شفق نيوز- بغداد/ دمشق
بعد سنوات وُصفت بأنها الأشد جفافاً منذ أكثر من 90 عاماً، عاد نهر الفرات ليحتل صدارة المشهد في العراق وسوريا، لكن هذه المرة ليس كمصدر عطش مزمن، بل كموجة مياه غير مسبوقة اجتاحت أجزاء واسعة من حوضه في الشرق السوري، قبل أن تبدأ بالاتجاه جنوباً نحو الأراضي العراقية، مثيرة جدلاً واسعاً بين التحذير من المخاطر والحديث عن فرصة مائية نادرة.
في شرق سوريا، حيث امتدت موجات الفيضانات على طول محافظتي الرقة ودير الزور، أعلنت السلطات، السبت، تجاوز مرحلة الخطر، فيما بقيت آثارها واضحة على الأرض، من أراضٍ زراعية غمرتها المياه، ومحطات ضخ خرجت عن الخدمة، إلى نزوح داخلي متكرر في بعض المخيمات والمناطق المنخفضة.
وبحسب مسؤول العلاقات العامة في وزارة الإدارة المحلية والبيئة السورية، علي الحمد، فإن فرق الطوارئ واجهت "تحديات غير مسبوقة" على امتداد يزيد عن 200 كيلومتر من مجرى النهر، مشيراً خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "المياه غمرت جسوراً ومحطات رئيسية، وأجبرت السلطات على تنفيذ إخلاءات عاجلة باستخدام وسائل إنذار محلية".
وأكد الحمد، أن نحو 60 محطة مياه خرجت عن الخدمة في مناطق الشامية والجزيرة، فيما تضررت جسور حيوية في دير الزور، بينها جسر الميادين والعشارة، وسط إيقاف كامل للعبّارات النهرية في عدة نقاط.
فيضانات وهشاشة بنيوية
وأشارت التقارير السورية الرسمية إلى أن ارتفاع منسوب الفرات جاء نتيجة تضافر عوامل مناخية وتشغيلية، أبرزها ذوبان الثلوج في أعالي الحوض التركي، وارتفاع منسوب السدود، ما استدعى فتح بوابات مفيض في سدود رئيسية.
وقال معاون وزير الطاقة السوري، أسامة أبو زيد، إن ارتفاع المياه "قد يؤدي إلى سيول مفاجئة وانجرافات خطيرة"، داعياً السكان إلى الابتعاد عن مجرى النهر وعدم السباحة أو إقامة أي نشاطات على ضفافه، وفقاً للوكالة السورية الرسمية "سانا".
وفي المقابل، أكد مدير المؤسسة العامة لسد الفرات، هيثم بكور، استمرار "الجاهزية التشغيلية" لإدارة التصريف المائي وحماية المنشآت.
ورغم إعلان دمشق تجاوز مرحلة الخطر، فإن مناطق واسعة من دير الزور والرقة شهدت غمر أكثر من 5 آلاف دونم من الأراضي الزراعية، وفق بيانات رسمية، مع تضرر نحو 2400 عائلة بشكل مباشر.
بغداد: فرصة مائية
وفي العراق، بدا الخطاب الرسمي مختلفاً، فبينما تراقب المؤسسات المائية التطورات بحذر، تصفها الحكومة بأنها موجة "يمكن استيعابها بل والاستفادة منها".
وفي هذا السياق، يقول مستشار رئيس الوزراء العراقي لشؤون المياه، طورهان المفتي، إن العراق يمتلك "أنظمة إروائية قادرة على استيعاب أي كميات واردة عبر الفرات دون حدوث فيضانات".
ويشير المفتي، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن بحيرة حديثة تمتلك فراغاً خزّانياً كبيراً، فيما تشكل بحيرتا الحبانية والرزازة مخازن إضافية، مع إمكانية تحويل الفائض إلى منخفض الثرثار، وفي حال امتلاء هذه المنظومة يمكن توجيه المياه إلى الأهوار.
ويضيف أن "هذه السنة تُعد سنة رطبة وليست سنة فيضان"، مؤكداً أن العراق قادر على استيعاب "أي كمية مهما كانت"، مع إمكانية تحويل الفائض إلى مناطق الأهوار لدعم النظام البيئي.
لكن المفتي يشدد في الوقت ذاته على أن العراق ما زال بحاجة إلى إدارة دقيقة للمياه، قائلاً إن التغير المناخي يفرض "استخداماً مدروساً" رغم تحسن الموسم المائي مقارنة بالعام الماضي.
ويعد العراق من بين أكثر خمس دول تضرراً من التغير المناخي بحسب تقارير للأمم المتحدة ومنظمات دولية معنية بالموضوع.
وتحذر تقارير دولية من أن العراق سيحتاج حتى عام 2040 ما يزيد على 233 مليار دولار لتحسين بنيته المائية والبيئية، أي ما يعادل 6% من ناتجه المحلي سنوياً، بينما فقدت البلاد نحو 30% من أراضيها الزراعية خلال العقود الثلاثة الماضية بسبب التغير المناخي.
