شفق نيوز- بابل

رغم مرور أكثر من عقد على استعادة ناحية جرف النصر (الصخر سابقاً) الواقعة شمالي محافظة بابل من سيطرة تنظيم "داعش" في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2014، ما يزال ملف عودة سكانها يراوح مكانه بين تعقيدات أمنية وخلافات سياسية ونفوذ مسلح متجذر، في واحدة من أكثر قضايا النزوح خطورة في العراق بعد 2003.

وتشير تقديرات سياسية وبرلمانية متقاربة إلى أن عدد النازحين من المنطقة والمناطق المجاورة يصل إلى أكثر من 100 ألف شخص، لا يزال معظمهم خارج قراهم الأصلية منذ أكثر من عشر سنوات، في ظل غياب مسار واضح لعودتهم.

عقد من الزمن

وبعد عمليات عسكرية واسعة انتهت عام 2014، أعلنت السلطات العراقية استعادة جرف النصر، لتبدأ مرحلة جديدة من الجدل حول طبيعة السيطرة على المنطقة.

وتشير تقارير سياسية وإعلامية إلى أن المنطقة تحولت تدريجياً إلى مساحة عسكرية مغلقة، مع تضارب في الروايات بشأن إمكانية دخولها أو عودة المدنيين إليها، بين تأكيدات رسمية تربط العودة بإزالة مخلفات الحرب والتدقيق الأمني، واتهامات سياسية تتحدث عن منع منظم للعودة.

وفي 2017، أثار مجلس محافظة بابل جدلاً واسعاً بعد قرار يقضي بمقاضاة أي جهة تطالب بعودة النازحين، ما اعتبره مراقبون آنذاك مؤشراً على تعقد الملف سياسياً، بينما اعتبرته الأمم المتحدة تقييداً للنقاش حول حقوق النازحين.

وفي 2019، ذهبت تقارير تحليلية أبعد من ذلك، مشيرة إلى أن الناحية باتت "بؤرة عسكرية" مغلقة ذات أهمية استراتيجية، وهو توصيف ظل يتكرر في تقارير لاحقة.

ملف أمني سياسي

وفي هذا السياق، يقول الباحث والأكاديمي، زياد العرار، إن "عودة النازحين إلى منطقة جرف النصر مسألة معقدة، حيث هناك إجراءات أمنية على الأرض، وفصائل تعترض على عودة أهالي المنطقة، وهناك ترتيبات لترحيل بعضهم إلى مناطق أخرى، فهو ملف معقد وفيه تداخلات سياسية وإجراءات".

ويضيف العرار لوكالة شفق نيوز، أن "القوى السنية بعضها صامت إزاء هذا الملف، والقلة تتحدث بضرورة عودة الأهالي إلى مساكنهم التي توارثوها منذ عقود طويلة".

ويشير إلى أن العودة "مرهونة بقرار سياسي وتفاهمات عليا بين القيادات"، لافتاً إلى أن استمرار التعقيد مرتبط بـ"الخلاف السياسي ووجود أطراف تمتلك السلاح وتمنع العودة".

ويرى أن الحكومة الحالية قد تمتلك "فرصة لإعادة طرح الملف وإنهاء معاناة أكثر من 100 ألف شخص"، لكن دون وجود مؤشرات حاسمة حتى الآن.

اتهامات بالتقصير

من جانبه، يقول أمين عام حزب "العراق هويتنا" والنائب السابق، كامل نواف الغريري، إن "الحكومات المتعاقبة كانت لديها تحركات مع القوى السياسية، لكن عدم رجوع النازحين إلى جرف الصخر لأسباب لا نعلمها، سواء كانت داخلية أم خارجية، ويجب على الحكومة توضيح هذا الأمر".

ويضيف الغريري لوكالة شفق نيوز: "نأمل من الحكومة السعي إلى عودة أهالي جرف الصخر إلى مناطق سكناهم تحت سيطرة الأجهزة الأمنية من الجيش والشرطة".

ويحمّل الغريري الحكومات السابقة مسؤولية استمرار النزوح، مشيراً إلى أن "العراق اليوم خالٍ من داعش"، وبالتالي لا مبرر لاستمرار إغلاق الملف.

غياب التوافق

في المقابل، يرى النائب السابق من بابل، حسن فدعم، أن ملف جرف النصر "شائك ومعقد"، موضحاً أن "من أبرز أسباب عدم عودة السكان هو غياب التوافق السياسي، وعدم وجود اتفاق أمني واضح لمسك الأرض في حال عودة الأهالي".

ويضيف فدعم: "لا تزال عشرات آلاف الألغام والعبوات الناسفة غير مرفوعة، وتشكل خطراً مباشراً على المدنيين والقوات الأمنية، كما أن البنى التحتية مدمرة بالكامل وتحتاج إلى إعادة إعمار واسعة".

ويشير إلى أن الموقع الجغرافي الحساس للمنطقة القريب من بغداد وكربلاء وبابل يجعل أي عودة "مرتبطة بخطة أمنية وإعمارية شاملة".

ما بعد 2014

من جانبه، يرى الباحث السياسي، مجاشع التميمي، أن القضية تجاوزت بعدها الإنساني المباشر، قائلاً إن "ملف جرف النصر لم يعد مرتبطاً بعودة السكان فقط، بل بمعادلات أمنية وسياسية تشكلت بعد 2014".

ويضيف التميمي لوكالة شفق نيوز، أن أبرز المعوقات تتمثل في "استمرار الهواجس الأمنية، وغياب التوافق السياسي الكامل، وتعدد الجهات المؤثرة، إضافة إلى الحاجة إلى تدقيق أمني وإداري شامل".

ويقترح التميمي في نهاية حديثه، تشكيل لجنة عليا مشتركة بين الحكومة والجهات الأمنية وممثلين عن السكان، لوضع "خارطة طريق معلنة للعودة وإعادة الإعمار والضمانات الأمنية".