شفق نيوز- بغداد

أصدرت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية منذ مطلع آب/ أغسطس الجاري عدداً من الإجراءات بحق قنوات وبرامج وإعلاميين وشخصيات سياسية، ضمن سلسلة قرارات مماثلة صدرت عن الهيئة خلال 2026.

وبحسب رصد وكالة شفق نيوز للقرارات المنشورة من الهيئة خلال 2026، فقد شملت الإجراءات عشرات الحالات من منع الظهور وإيقاف البرامج والإنذارات والغرامات، بينها 18 قراراً فردياً على الأقل بمنع إعلاميين ومحللين وشخصيات عامة من الظهور لفترات متفاوتة، إلى جانب قرارات بحق قنوات وبرامج إعلامية.

8 عقوبات في 3 أيام

وتصاعدت إجراءات هيئة الإعلام والاتصالات بصورة لافتة في النصف الثاني من آب/ أغسطس الجاري، ففي 17 من الشهر المذكور قررت إيقاف برنامج "حوار التاسعة" على قناة الفلوجة لمدة عشرة أيام، ومنع مقدمه علي فرحان من الظهور للمدة نفسها، مع فرض غرامة قدرها 25 مليون دينار عراقي وإلزام القناة بإزالة المخالفات وتقديم اعتذار.

وذكرت الهيئة أن القرار استند إلى مخالفات رصدتها في حلقات من البرنامج وبرنامج "حصاد الأخبار"، تتعلق بقواعد البث الإعلامي، ومنها التحريض على العنف والكراهية والدقة والنزاهة.

وفي اليوم التالي، اتخذت الهيئة قراراً بحق قناة الرشيد شمل إيقاف برنامج "الثامنة مع أحمد الطيب" لمدة 15 يوماً ومنع مقدم البرنامج أحمد الطيب من الظهور للمدة نفسها، مع توجيه تحذير للقناة.

وأوضحت الهيئة أن القرار جاء على خلفية حلقة بثت في 12 آب/ أغسطس الجاري تضمنت تصريحات للضيف الخبير الأمني أحمد الشريفي رأت فيها تهديداً وتلويحاً باستخدام السلاح وتحريضاً على العنف، معتبرة أن مقدم البرنامج لم يتدخل لوقف التصريحات، ونشرت الهيئة القرار رسمياً في 18 من الشهر المذكور.

وفي 17 آب/ أغسطس أيضاً، صدر قرار بمنع الخبير الأمني أحمد الشريفي من الظهور في وسائل الإعلام المحلية والأجنبية العاملة داخل العراق لمدة 90 يوماً، بداعي أن حديثه تضمن خطاباً يحرض على الكراهية ويهدد السلم الأهلي ويعرض السلامة العامة للخطر.

وفي اليوم نفسه، أصدرت الهيئة إعماماً يقضي بمنع السياسي مشعان الجبوري من الظهور في جميع وسائل الإعلام المحلية والأجنبية العاملة في العراق لمدة 90 يوماً، على خلفية ظهوره في برنامج "حوار التاسعة" على قناة الفلوجة في 12 آب/ أغسطس.

وبينت الهيئة أن حديثه تضمن معلومات ذات طابع طائفي وتحريضاً على الكراهية، وعدته مخالفاً للائحة قواعد البث الإعلامي.

وفي 19 آب/ أغسطس أصدرت الهيئة قراراً بمنع ظهور النائب السابق سجاد سالم إعلامياً لمدة 90 يوماً، بداعي "بث معلومات كاذبة ومضللة"، و"الإساءة إلى مؤسسات الدولة"، و"تخوين مؤسسات الدولة الوطنية واتهامها بالعمالة لصالح جهات استخباراتية أجنبية".

ولا تنحصر إجراءات الهيئة في آب/ أغسطس؛ فقد أصدرت خلال الأشهر السابقة قرارات بمنع الظهور بحق شخصيات عدة، بينها بشير الحجيمي ومؤيد الجحيشي، كما فرضت إنذارات وغرامات على قنوات وبرامج أخرى، فيما أظهرت قوائم الهيئة قرارات بحق أحمد ملا طلال ومروة هاشم وسجاد القريشي وغيرهم.

تنظيم ورقابة

وتقول الهيئة إن إجراءاتها تستند إلى الأمر التشريعي رقم 65 لسنة 2004 وإلى لوائح وقواعد البث الإعلامي، وإن هدفها تنظيم القطاع وحماية الجمهور والسلم المجتمعي، وليس تقييد الرأي.

وفي 9 حزيران/ يونيو 2026 أعلنت الهيئة ضوابط للظهور الإعلامي للضيوف، أكدت فيها أن حرية التعبير حق دستوري، لكنها شددت على التمييز بين الرأي والمعلومة، والتحقق من الأخبار، ومنع التحريض على العنف والكراهية والتمييز والتشهير.

