شفق نيوز- برلين

سلط موقع ألماني، يوم الجمعة، الضوء على معاناة الإيزيديين في سنجار منذ اجتياح تنظيم "داعش" عام 2014 لمناطقهم في شمال غرب العراق، مع نزوحهم الطويل في المخيمات وفشل جهود العودة وإعادة الإعمار، ما جعل حياتهم معلقة بين الماضي والمستقبل.

 ويتحدث تقرير "دويتشه فيله" الذي اطلعت عليه وكالة شفق نيوز، بداية عن "سفح جبل سنجار، حيث تختلط الأساطير بالتاريخ، يعيش مجتمع الإيزيديين منذ قرون متعددة. فسنجار ليست مجرد مدينة، إنها بالأحرى رمزٌ للهوية والذاكرة وموطنٌ لجماعة نجت من محاولات الإبادة عبر العصور".

ويقول مسؤول الإعلام في معبد لالش، لقمان حاجي، للموقع الألماني، إن "الإيزيديين تعرضوا لـ 74 إبادة جماعية عبر التاريخ، أقساها كانت على يد تنظيم (داعش)، إذ أدى ذلك إلى هجرة مئات الآلاف من أبنائنا الذين عاشوا في مخيمات بظروف صعبة جداً لا يمكن وصف مأساتهم، فهم يناضلون من أجل البقاء".

"ومع الأسف، عندما نخاطب الحكومة الاتحادية في بغداد لمعالجة أزمتنا والعمل على إعادة النازحين إلى أماكن سكناهم، يقولون إنكم تتبعون إدارياً لإقليم كوردستان، لترد الأخيرة بالجواب ذاته، وبهذا بقي ملف النازحين وعودتهم معلقاً دون حلول حقيقية"، يقول حاجي.

وتُصنف سنجار كمنطقة متنازع عليها، حيث يعتبرها الإقليم جزءاً من استحقاقهم إدارياً وفقاً للمادة الدستورية 140، بينما تسعى بغداد لبسط سلطتها الاتحادية المباشرة عليها، كما أن ملفها الأمني يدار حالياً من قوى أمنية متعددة، تتوزع بين الجيش العراقي والشرطة المحلية وفصائل الحشد الشعبي ووحدات حماية سنجار التابعة لحزب العمال الكوردستاني، مما خلق صراعات نفوذ داخل سنجار.

ويشير التقرير إلى أنه في عام 2020 أبرمت بغداد وأربيل اتفاقية سنجار، كان الهدف الأساس منها إعادة الاستقرار، وتنظيم الإدارة المحلية، وتسهيل عودة النازحين، إضافة الى إخراج القوى المسلحة غير الرسمية وإدارة الملف الأمني من قبل الشرطة الاتحادية والأمن الوطني فقط، لكن تنفيذه واجه صعوبات أبرزها رفض بعض الفصائل الانسحاب من سنجار.

انتظار بلا نهاية

ونقل الموقع الألماني شهادات عن معاناة السكان، متطرقاً إلى ظروف النازحة زيرين، قائلاً إنها لم تكن تعلم أنها ستترك يوماً قريتها خانصور في قضاء سنجار بمحافظة نينوى، لتذهب إلى حياة مجهولة المصير لها ولعائلتها.

وتقول زيرين: "نحن من قرية خانصور، وكما ترون أحوالنا هنا، نحن فقراء ولا نملك معيناً. العالم بأجمعه يرى ما نحن فيه من ظروف. نحن شعب مغلوب على أمره، لم نظلم أحداً ولم نسرق أو نعتدي على أحد".

وتستطرد زيرين قائلة: "لكن بالمقابل اعتُدي علينا، ودُمّرت منازلنا، وأصبحنا في المخيمات وفي الشوارع. ظروفنا سيئة، وأصبحنا مساكين نستحق المساعدة. كنا راضين عن عملنا وحياتنا ومعيشتنا، وليتنا كنا في بيوتنا وعلى أرضنا لنسترجع حياتنا. ليس باليد حيلة ولا نقدر على فعل شيء".

