شفق نيوز ـ دمشق
عدّ القيادي الكوردي السوري وعضو مجلس الشعب عبد الحكيم بشار، تمثيل الكورد في المجلس الجديد "دون المستوى المستحق"، معتبراً أن الاتفاقات المبرمة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" تعالج ترتيبات عسكرية وأمنية وإدارية، لكنها لا تشكل حلاً سياسياً شاملاً للقضية الكوردية.
وقال بشار، وهو عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني ـ سوريا، في حوار خاص مع وكالة شفق نيوز، إن النواب الكورد بدأوا التنسيق لتشكيل موقف مشترك داخل مجلس الشعب، فيما تتصدر ملفات الحقوق القومية واللغة والجنسية وملكية الأراضي وتنمية المناطق الكوردية أولويات عملهم خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف أن بناء علاقة مؤسساتية مستقرة بين دمشق والقوى الكوردية لا يمكن أن يتحقق بمجرد دمج الهياكل العسكرية والإدارية القائمة، بل يتطلب توافقاً سياسياً يحدد شكل الدولة السورية المقبلة، ويضمن دستورياً حقوق مختلف مكوناتها.
مجلس مختلف
وعن الجلسة الأولى لمجلس الشعب، رأى بشار أن المجلس الحالي يختلف بوضوح عن المجالس التي تشكلت خلال حكم النظام السابق، ولا سيما مع غياب مشاهد التصفيق لرئيس الجمهورية وشعارات التمجيد التي كانت ترافق جلساته.
وقال إن هذا التغيير يمثل "تطوراً إيجابياً يعكس تحولاً في طبيعة المشهد السياسي"، لكنه أضاف أن الحكم على المجلس ومدى قدرته على تأسيس مرحلة سياسية وتشريعية جديدة لا يزال مبكراً.
وأوضح أن الاختبار الحقيقي سيكون في أداء المجلس خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرته على الاستجابة لتطلعات السوريين بمختلف مكوناتهم، وتحويلها إلى تشريعات وسياسات تعزز العدالة والمشاركة والمواطنة المتساوية.
وكان مجلس الشعب السوري الجديد قد عقد جلسته الأولى في دمشق، يوم الأحد 12 تموز 2026، بعد اكتمال تشكيله من 210 أعضاء، واختير ثلثا الأعضاء عبر هيئات ناخبة مناطقية، بينما عيّن الرئيس أحمد الشرع الثلث المتبقي.
وتبلغ مدة المجلس 30 شهراً قابلة للتجديد، ويتولى السلطة التشريعية إلى حين إقرار دستور دائم وتنظيم انتخابات عامة.
وبشأن الحضور الكوردي في الجلسة الأولى، قال بشار إن النتائج "لم تكن بالمستوى المأمول"، موضحاً أن الكورد يمثلهم 12 عضواً ينتمون إلى اتجاهات وخلفيات سياسية مختلفة، ما يجعل تشكيل كتلة كوردية وازنة وفاعلة بحاجة إلى مزيد من الوقت والتنسيق.
وأشار إلى أن اختيار أعضاء مجلس الشعب في المناطق الكوردية جرى متأخراً مقارنة بمناطق سورية أخرى، ما منح النواب الذين اختيروا مبكراً وقتاً أطول لإجراء التفاهمات وبناء التحالفات المتعلقة بتوزيع مواقع وهيئات المجلس.
وأضاف أن معلومات ترددت بشأن حصول بعض الشخصيات على دعم خلال المنافسة على المناصب، وهو ما انعكس، بحسب تقديره، على النتائج النهائية لتشكيل هيئات المجلس.
12 مقعداً فقط
ووصف بشار تمثيل الكورد في مجلس الشعب بأنه "دون المستوى المستحق"، ولا يتناسب مع نسبتهم السكانية التي قدّرها بنحو 15 في المئة من سكان سوريا، في ظل عدم وجود إحصاءات رسمية حديثة ومعتمدة.
وتابع أن تمثيلاً يتناسب مع هذه النسبة كان يفترض أن يمنح الكورد ما بين 30 و32 مقعداً على الأقل، بدلاً من المقاعد الاثني عشر التي يشغلونها حالياً.
وعزا ضعف التمثيل إلى عاملين أساسيين، أولهما غياب اتفاق سياسي واضح بين الحركة الكوردية والسلطات السورية بشأن القضية الكوردية، معتبراً أن المسؤولية عن ذلك مشتركة بين الطرفين.
وقال إن الحركة الكوردية لم تنشط سياسياً في دمشق بالقدر الكافي، في حين لم تبادر السلطات السورية إلى إطلاق حوار سياسي جاد وشامل معها.
أما العامل الثاني، وفق بشار، فيرتبط بآلية تشكيل المجلس التي لم تعتمد انتخابات جماهيرية حرة ومباشرة، نتيجة الظروف الاستثنائية التي تمر بها سوريا، ما انعكس على مستوى تمثيل الكورد وبقية المكونات.
وشدد على أن العمل الوطني يجب أن يكون الأساس داخل المجلس، وأن تكون الأولوية لخدمة جميع السوريين بعيداً عن الحسابات الحزبية أو القومية والطائفية الضيقة.
