شفق نيوز- ميونخ
في فندقي بايريشرهوف وروزوود خلال مؤتمر ميونخ للأمن 2026 الذي انعقد بين 13 و15 فبراير شباط، تحرّك نيجيرفان بارزاني بين قاعات مغلقة ولقاءات سريعة، متنقلاً بين ضجيج الممرات في مقر المؤتمر التقليدي ومساحات الاجتماع الأكثر خصوصية في الفندق الثاني، في لحظة كانت أوروبا فيها تتجادل حول معنى التحالف عبر الأطلسي ومعنى الحرب في أوكرانيا ومعنى أن تتبدّل قواعد اللعبة فجأة.
لكن خلف ذلك لم يكن إعلان مبادرة جديدة بقدر ما كانت محاولة لصياغة موقع للإقليم في خارطة ترتج، وموقع للكورد داخل معادلة صعبة، وموقع لأربيل في علاقة تتأرجح دائماً بين بغداد من جهة وواشنطن وبرلين وبروكسل من جهة أخرى.
واللافت أنه حاول تثبيت هذا الموقع عبر ثلاث جمل متلازمة تتكرر بصيغ مختلفة في بيانات اللقاءات، إقليم كوردستان شريك استقرار، حقوق الكورد دستورية وسوريا موحّدة.

"سوريا موحّدة" من فم دمشق
الاختبار الأكبر في حزمة ميونخ كان سوريا. ففي الرواية السورية الرسمية عن لقاء وزير الخارجية أسعد الشيباني مع بارزاني، يبرز قاموس سيادة الدولة ووحدة الأراضي بوصفه السقف الذي ينبغي ألا يُكسر، مع تأكيد منسوب لبارزاني أنه يدعم "وحدة واستقرار سوريا" وأن استقرارها "ركيزة أساسية" لاستقرار العراق والإقليم.
هذه اللغة ليست تفصيلاً بل إشارة في ضبط النقاش قبل أن يبدأ. حين تقول الدولة الجديدة إنها تريد "وحدة" فهي لا تطرح مبدأً أخلاقياً فقط، بل تضع حدوداً سياسية لما يمكن أن يُناقش لاحقاً عن اللامركزية والسلطات المحلية وترتيبات الأمن في الشمال الشرقي.
في المقابل، كان بارزاني يكرّر فكرة موازية ولكن بمرجعية مختلفة، ليس الحديث عن مكاسب ظرفية أو خطوط تماس، بل عن إدراج الحقوق في نص دستوري داخل دولة واحدة.
هذا المعنى ظهر بوضوح في لقائه مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، حيث شدد بيان رئاسة الإقليم على "حل سياسي عبر الحوار يضمن حقوق الكورد وجميع المكوّنات ضمن سوريا موحّدة وفي دستورها المستقبلي".
هنا، تظهر محاولة تركيب معادلة وسطية، لا انفصال معلن، ولا عودة إلى "حكم مركزي" يبتلع التنوع بلا ضمانات.والفكرة الضمنية أن ما لم يُكتب في الدستور سيبقى قابلاً للانقلاب عليه، خصوصاً في بلد لم يتعافَ بعد من حروب الهوية ومن الفراغات التي كان تنظيم داعش يتسلل عبرها كلما انكسر خط تماس أو انهارت تسوية.
الرسالة الثانية كانت أميركا، حيث اجتماع بارزاني مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جاء، وفق بيان الرئاسة، في إطار تثبيت علاقات الدعم والتعاون مع العراق والإقليم.لكن الأثقل دلالة كان ما قيل في لقائه مع أليسون هوكر، وكيلة وزارة الخارجية للشؤون السياسية.
فبحسب الرئاسة، أشادت هوكر بمساهمة بارزاني في الاتفاق بين دمشق وقسد، وأكدت التزام واشنطن بدعم العراق والإقليم والمساعدة في "حل القضايا بين أربيل وبغداد".
