شفق نيوز- بغداد
مرّ عام على قرار إغلاق محال بيع المشروبات الكحولية في عدد من المحافظات العراقية، ليعود الجدل إلى الواجهة بشأن آثار هذا الإجراء، مع تصاعد تساؤلات حقوقية واجتماعية حول ما إذا أسهم القرار في الحد من الظواهر السلبية أم أدى إلى نتائج عكسية، أبرزها تنامي تجارة وتعاطي المخدرات.
وبحسب معنيين، فإن آفة المخدرات تفاقمت في العراق بشكل لافت بعد تصويت مجلس النواب على غلق النوادي الترفيهية وحظر بيع الكحول.
ويقول رئيس شبكة بذرة أمل للسلم المجتمعي، كريم علي خلف، لوكالة شفق نيوز، إن "المخدرات والكحول، وإن اختلفت أشكالهما، إلا أن نتيجتهما واحدة، إذ تؤديان إلى تشتت الإنسان وفقدانه للقيم الأخلاقية، وتمهّدان الطريق نحو الانحراف وارتكاب الجرائم، وصولاً إلى المحرمات والقتل، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للسلم المجتمعي".
ويضيف أن "قرار غلق محال بيع الكحول، رغم أهميته من الناحية الأخلاقية والقانونية، لم يُرافقه حتى الآن برنامج وطني متكامل لمعالجة البدائل الخطرة، الأمر الذي دفع شريحة من الشباب إلى الانجراف نحو تعاطي المخدرات، بوصفها أخطر وأكثر تدميراً على الفرد والمجتمع".
وأكد أن "مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تتطلب معالجة شاملة تبدأ بالتوعية وتفعيل دور الأسرة والمؤسسات التربوية والدينية، إضافة إلى توفير برامج علاجية وتأهيلية حقيقية للشباب، وحماية المجتمع من التحول من خطر إلى خطر أشد فتكاً".
ودعا خلف، إلى "تبني استراتيجية وطنية متوازنة تحصّن الشباب وتعالج جذور المشكلة وتحفظ السلم المجتمعي من التفكك والانهيار".
وكان العراق قد قرر في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2024 حظر تصنيع وبيع المشروبات الكحولية في النوادي الاجتماعية، فيما تنفذ وزارة الداخلية منذ عام 2020 حملات لإغلاق النوادي الليلية والملاهي ومحال بيع المشروبات الكحولية في العاصمة بغداد.
ويؤكد عدنان الجحيشي، رئيس لجنة المخدرات والمؤثرات العقلية السابق، أن “غلق محال الكحول تسبب بزيادة كبيرة في أعداد متعاطي المخدرات"، مشيراً إلى أن "قرار غلق محال بيع الكحول والنوادي الاجتماعية غير مدروس وغير صحيح، وأسهم في تحوّل أعداد كبيرة من الشباب إلى مدمني مخدرات".
ويضيف أن "الكحول تختلف عن المخدرات، إذ إن تعاطي المخدرات يفقد الإنسان ذهنه ولا يستطيع التمييز بين زوجته أو أمه أو أخته، بعكس الكحول التي يزول تأثيرها سريعاً"، لافتاً إلى أنه "كان يجب على الحكومة دراسة هذا الموضوع بشكل دقيق قبل اتخاذ قرار الحظر".
ووفق وزارة الداخلية، فقد تم تسجيل ارتفاع بنسبة 366% في ضبط المواد المخدرة، وتنفيذ أكثر من 21 ألف أمر قبض بحق تجار مخدرات دوليين ومحليين، نتج عنها صدور 21,181 حكماً بحق تجار مخدرات، مع فرض غرامات مالية تُقدّر بأكثر من 73 مليار دينار، إضافة إلى تفكيك 1,231 شبكة مخدرات، منها 176 شبكة دولية، وصدور 1,102 حكم بالسجن المؤبد و286 حكماً بالإعدام.
ويرى بعض المختصين أن ظاهرة انتشار المخدرات لا علاقة لها بمنع الخمور، ولا يمكن تعليل انتشار هذه الظاهرة بسبب واحد.
من جانبه، يوضح المختص في علم الاجتماع، الدكتور حسن حمدان، لوكالة شفق نيوز، أن "الدراسات العلمية الرصينة تؤكد أن تعاطي المواد المخدرة في أغلب الحالات يتم ضمن سياقات اجتماعية ترتبط بتعاطي الكحول، وأن أكثر متعاطي المخدرات جربوا تعاطيها لأول مرة أثناء تعاطيهم الكحول، وهو ما أشارت إليه العديد من البحوث الأجنبية المنشورة في هذا المجال".
ويضيف أن "غالبية الدول المتقدمة، وبفعل نزعتها الليبرالية، ازداد فيها الشعور بالاغتراب الاجتماعي، مما دفع الكثيرين إلى اللجوء لتعاطي المخدرات"، مشيراً إلى أن "تعميق الاغتراب الاجتماعي والتهميش الاقتصادي دفع بعض الدول إلى تبني سياسات الإباحة الجزئية للمخدرات نتيجة العجز عن الحد من تفشيها".
وفيما يخص الواقع العراقي، يشدد حمدان، على أن "ربط انتشار تعاطي المخدرات بمنع الكحول يمثل قراءة غير دقيقة"، مبيناً أن "العراق شهد فترات سابقة من منع الكحول دون أن يؤدي ذلك إلى القضاء عليه أو فتح الباب لتعاطي المخدرات، بل لجأ بعض الأفراد إلى تصنيع الكحول منزلياً".
ويلفت إلى أن "العقوبات القانونية المرتبطة بتعاطي المخدرات أو الاتجار بها قاسية جداً، في حين لا توجد عقوبات تُذكر مرتبطة بتعاطي الكحول"، مؤكداً أن "ظاهرة المخدرات لا يمكن اختزالها بعامل واحد، وإنما يتم تداولها غالباً ضمن صراعات أيديولوجية ومناكفات سياسية أكثر من كونها نقاشاً علمياً".
من جهتهم، يرى معنيون بحقوق الإنسان أن غياب البدائل بعد قرار حظر الكحول يُعد من بين أسباب تحوّل الكثيرين إلى تعاطي المخدرات، فضلاً عن أن إغلاق النوادي الترفيهية يمثل تجاوزاً على الحريات العامة.
ويقول مصطفى سعدون، رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان، في تصريح خاص لوكالة شفق نيوز، إن "غلق محال بيع الكحول دون مقاربة شاملة دفع بعض المتعاطين، وخصوصاً الفئات الهشّة، إلى البحث عن بدائل أخطر مثل المخدرات".
ويبين أن "المخدرات تشكل تهديداً مباشراً للصحة العامة والأمن المجتمعي، وأن سياسات المنع غير المصحوبة ببدائل صحية وتوعوية قد تُنتج آثاراً عكسية وتزيد من أنماط السلوك الخطر".
وعلى الرغم من محاولات البعض عدم ربط حظر الكحول وإغلاق النوادي الترفيهية بملف المخدرات، إلا أن الإحصائيات تشير إلى زيادة لافتة في أعداد المتعاطين مؤخراً، وتفاقم هذه الظاهرة الخطيرة، ما يدعو الجهات المعنية إلى دراسة هذا الملف وإيجاد حلول حقيقية تحمي المجتمع من سموم المخدرات.