لكنه أكد في الوقت نفسه أن وجود الأحزاب والتيارات السياسية يشكل ركناً أساسياً في أي حياة سياسية سليمة، وأن وجود معارضة وطنية مسؤولة داخل البرلمان أو خارجه يعزز الديمقراطية والشفافية والرقابة على السلطة التنفيذية.
وكشف بشار عن عقد النواب الكورد عدة اجتماعات، اتفقوا خلالها على العمل بروح الفريق والتنسيق في القضايا الوطنية العامة، إلى جانب الملفات المتعلقة بالمجتمع الكوردي.
وأوضح أن هذا التنسيق ما زال في مراحله الأولى ويحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد للوصول إلى صيغة تعاون أكثر فاعلية، مؤكداً أن العمل الجماعي يمثل السبيل الأفضل لتعزيز حضور النواب الكورد وخدمة المصلحة الوطنية في الوقت نفسه.
الأراضي والخدمات والحقوق
وعن الملفات التي يعتزم النواب الكورد طرحها، قال بشار إن الأولويات تتوزع بين قضايا وطنية عامة وأخرى ترتبط مباشرة بحقوق الكورد وخصوصية مناطقهم، لكنها تندرج جميعاً ضمن مشروع بناء دولة المواطنة والعدالة.
ووضع في مقدمة هذه الملفات مراجعة القوانين والتدابير الاستثنائية المتعلقة بملكية الأراضي في المناطق الكوردية، موضحاً أن مساحات واسعة ما زالت تفتقر إلى سندات الملكية العقارية المعروفة بـ"الطابو الأخضر"، ويستند إثبات ملكيتها إلى قرارات قضائية أو وثائق أخرى.
وأضاف أن النواب سيعملون أيضاً على فتح ملفات استملاك الأراضي والتشريعات الاستثنائية التي ألحقت أضراراً بسكان المناطق الكوردية خلال العقود الماضية.
ويحظى ملف التنمية والخدمات، وفق بشار، بأهمية مماثلة، ولا سيما تحسين البنية التحتية وتأمين المياه والكهرباء وتطوير شبكات الطرق ورفع مستوى التعليم والصحة والخدمات العامة.
وأشار إلى أهمية دعم قطاعي الزراعة والصناعة، بما يسهم في توفير فرص العمل وتحقيق تنمية مستدامة في مناطق عانت لسنوات من الإهمال والحرب وتراجع الاستثمار.
كما دعا إلى معالجة الآثار السلبية التي خلفتها سنوات الإدارة الذاتية، ومن بينها المخاطر التي تهدد سلامة المدنيين، والأضرار البيئية والصحية الناجمة عن استخراج النفط وتكريره بوسائل بدائية.
وعلى المستوى السياسي، قال بشار إن الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي يبقى أولوية رئيسية، وينبغي تثبيته في الدستور السوري الجديد، بما يقر بالتعدد القومي والثقافي ويضمن المواطنة المتساوية للأفراد والمجموعات العرقية.
ورأى أن شكل الدولة السورية يجب أن يكون جزءاً أساسياً من الحوار الوطني والدستوري، بما يحافظ على وحدة البلاد، ويؤسس لإدارة رشيدة ونظام لامركزي يضمن مشاركة جميع المكونات.
ووضع بشار ضمن القضايا المطروحة إعادة النظر في الاسم الرسمي للدولة ليعبر عن جميع السوريين، والاعتراف باللغة الكوردية لغة رسمية إلى جانب العربية في المناطق ذات الغالبية الكوردية، ومعالجة آثار مشروع الحزام العربي وفق رؤية وطنية عادلة.
كما دعا إلى استكمال معالجة قضية الكورد المحرومين من الجنسية، وتثبيت الوضع القانوني لمن استعادوها، وضمان مشاركة كوردية فاعلة في أي لجنة تتولى صياغة الدستور السوري الجديد.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر في 16 كانون الثاني 2026 مرسوماً اعتبر المواطنين الكورد جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، واعترف بالكوردية لغة وطنية يسمح بتدريسها في المناطق ذات الوجود الكوردي. كما ألغى المرسوم الإجراءات المترتبة على إحصاء الحسكة لعام 1962، ونص على منح الجنسية لمكتومي القيد، واعتماد عيد نوروز عطلة رسمية في البلاد.
وأكد بشار أن بعض المطالب المتعلقة بشكل الدولة واللغة والاعتراف القومي تتجاوز الصلاحيات المباشرة لمجلس الشعب، وترتبط بالعملية الدستورية والتوافقات السياسية الوطنية.
لكنه رأى أن المجلس يستطيع تهيئة الأرضية السياسية والتشريعية لهذه الملفات، وفتح نقاش وطني جاد يقود إلى حلول عادلة ومستدامة.
اتفاق "قسد" وحدوده
وبشأن العلاقة بين القوى الكوردية والحكومة السورية، قال بشار إن الحديث عن انتقال هذه العلاقة إلى مرحلة العمل المؤسسي يتطلب أولاً تحديد المقصود بالقوى الكوردية، نظراً إلى تعدد التيارات والمشاريع داخل المشهد السياسي الكوردي السوري.
