شفق نيوز- بغداد
في خضم تصاعد الضغوط الأميركية على العراق بشأن
ملف الأموال المشبوهة والنزاهة المالية، أثار حديث المبعوث الأميركي إلى العراق
مارك سافايا عن مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية وإمكانية فرض عقوبات
على "شبكات خبيثة" جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً داخل البلاد.
ويأتي هذا الجدل في وقت يحتل فيه العراق مرتبة
متأخرة على مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، إذ حل في المرتبة 140 من أصل 180 دولة،
وفق منظمة الشفافية الدولية، وسط اتهامات أميركية متكررة بوجود شبكات تهريب وغسل
أموال مرتبطة بفصائل مسلحة وإيران.
وبينما ترى واشنطن أن تدخلها يندرج ضمن حماية
النظام المالي الدولي ومنع تمويل الإرهاب، ينقسم الداخل العراقي بين من يعد هذه
الخطوات مساساً بالسيادة الوطنية، ومن ينظر إليها كضغط خارجي سببه فشل داخلي مزمن
في ضبط الفساد.
السيادة أولاً
وفي هذا السياق يؤكد حسن فدعم القيادي في تيار
الحكمة بزعامة عمار الحكيم أن العراق "دولة ذات سيادة ولديه مؤسساته الرقابية
والتنفيذية والقضائية، ويمارس دوره في مكافحة الفساد ومحاولة السيطرة على منافذه
ومنابعه"، مشيراً إلى أن إجراءات الحكومة في هذا المجال "واضحة"،
رغم وجود ضعف في المتابعة.
ويشدد فدعم خلال حديثه لوكالة شفق نيوز على أن
هذا الضعف "شأن عراقي داخلي"، مضيفاً: "لا نرضى ولا نقبل بأي تدخل
خارجي في الشأن العراقي".
ويرى أن العراق يمكنه الاستعانة بالمعلومات
والملفات من الدول الأخرى في ما يتعلق بمتابعة الأموال المهربة، إلا أن
"التعاون الدولي في هذا المجال خصوصاً من الولايات المتحدة لم يكن بالمستوى
المطلوب".
ويشير إلى أن "الكثير من الأموال المهربة
تستطيع أميركا الإبلاغ عنها والسيطرة عليها، لكنها لم تتعاون بالشكل الكافي"،
معرباً عن أمله بأن يقتصر دور الدول الأخرى على "متابعة المطلوبين والقبض
عليهم وتسليمهم إلى العراق وإعادة الأموال المنهوبة"، باعتباره الإطار الوحيد
المقبول للتعاون في ملف مكافحة الفساد.
وكان سافايا، أعلن يوم أمس الخميس، إنه التقى بوزارة
الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، لبحث التحديات الرئيسية وفرص
الإصلاح في المصارف الحكومية والمصارف الخاصة في العراق، مع تركيز واضح على تعزيز
الحوكمة المالية والامتثال والمساءلة المؤسسية.
وأوضح أن الجانبين اتفقا على إجراء مراجعة
شاملة لسجلات المدفوعات المشبوهة والمعاملات المالية التي تشمل مؤسسات وشركات
وأفراداً في العراق، والمرتبطة بعمليات التهريب وغسل الأموال والعقود والمشاريع
المالية الاحتيالية التي تمول وتمكن الأنشطة الإرهابية.
وأضاف أن المباحثات تضمنت أيضاً مناقشة الخطوات
المقبلة المتعلقة بالعقوبات المرتقبة التي تستهدف الجهات والشبكات الخبيثة التي
تقوض النزاهة المالية وسلطة الدولة.
قراءة قانونية
من جانبه، يعتبر أستاذ العلاقات الدولية صالح
الشذر أن أي تدخل خارجي، سواء كان إقليمياً أم دولياً، "يعد تدخلاً في شؤون
الدول"، مؤكداً أن الدستور العراقي والقوانين الدولية "لا تسمح بفرض
إرادة خارجية أو وصاية"، حتى لو صدرت من دولة كبرى كالولايات المتحدة.
ويقول الشذر لوكالة شفق نيوز إن "تدخلات
سافايا أو غيره تندرج ضمن الوصايات التي تفرضها أجندات دولية، وهو أمر مخالف
للقانون الدولي".
لكن الشذر في المقابل يقر بوجود "خروقات
داخلية وسوء استخدام للسلطة والمال العام منذ عام 2003 وحتى اليوم"، معتبراً
أن ذلك وضع العراق "في دائرة الشبهات الإقليمية والدولية"، وهو ما يفسر
بالنسبة للبعض مشروعية هذه التدخلات.
ويشر الشذر إلى أن الحل لا يكمن في القبول
بالوصاية الخارجية، بل في "حلحلة الجانب الاقتصادي العراقي وتشكيل حكومة
قادرة على إدارة الملف الاقتصادي، إلى جانب الملفين الأمني والإقليمي"، بما
يعيد الثقة الداخلية والخارجية بالدولة العراقية.
زاوية أمنية
بدوره، يقدم الخبير الأمني والعسكري سرمد
البياتي قراءة أكثر واقعية للمشهد، معتبراً أن السبب الرئيسي لهذا التدخل يعود إلى
كون سافايا مبعوثاً مباشراً للرئيس الأميركي، ومن الطبيعي أن تصله "معلومات
عن وجود فساد وتهريب للدولار ومشاكل اقتصادية تؤثر في ما يجري داخل العراق".
ويوضح البياتي لوكالة شفق نيوز أن التدخل
"غير مقبول من حيث المبدأ"، لكنه أشار إلى جانب آخر من الصورة، يتمثل في
أن العراق "يتعامل بالدولار الأميركي وأموال النفط مودعة في البنك الفيدرالي
الأميركي"، ما يجعل من حق واشنطن أن "تعرف أين يذهب الدولار" خاصة
إذا كان يتجه إلى دول خاضعة للعقوبات.
ويضيف أن هذا التدخل قد يبدو "طبيعياً"
إذا كان الهدف منه فعلاً مكافحة الفساد وحماية أموال العراق وليس فرض إملاءات
سياسية، مشيراً إلى أن "المسألة تحمل جانبين الأول يمس السيادة، والثاني
يتعلق برغبة الأميركيين في منع إساءة استخدام عملتهم وأموال العراق".
عقوبات متراكمة
وتأتي هذه المواقف المتباينة في وقت تفرض فيه
وزارة الخزانة الأميركية بين فترة وأخرى عقوبات مالية على عشرات المؤسسات المالية
والمصرفية والتجارية والشخصيات السياسية والتجارية في العراق بتهم تتعلق بغسل
الأموال وتهريب السلاح وتمويل فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، كما تربط واشنطن هذه الشبكات
بإضعاف الاقتصاد العراقي وتقويض مؤسسات الدولة.
ووفقاً لسجل طويل من العقوبات الأميركية
المتراكمة على الأفراد والشركات والمؤسسات العراقية، والذي بدأ منذ عام 2018، يظهر
أنها طالت بنوكاً ومصارف وشركات تحويل مالي وشركات استثمار وسياحة وطيران وشخصيات
سياسية ورجال أعمال وزعماء وقيادات بفصائل مسلحة.