هذا ليس مجرد ثناء بروتوكولي، إنه تحويل لبارزاني إلى "قناة" في ملف سوري حساس، وفي الوقت نفسه ربط هذا الدور بالملف العراقي الداخلي، حيث الرسالة للداخل والخارج معاًمن يريد استقرار العراق وسوريا سيحتاج إلى أربيل، ومن يريد أربيل قوية سيُطلب منه أن يحافظ على خطوط تواصل مفتوحة مع بغداد بدل إدارة النزاع كحرب استنزاف دائمة.

من الأمن إلى الاستثمار إلى اللاجئين
في ميونخ، قدّم بارزاني الإقليم كملف أمني وكفرصة اقتصادية في آن واحد. لقاءاته مع مسؤولين ألمان في الدفاع والاقتصاد والتنمية تبدو كأنها محاولة لتوسيع الشراكة خارج إطار التدريب العسكري إلى إطار "المعرفة والاستثمار". وهذا يحدث في لحظة أوروبية متوترة أصلاً تجاه أسئلة الطاقة والتصنيع والهجرة.
ضمن هذا السياق، تبرز أهمية سلسلة لقاءاته الألمانية مع وزيرة التعاون الاقتصادي والتنمية ريم العبلي رادوفان ووزيرة الاقتصاد والطاقة كاترينا رايشه ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديبول. حتى إن لم تُعلن أرقام أو اتفاقات جديدة، فمجرد ترتيب هذه اللقاءات على هامش مؤتمر أمني يوحي بأن أربيل تحاول أن تقول لبرلين الأمن الذي تدفعون من أجله كلفة تدريب وتسليح يحتاج أيضاً إلى اقتصاد يخلق فرصاً، وإلى خدمات تستوعب اللاجئين، وإلى إدارة مستقرة تمنع تكرار دوامة التطرف.
ثمة خيط ثالث أقل صخباً من سوريا وأميركا، لكنه شديد الأثر في حسابات أوروبا والمؤسسات الدولية، ملف اللاجئين، حيث اجتماع بارزاني مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح وضع العبء الإنساني في قلب سردية الإقليم عن نفسه، بوصفه مساحة استضافة وتعايش تحتاج استمرار الدعم كي لا يتحول الضغط الاجتماعي إلى أزمة أمنية وهجرة جديدة.
هذه ليست فقط سياسة "صورة"، إنها أيضاً لغة تفاوض مع المانحين إذا كان العالم يريد من إقليم كوردستان أن يبقى سداً بوجه الفوضى، فعليه أن يتذكر أن السد يحتاج صيانة، لا خطابات.
خلاصة حزمة ميونخ
في المؤتمر الصحفي الختامي في ميونخ، بدا نيجيرفان بارزاني كمن يحاول إنهاء الأيام الثلاثة بجملة جامعة لا بخريطة طريق مكتوبة، حيث قال إن "كل الدول تريد إقليماً قوياً ضمن عراق فيدرالي"، وإن الإقليم يريد أن يكون "عاملاً أساسياً للاستقرار" في منطقة تزدحم بالانهيارات الصغيرة.
ثم أعاد تثبيت معادلته السورية بصوتٍ أعلى من بيانات اللقاءات الثنائية، حوارٌ مع دمشق لا يراهن على كسب عسكري بقدر ما يراهن على تثبيت الحقوق في الدستور، باعتبارها الضمان الوحيد كي يشعر الجميع بالأمان داخل سوريا موحدة، مع دعوة صريحة لإشراك أطراف كوردية أخرى في المفاوضات حتى لا يتحول الاتفاق إلى تسوية طرف واحد.
وفي الهامش، أضاف سطراً تركياً يلمّح إلى رغبة أنقرة في المضي بمسار السلام ولو ببطء، كأنه يوسّع إطار الاستقرار من حدود الإقليم إلى ما وراءها.
لكن الخاتمة لا تُغلق الأسئلة بقدر ما ترتّبها، فحين تُقال "سوريا موحدة" إلى جانب "حقوق دستورية كاملة"، وحين تُطرح "الفيدرالية العراقية" بوصفها شرطاً للتماسك الإقليمي لا مجرد صيغة حكم، يصبح الاختبار التالي خارج قاعات ميونخ.