وأوضح أن المقاربة السياسية لقوات سوريا الديمقراطية لا تقوم، بحسب رأيه، على مشروع قومي كوردي بالمفهوم التقليدي، بل تستند إلى مفهومي "الأمة الديمقراطية" و"أخوة الشعوب"، وتدعو إلى تجاوز الهويات القومية المغلقة.
وأضاف أن المفاوضات بين دمشق و"قسد" تركزت لذلك على مستقبل المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية التابعة للقوات والإدارة الذاتية، وآلية دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، أكثر من تركيزها على الاعتراف بالهوية الكوردية والحقوق القومية.
وقال إن جوهر المفاوضات يدور حول طبيعة الدمج، وتوزيع الصلاحيات والمواقع داخل أجهزة الدولة، وترتيب البنى القيادية والإدارية.
وتوصلت دمشق و"قسد" في آذار 2025 إلى اتفاق أولي لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن الدولة، لكن الخلافات بشأن آلية التنفيذ حالت دون تطبيقه ضمن المدة المحددة. وبعد مواجهات عسكرية مطلع 2026، أعلن الطرفان في 30 كانون الثاني اتفاقاً جديداً يتضمن انسحاب القوات من خطوط التماس، وانتشار قوات وزارة الداخلية في الحسكة والقامشلي، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ألوية من "قسد"، إلى جانب دمج مؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة.
ورغم ذلك، أكد بشار أن الاتفاق مع "قسد" لا يحل القضية الكوردية ولا يضمن الحقوق السياسية للكورد أو تمثيلهم في مؤسسات الدولة.
وأوضح أن الاتفاق يتحرك ضمن ترتيبات مالية وأمنية وعسكرية وإدارية، ولا يمكن أن يشكل بديلاً عن حل سياسي شامل للقضية الكوردية في سوريا.
وفي المقابل، أشار إلى أن المجلس الوطني الكوردي وأحزاباً كوردية أخرى تنطلق من رؤية مختلفة تركز على تثبيت حقوق الكورد ضمن إطار الدولة السورية.
وقال إن تواصل هذه الأحزاب مع السلطات اقتصر حتى الآن على لقاءات بين قيادة المجلس وبعض المسؤولين السوريين، بينهم وزير الخارجية والرئيس أحمد الشرع.
ووصف هذه اللقاءات بأنها خطوات مهمة لفتح قنوات التواصل، لكنها لا تزال بعيدة عن مستوى المفاوضات السياسية التي يمكن أن تنتج إطاراً مؤسساتياً واضحاً للعلاقة بين الكورد والدولة.
وأكد أن ما تشهده سوريا حالياً هو بداية مسارات تفاوضية واتصالات سياسية متفاوتة بين أطراف مختلفة، وليس اتفاقاً مؤسسياً شاملاً يحدد طبيعة العلاقة المستقبلية.
وأضاف أن بناء علاقة مؤسساتية مستقرة يحتاج إلى حوار سياسي يشمل مختلف القوى المعنية، يتبعه وضع ترتيبات قانونية ودستورية تضمن الحقوق وتحدد المسؤوليات والصلاحيات.
وتابع أن المؤسسات "لا تُبنى فقط من خلال دمج هياكل قائمة، بل عبر توافق سياسي يحدد شكل الدولة وعلاقة مكوناتها بها".
دور أربيل
وفي ما يتعلق بدور إقليم كوردستان، قال بشار إن الإقليم والزعيم الكوردي مسعود بارزاني أديا دوراً مؤثراً في تقريب وجهات النظر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، والمساهمة في فتح قنوات الاتصال بين الطرفين.
وأوضح أن دور أربيل برز خلال مراحل حساسة من خلال السعي إلى تجنب التصعيد العسكري في المناطق الكوردية، والحد من تحول الخلافات السياسية إلى صدام أوسع بين العرب والكورد.
وأشار إلى أن هذا الدور جعل إقليم كوردستان محطة مهمة للأطراف الإقليمية والدولية المعنية باستقرار سوريا ومستقبل العلاقة بين دمشق والقوى الكوردية.
وقال بشار إن جهود إقليم كوردستان ترافقت مع وساطة أمريكية مباشرة ودعم فرنسي للمفاوضات، بهدف التوصل إلى صيغة تمنع عودة المواجهات، وتفتح المجال أمام ترتيبات سياسية ومؤسساتية أكثر وضوحاً.
لكنه شدد على أن نجاح التفاهمات المقبلة لا يعتمد على الوساطات الخارجية وحدها، بل يرتبط قبل كل شيء بقدرة الأطراف السورية على الوصول إلى اتفاق سياسي شامل يعالج قضايا السلطة والإدارة والحقوق.
وختم بالقول إن المطلوب هو تحويل التفاهمات المؤقتة إلى إطار مؤسساتي مستدام، يضمن وحدة سوريا وحقوق جميع مكوناتها، ويمنع عودة البلاد إلى النزاعات والانقسامات التي رافقتها خلال السنوات الماضية.