة السيطرة على العملة الصعبة، فيما يرى بعض التجار أن القرار لا يحل المشكلة، بل على العكس يضاعفها بشكل لافت، وأن السعر الموازي للدولار سيشهد ارتفاعاً خلال الفترة المقبلة مع تزايد الطلب عليه من قبل المستوردين.
تجار: السعر الرسمي لا يختلف عن الموازي
ويقول التاجر علي العكيلي لوكالة شفق نيوز: "أشتري الدولار من المصرف بـ152 ألف دينار، والحكومة تحمّل التاجر 12 ألف دينار عن كل 100 دولار، وبذلك يصبح سعر صرف الـ100 دولار بالسعر الجديد 164 ألفاً، ولا يختلف السعر الرسمي عن السعر الموازي، ويبقى باب المضاربة في السوق السوداء مفتوحاً للتحكم برفع قيمة الدولار"، موضحاً أن التاجر سيلجأ إلى السوق الموازية بسبب انعدام الفروقات من جهة، ولضمان عدم التأخير في إرسال الحوالات المالية من جهة أخرى.
وينوّه إلى أن "المعاملات المصرفية قد تتأخر ثلاثة أيام وربما أكثر، ويتحمل التاجر الفروقات عن كل يوم تأخير، ما يجعله يتعامل مع السوق السوداء ويشتري بالسعر الموازي"، لافتاً إلى "عدم وجود أي توجه لدعم التجار والمستوردين من قبل الحكومة، لأن التاجر يتحمل 12 مليون دينار عن كل كيلوغرام واحد من الذهب".
ويشير العكيلي، إلى أن "سوق دبي يحمّل التاجر 400 دولار عن كل يوم تأخير، لذا يضطر التجار إلى شراء الدولار من السوق الموازية لتسريع الإجراءات".
ويؤكد أن "خطة الحكومة من وراء خفض قيمة الدولار، بهدف الحد من المضاربين وتحجيمهم، ستكون بمثابة دعم لهم، لأن الحكومة لا تقدم أي دعم للتاجر، فيلجأ إلى السوق الموازية"، محذراً من أن "الاستمرار في السوق السوداء سيدفع إلى سحب كميات كبيرة من الدولار، وهذا ما سيؤدي إلى ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية".
احتجاج أمام البنك المركزي
وشهدت العاصمة بغداد قبل يومين وقفة احتجاجية للمستوردين وأصحاب شركات الذهب أمام البنك المركزي، اعتراضاً على تطبيق قرارات البنك المركزي الخاصة بتعزيز الحوالات وفق سعر الصرف الجديد 152 ألف دينار لكل 100 دولار، بأثر رجعي على المعاملات التي حصلت على موافقات مبدئية مسبقة وفق السعر السابق (132 ألف دينار)، مطالبين الجهات المسؤولة بالتدخل لإنقاذهم من خسائر مالية جسيمة تهدد عملهم وتؤثر على عصب الاقتصاد العراقي.
وعلى إثر ذلك، أكد البنك المركزي العراقي عدم تحميل التجار فروقات سعر الصرف عن الحوالات والمعاملات التي ثبت شراؤها وتغطيتها بالسعر السابق البالغ 132 ألف دينار لكل 100 دولار قبل تاريخ 7 تشرين الأول 2026.
ودعا البنك التجار والمتضررين إلى مراجعة مصارفهم وتقديم شكاوى رسمية في حال تعرضهم للمطالبة بمبالغ إضافية أو حدوث تأخير غير مبرر في تنفيذ حوالاتهم السابقة.
خسائر بمئات الملايين
ويؤكد التاجر صالح سلام، في حديث لوكالة شفق نيوز، أن "البنك المركزي العراقي كان قد طالب التجار وشركات الذهب بتعزيز أموالهم في المصارف وفق السعر الجديد لصرف الدولار"، مشيراً إلى أن "المطالبة بالتعزيز قد انتهت بعد الوقفة الاحتجاجية أمام البنك".
ويشير إلى أن هذا "الإجراء غير كافٍ لتجنيب التجار والمستوردين وأصحاب شركات الذهب الخسائر المالية التي سبّبها القرار الحكومي المفاجئ"، موضحاً أن بعض التجار والمستوردين تعرضوا لخسائر تبلغ مئات ملايين الدنانير بسبب خفض قيمة الدولار.
وينوّه إلى أنه "خسر في اليوم الأول للقرار مبلغ 300 مليون دينار بسبب فروقات الصرف بين السعر القديم البالغ 132 دينار عن كل 100 دولار والسعر الجديد".
ويؤكد سلام أن "القرارات الحكومية المفاجئة تلعب دوراً كبيراً في تعرض شريحة التجار والمستوردين وأصحاب شركات الذهب لخسائر مالية فادحة، وتعيق عملهم، مع أنهم يمثلون العمود الفقري للاقتصاد العراقي، ويوفرون المواد الغذائية والسلع المختلفة لسد حاجة السوق المحلية".
وقفز سعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى أكثر من 180 ألف دينار لكل 100 دينار، قبل أن يستقر عند 164 ألف دينار، فيما شهدت أسواق بغداد خلال اليومين الماضيين ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار المواد الغذائية.
وفي ظل هشاشة الاقتصاد العراقي والتحديات الجمّة التي تواجهه، يأتي قرار الحكومة بخفض قيمة الدينار كمحاولة لإيجاد حلول سريعة تمنع الانهيار المالي.
ويوضح الأكاديمي عبد الرزاق البهادلي، لوكالة شفق نيوز، أن "قرار خفض قيمة الدينار العراقي الصادر في تشرين الأول من العام الحالي، القاضي برفع سعر الصرف الرسمي للدولار، يؤدي مباشرة إلى انكماش الحركة الاقتصادية وإصابة القوة الشرائية للمواطنين بالشلل"، موضحاً أنه "لا يحل مشكلة المضاربين، بل يمنحهم مساحة ربحية جديدة".
ويشير إلى أن "الهدف الأساسي للقرار يكمن في تعويض عجز الموازنة المتأثرة بتعثر صادرات النفط بسبب الأوضاع الراهنة في المنطقة"، مؤكداً أن "الحكومة ستدعم الموازنة من خلال حصولها على أكبر عدد من الدنانير مقابل الإيرادات النفطية المقوّمة بالدولار، لتغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين".
ويلفت إلى أن القرار "لا يشكل نمواً حقيقياً للعملية الاقتصادية، بل مجرد حل وقتي لتغطية النفقات والرواتب في ظل استمرار تأزم أوضاع المنطقة"، منوّهاً بأن لهذا القرار سلبيات عديدة، إذ إن موظفي القطاعين العام والخاص سيفقدون جزءاً من القيمة الفعلية لرواتبهم، وسيؤدي ذلك إلى تراجع مستويات الاستهلاك.
ويتابع البهادلي: "ينجم عن قلة الاستهلاك ركود في الأسواق التجارية، بسبب رفع أسعار السلع الاستهلاكية بنسبة توازي انخفاض العملة، ما يدفع المستهلكين بدورهم إلى الحذر أو الامتناع عن الشراء".
ويشدد الباحث الأكاديمي على أن "من أخطر نتائج قرار خفض الدينار ارتفاع نسب البطالة، إذ يضطر بعض المنتجين وأصحاب الشركات والمعامل إلى الاستغناء عن العمالة بسبب شح شراء المنتجات، وستترتب على ذلك آثار اقتصادية واجتماعية كبيرة".