فرصة محفوفة بالمخاطر
من جهته، يقدم الخبير المائي العراقي، تحسين الموسوي، قراءة أكثر تفصيلاً لطبيعة الموجة، قائلاً إن الإطلاقات القادمة من سوريا "لم تتجاوز 2000 متر مكعب في الثانية"، وإن ما حدث في دير الزور والرقة مرتبط أيضاً بـ"تعديات وبنية تحتية هشّة خلفتها الحرب".
ويشير الموسوي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن الموجة ستصل إلى العراق عبر القائم، متوقعاً وصولها إلى سد حديثة خلال أربعة أيام، موضحاً أن السد يعد "الخط الدفاعي الأول" بسعة تتجاوز 10 مليارات متر مكعب، بينما لا يتجاوز المخزون الحالي فيه ملياري متر مكعب.
ويضيف أن العراق يمتلك سلسلة تخزين مترابطة تشمل الحبانية والرزازة والثرثار والأهوار، يمكنها استيعاب "مليارات الأمتار المكعبة"، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن إدارة المياه لا تزال تعاني من "هدر كبير وسوء تخطيط مزمن".
ويوضح الموسوي، أن "بحسب خبراء في مجال المياه، يحتاج العراق إلى 20 مليار متر مكعب من المياه، ومن المتوقع أن يصل إلى العراق من سوريا خلال الأيام المقبلة نحو 17 مليار متر مكعب من المياه".
وفي انتقاد مباشر، يتساءل الموسوي عن سرعة امتلاء السدود التركية، معتبراً أن ذلك "يطرح أسئلة حول إدارة الملف التفاوضي العراقي"، داعياً إلى إعادة تفعيل الاتفاقيات التي تحدد حصة العراق من مياه الفرات.
تنظيم الخزين الزراعي
من جانبه، يقول عضو لجنة الزراعة والمياه والأهوار في البرلمان العراقي، بايز الزراري، إن العراق يتعامل مع الموجة "بشكل علمي ومدروس"، مؤكداً أن سد حديثة جاهز لاستيعاب التدفقات دون مخاطر.
ويوضح الزراري لوكالة شفق نيوز، أن اللجنة اتخذت إجراءات تتضمن تأجيل إطلاق الحصص المائية الزراعية إلى منتصف حزيران/ يونيو المقبل بهدف زيادة الخزين الاستراتيجي، مشيراً إلى أن الأولوية الحالية هي "تخزين المياه بدلاً من إطلاقها".
ويتابع أن اللجنة تعتمد على بيانات الأقمار الصناعية وأنظمة مراقبة دولية لتتبع حركة المياه، معتبراً أن إدارة هذه الموجة "فرصة لتعزيز الأمن المائي إذا استُغلت بشكل صحيح".
تناقضات الفرات المائية
وأكدت وزارة الموارد المائية العراقية - في تصريحات صحفية السبت - أن العراق "يمتلك القدرة الفنية الكاملة لاستيعاب أي زيادة في الإطلاقات"، لافتة إلى أن الوضع يخضع لمراقبة مستمرة، وأن المؤشرات الحالية "لا تدعو للقلق".
وفي المقابل، تشير بيانات سابقة للوزارة إلى أن العراق كان يعيش واحدة من أسوأ موجات الجفاف منذ عام 1933، مع انخفاض الإيرادات المائية إلى 27% فقط من مستوياتها السابقة، وتراجع الخزين المائي إلى نحو 8% من الطاقة التخزينية.
وهذا التناقض بين الجفاف التاريخي والوفرة المفاجئة يعكس، بحسب خبراء، هشاشة النظام المائي في العراق واعتماده الكبير على تقلبات المناخ والسياسات الإقليمية.
المناخ يعيد الفرات
وتشير بيانات مناخية إلى ارتفاع درجات الحرارة في شمال شرق سوريا بنحو درجة مئوية، وتراجع معدلات الأمطار بنحو 18 ملم شهرياً خلال العقود الأخيرة، ما أدى إلى انخفاض تدفقات الفرات ودجلة إلى نصف مستوياتها الطبيعية في سنوات الجفاف.
كما أدى تراجع البنية التحتية خلال سنوات الحرب إلى انخفاض إمدادات المياه بنسبة تقارب 40%، ما دفع السكان للاعتماد على مصادر غير آمنة في فترات سابقة.
وبينما تتراجع مستويات الخطر تدريجياً في سوريا مع خفض تصريف المياه من السدود، السبت، تتجه الأنظار إلى العراق الذي يستعد لاستقبال الموجة عبر منظومة سدود مترابطة تبدأ من حديثة وتمتد إلى الحبانية والرزازة والثرثار والأهوار.
لكن خبراء في الشأن البيئي والمائي يحذرون من أن المشكلة لا تكمن في كمية المياه فقط، بل في سرعة تدفقها وإدارة توزيعها، مشددين على أن أي خطأ تشغيلي قد يحول الوفرة إلى خطر موضعي.