لكن منتقدين يرون أن المشكلة تبدأ عندما تتحول القواعد المهنية إلى وسيلة لمعاقبة الموقف السياسي نفسه، أو عندما تستخدم مفاهيم واسعة مثل "السلم الأهلي" و"الكراهية" و"الأمن الوطني" من دون معايير دقيقة يمكن للصحفي والمؤسسة الإعلامية توقعها مسبقاً.

وفي هذا الجانب، يقول عضو مجلس نقابة الصحفيين العراقيين، هادي جلو مرعي، إن ردود الفعل على قرارات منع الظهور والتنبيهات والإنذارات لا يمكن تجاهلها، لأن "الأصل في العمل الصحفي هو حرية التعبير والوصول إلى المعلومة".

ويضيف مرعي، لوكالة شفق نيوز، أن التداخل بين السياسي والإعلامي "يعقد المشهد الإعلامي" ويثير مخاوف من إجراءات أكثر شدة، داعياً الهيئة إلى مراجعة طبيعة علاقتها بوسائل الإعلام لتكون أقرب إلى "الشراكة والتعاون منها إلى الرقابة والمنع".

ويرى أن ذلك يأتي في وقت يحتاج فيه العراق إلى مزيد من المعلومات حول التطورات السياسية والأمنية والعمل الحكومي وقضايا الناس، مشيراً إلى استمرار الجدل بشأن قوانين حرية المعلومة والجرائم الإلكترونية وحق التعبير عن الرأي.

هاجس الحرية

ومن الجهة الأخرى، يقول مقدم برنامج "الثامنة" أحمد الطيب، إنه ملتزم بتوجيهات المؤسسات الحكومية المعنية برصد البرامج الحوارية، مؤكداً أن هذا الالتزام نابع من "حسي وشعوري الوطني" وإيمانه بوجود قانون نافذ يحاسب من يخالف لوائح الهيئة.

ويضيف الطيب لوكالة شفق نيوز، أن الرأي العام استغرب معاقبته ومنعه من الظهور بسبب عدم تدخله في رأي أدلى به أحد الضيوف، لكنه يؤكد في الوقت نفسه احترامه لقرار الهيئة وتنفيذه.

أما الباحث السياسي خالد العرداوي، فيرى أن حرية الرأي والتعبير، خصوصاً في القضايا العامة، تحتاج إلى مساحة واسعة في الدول الحديثة القائمة على القانون والمؤسسات، باعتبارها أساساً للحوار وقبول الرأي الآخر.

وينبه العرداوي، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن بناء هذه البيئة لا يتحقق سريعاً، بل يحتاج إلى مؤسسات دستورية فاعلة تحمي حرية التعبير، محذراً من أن تتحول هيئة الإعلام والاتصالات إلى جهة "تتصيد" آراء الأشخاص والقنوات وتحاسبهم على كل رأي لا ينسجم مع القائمين عليها.

وبحسب العرداوي فإن هذا النهج يمكن أن يؤدي إلى "تكميم الأفواه" وتعطيل بناء الديمقراطية، مشيراً إلى أن بعض القوانين والتعليمات المستخدمة في العراق تعود إلى حقبة النظام السابق، وبالتالي فإن فلسفتها تحتاج إلى مراجعة بما يتناسب مع النظام الديمقراطي.

ويؤكد أن العراق يحتاج إلى أنظمة وتعليمات جديدة تقوم على "فلسفة الديمقراطية والحرية"، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يعمق الفجوة بين السلطة والمجتمع.

النص والتطبيق

ويستند الجدل إلى المادة 38 من الدستور العراقي لعام 2005، التي تكفل حرية التعبير عن الرأي والصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر، مع مراعاة النظام العام والآداب، وتضاف إليها المادة 42 التي تكفل حرية الفكر والضمير والعقيدة.

لكن منظمات حقوقية وصحفية تقول إن المشكلة لا تكمن في غياب النص الدستوري، بل في الفجوة بين النص والتطبيق، وفي استخدام مواد قانونية قديمة ومصطلحات فضفاضة في قضايا الرأي.

وكان المرصد العراقي لحقوق الإنسان قد دعا في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2025 إلى إعادة تعريف مصطلحات مثل "النظام السياسي" و"النظام العام"، وطالب بوقف العمل بعدد من مواد قانون العقوبات التي قال إنها تستخدم لتقييد حرية التعبير.

كما وثقت تقارير حقوقية خلال 2024 و2025 حالات اعتقال وملاحقة لصحفيين وناشطين على خلفية منشورات وانتقادات لمسؤولين، بينما حذر ناشطون من أن استخدام قوانين مثل المادة 403 الخاصة بالمحتوى المخالف للآداب يمكن أن يوسع مساحة التجريم إذا لم تكن معايير التطبيق واضحة.

وفي مؤشر أوسع على البيئة التي يعمل فيها الإعلام العراقي، جاء العراق في المرتبة 162 عالمياً من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، متراجعاً من المرتبة 155 في 2025.