ولا يختلف حال الشاب العشريني أزاد عن زيرين، إذ يستذكر لحظات هروبه ويقول "مطلع آب/ أغسطس 2014 هربنا من خانصور وتوجهنا إلى إقليم كوردستان، وعانينا كثيراً في الطريق، فرأينا الأهوال والمصاعب والتعب، وتعرضنا لإطلاق النار. وصلنا إلى مدينة زاخو وسكنا في روضة أطفال، كنا 40 عائلة، ولم يكن هناك طعام ولا ماء ولا كهرباء".

ويضيف أزاد: "مكاننا هنا في المخيم ضيق جداً، حيث ننام ونأكل ونستحم في المكان نفسه. الحياة هنا صعبة إلى درجة لا يمكن تصورها".

بدوره يقول النازح الياس علي خديدا: "نرغب كثيراً في العودة إلى حياتنا السابقة، ولكن كيف نعود وبيوتنا مدمرة والحكومة لم تصرف لنا التعويضات من أجل إعادة بناءها ولم تقوم هي بذلك، كما أن إدارة المخيم ترفض اعطاءنا كتاب يثبت بأننا نازحين حتى نحتفظ بحقنا بالتعويضات. إذا غادرنا الآن بدون هذا الكتاب كيف سنعيش هل في خيمة أيضاً".

ويشير التقرير إلى أن عدد النازحين الإيزيديين في العراق ما يزال كبيراً رغم مرور أكثر من أحد عشر عاماً على "الإبادة الجماعية" التي تعرضوا لها، إذ يعيش عشرات الآلاف منهم في مخيمات النزوح. حالياً يوجد نحو 15 مخيماً رئيسياً للنازحين الإيزيديين، كلها في إقليم كوردستان، وتحديداً في محافظة دهوك التي تمثل المدينة الأقرب إلى سنجار.

فشل حكومي؟

ونقل التقرير عن الناشط الإيزيدي المعني بمتابعة شؤون المخيمات، سعيد حمو، قوله إن "أغلب المخيمات ما زالت عبارة عن خيم، وهناك أربعة مخيمات فقط أُنشئت فيها كرفانات لتحسين ظروف المعيشة داخلها. لكن قلة المساعدات تجعل الحياة فيها أكثر صعوبة. حتى الآن لا توجد حلول".

ويرى حمو أن وزارة الهجرة والمهجرين "فشلت في التعامل مع هذا الملف، حتى بعد القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء العراقي في نهاية تموز/ يونيو 2024 لإجبار النازحين على العودة من خلال تهديدهم بأن أي نازح يرفض العودة إلى مكان إقامته السابق في سنجار سيفقد بعد هذا التاريخ حق العودة، ويبقى مقيماً في منطقة تواجده في إقليم كوردستان".

ويُوضح حمو: "وزارة الهجرة حاولت، بعد إبرام اتفاق في عهد رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، تنظيم الأوضاع في سنجار، وأولى خطوات التنظيم كانت عودة سنجار إلى سلطة الحكومة الاتحادية في بغداد، لكن أغلب الإيزيديين رفضوا العودة لأسباب عدة، منها عدم دفع التعويضات التي تمكّنهم من إعادة بناء منازلهم والاستقرار فيها".

عهد الدم ودفع الدية

وفيما يعزو حمو إصرار الإيزيديين على رفض العودة إلى مناطقهم إلى عدم دفع التعويضات، يرى الباحث في الأمم المتحدة راشد داود - بحسب ما نقل عنه التقرير - أن أسباب عدم العودة تمتد إلى ما هو أبعد من الجوانب السياسية والإدارية، ويضيف لها أسباباً اجتماعية، بل يذهب إلى أن عدم معالجتها يعد واحداً من الأسباب الرئيسية لعدم العودة.

