شفق نيوز- بغداد
يشهد العراق منذ مطلع عام 2026 ضغوطاً مالية غير مسبوقة بفعل انخفاض أسعار النفط العالمي وتصاعد الالتزامات الجارية للنفقات العامة، خصوصاً رواتب الموظفين والمتقاعدين.
وتشير تقديرات المسؤولين والخبراء إلى أن الاعتماد شبه الكامل على النفط يجعل المالية العامة العراقية شديدة الحساسية لأي تقلبات خارجية، ما يضع الاستقرار الاقتصادي تحت اختبار حقيقي.
ويؤكد المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن "مسألة كفاية الموارد النفطية لسد النفقات التشغيلية الشهرية، لا سيما الرواتب والمعاشات وإعانات الرعاية الاجتماعية، تمثل محوراً جوهرياً في تقييم الاستدامة المالية".
ويشير صالح في حديث مع وكالة شفق نيوز إلى أن الالتزامات الأساسية تصل إلى نحو 8 تريليونات دينار شهرياً دون احتساب الدعم ونفقات خدمة الدين ومستحقات العقود.
ويضيف أن "الإيرادات النفطية قادرة من حيث المبدأ على تغطية بند الرواتب والمعاشات إذا بقي متوسط سعر البرميل السنوي عند 60 دولاراً على الأقل، مع تصدير 3.4 ملايين برميل يومياً".
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه، أن الاعتماد على النفط لم يعد خياراً مستداماً، قائلاً إن "الدولة قادرة على دفع الرواتب في المدى القصير، لكن المشكلة بنيوية، حيث إن فاتورة الرواتب والتقاعد تضخمت باستمرار، والإيرادات غير النفطية ضعيفة ولا توفر شبكة أمان مالية".
ويحذر عبد ربه خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، من أن "استمرار هذا النموذج يبقي رواتب الموظفين رهينة تقلبات السوق النفطية، ما لم تُتخذ خطوات جدية لإصلاح هيكل الإنفاق وتنويع مصادر الدخل".
وتكشف البيانات المالية الرسمية عن حجم هذا التحدي، حيث أشار مرصد "إيكو عراق" إلى أن العجز المالي لغاية تشرين الأول/ أكتوبر 2025 بلغ 24 تريليوناً و680 مليار دينار، فيما تشكل النفقات الجارية نحو 75% من الإنفاق العام.
وأوضح المرصد في بيان، السبت، أن إجمالي الإيرادات غير النفطية لم يتجاوز 10 تريليونات دينار من أصل 103 تريليونات دينار، فيما استحوذت الإيرادات النفطية على 93 تريليوناً تقريباً.
وبلغت النفقات الجارية المخصصة للرواتب والخدمات نحو 96 تريليون دينار، أي ما يعادل 90% من إجمالي النفقات، بحسب البيانات الرسمية للبنك المركزي العراقي.
وفي هذا الصدد يشدد أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي على أن "العراق يصرف أكثر مما يستطيع تحمله على المدى المتوسط إذا بقي أسير مصدر واحد للدخل، فالنفط يغطي الإنفاق الجاري فقط ولا يساهم في بناء اقتصاد بديل أو صندوق استقرار فعلي".
ويضيف السعدي لوكالة شفق نيوز أن "أي تراجع في أسعار النفط أو التزامات إضافية غير محسوبة سيحول ملف الرواتب من استحقاق مضمون إلى ملف حساس وخاضع للمخاطر".
بدوره، يلفت الخبير الاقتصادي مصطفى الفرج إلى أن "رواتب الموظفين مؤمنة حالياً طالما بقي سعر البرميل فوق 55 دولاراً، لكن الانخفاض إلى دون 50-55 دولاراً سيخلق عقبات كبيرة".
ويؤكد الفرج في حديثه مع وكالة شفق نيوز أن "الحلول تتمثل بإعادة ضبط الإنفاق خاصة على رواتب الرئاسات الثلاث والنواب ومزدوجي الرواتب ورواتب رفحاء، بالإضافة إلى ضرورة تنويع مصادر الدخل بما في ذلك تفعيل القطاع السياحي".
وفي هذا السياق، بدأت الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني خطوات عملية للحد من العجز المالي، تضمنت بيع سيارات ومعدات حكومية قديمة وتخفيض حصص الوقود بنسبة 50%، وإيقاف احتساب الشهادات الدراسية الإضافية للموظفين بدءاً من مطلع كانون الثاني/ يناير 2026، واعتماد الشهادة التي تم التعيين بها لأول مرة كمرجع وحيد للرواتب والترقيات.
ويقدر مراقبون أن هذه الإجراءات قد توفر نحو ملياري دولار سنوياً، بينما يرى آخرون أنها خطوات ثانوية وغير كافية لوحدها لسد فجوة العجز المالي الكبير، مؤكدين أن الحل يتطلب إصلاحات جذرية في هيكل الإنفاق العام وضبط مخصصات كبار المسؤولين ومضاعفة الإيرادات غير النفطية إلى جانب بناء أدوات مالية مرنة تحمي الاستقرار المعيشي.