وفي هذا السياق يقول داود "تتمثل الأسباب الاجتماعية في نقض عهد الدم بين الإيزيديين والعرب، والذي كان سبباً رئيسياً في تعايشهم بسلام طيلة قرنيين ماضيين، ويُطلق عليه عهد (الكرافة)، ويتضمن أن أياً من الطرفين إذا أنجب مولوداً وأراد أن يقيم له مراسم الختان، أو ما يُعرف بالعامية (الطهور)، يضعه في حضن جاره أو رفيق دربه ليكون لاحقاً بمثابة العم لهذا المولود".

ويوضح داود: "بناءً على هذه الصفة، يحق له رعاية العائلة في حال غياب الرجل الراعي لها، لأنها تُعد بمثابة عائلته الثانية، وهكذا كان الأمر يسير. جميع العوائل في سنجار تربطهم صلة الدم، إلى أن جاء يوم اجتياح سنجار من قبل تنظيم داعش. ومع الأسف، من قتل واغتصب وسرق أموال الإيزيديين كانوا إخوتهم وفقاً لعهد الدم".

ويُبين داود أن "تنظيم داعش أعلن أن الإيزيديين ليسوا من أهل الكتاب، وأنهم لا يعبدون الله، وبالتالي فإن قتلهم وسبي نسائهم وسرقة أموالهم حلال، ما دفع بعض العشائر العربية التي كانت متعايشة منذ مئات السنين مع الإيزيديين، إلى قتلهم وسبي نسائهم والاستيلاء على أموالهم. وما زال مصير آلاف الإيزيديات المسبيات مجهولاً".

"ردم الفجوات"

وحاولت الأمم المتحدة وبعض المنظمات الدولية بعد انتهاء عمليات التحرير في تموز/ يوليو 2017، ردم الشرخ الذي حصل في العلاقات الاجتماعية بين الإيزيديين والعشائر العربية حيث تبنت العديد من المبادرات تحت عنوان "ردم الفجوات" إلا أنها وعلى ما يبدو لم تنجح في ذلك، كما يقول داود.

ويوضح "بعد انتهاء عمليات التحرير، طالب الإيزيديون العشائر العربية بالاعتذار عمّا اقترفوه كبادرة للصلح بينهم. وبالفعل، عُقد مجلس ضم شيوخ العشائر التي قام أبناؤها بقتل الإيزيديين وسرقة أموالهم وسبي النساء".

ويتابع أنه "وبالمقابل حضر كبار زعامات الإيزيديين. لكن ما حدث كان مخيباً للآمال، إذ رفضت العشائر العربية الاعتذار، لأنها رأت فيه اعترافاً بالجرائم التي ارتكبتها، وبالتالي سيلزمهم ذلك لاحقاً دفع الدية للإيزيديين".

وأردف داود: "لذلك فشلت جلسة الصلح وما لحق ذلك من جلسات ومبادرات، مما عمق شعور الإهانة لدى المجتمع الإيزيدي، وطُويت بذلك صفحة التعايش السلمي بين الطرفين بعد أن كانوا إخوة دم وفقاً لعهد (الكرافة)".

وخلص التقرير إلى القول "أحد عشر عاماً من الانتظار، وحياة معلقة بين الماضي والمستقبل. أطفال وُلدوا في المخيمات ولم يعرفوا غيرها. شباب فقدوا أحلامهم بين طوابير المساعدات ليُتركوا في النهاية لتدبير معيشتهم بعد أن قُطعت عنهم تقريباً، من قبل المنظمات الدولية والمحلية معاً".

وختم بالتأكيد أن "مأساة الإيزيديين ليست مجرد ذكرى إبادة، بل واقع يومي يجسد فشل إعادة الإعمار، وانكسار الثقة مع الجيران وغياب العدالة التي وحدها قادرة على أن تعيد الحياة إلى سنجار من جديد".