شفق نيوز- كركوك
في مضارب بني الزبيدي من عشيرة الجحيش، لا تزال آثار الدمار شاخصة في قرية طويلعة التابعة لقضاء داقوق جنوبي محافظة كركوك، وكأن الزمن توقف عند عام 2014، حين اجتاحت موجات العنف والإرهاب المنطقة، لتترك خلفها قرى مدمّرة وسكانًا نازحين لم تتحقق عودتهم حتى اليوم إلا بشكل محدود.
وتقع قرية طويلعة على الطريق الدولي الرابط بين مدينة كركوك وقضاء داقوق، وكانت قبل عام 2014 تضم أكثر من 100 دار سكنية وعشرات العوائل التي امتهنت الزراعة وتربية المواشي، إلا أن سيطرة تنظيم داعش آنذاك حولتها إلى واحدة من عشرات القرى التي أُفرغت من سكانها قسرًا، بعد أن تعرضت لعمليات قصف وتفجير طالت المنازل والبنى التحتية.
واليوم، وبعد مرور نحو 12 عامًا على تلك الأحداث، لم تعد إلى القرية سوى نحو 20 عائلة فقط، فيما لا تزال غالبية البيوت خاوية، مهدمة أو متضررة بشكل يجعل السكن فيها شبه مستحيل، وسط غياب واضح لجهود إعادة الإعمار الشاملة.
ويقول هاني الجحيشي، وهو أحد أهالي القرية، لوكالة شفق نيوز، إن "قرية طويلعة لم تتلقَ حتى الآن أي مشروع إعمار حقيقي، رغم مرور أكثر من عقد على تحريرها من داعش"، مبينًا أن "معظم العوائل لا تستطيع العودة بسبب تهدم المنازل وغياب الخدمات الأساسية".
وأضاف الجحيشي أن "الكثير من أبناء القرية يمتلكون أراضي زراعية، لكنهم عاجزون عن استثمارها بالشكل المطلوب بسبب نقص الدعم الحكومي وتهالك البنى التحتية"، لافتًا إلى أن "الرغبة في العودة موجودة، لكن الواقع المعيشي الصعب يدفع العديد من العوائل للبقاء في مناطق النزوح".
ورغم استقرار الأوضاع الأمنية في المنطقة، فإن الدخول إلى القرية يبدأ بمرور الزائر عبر سيطرة أمنية تابعة لقوات الحشد الشعبي، ثم عبر طريق مكسو يوصل إلى القرية التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها خرجت تواً من أتون الحرب. جدران متصدعة، أسقف منهارة، وبيوت فقدت ملامحها بعد سنوات طويلة من الإهمال.
المدرسة الابتدائية في طويلعة هي المؤسسة الحكومية الوحيدة التي أعيد بناؤها بعد عام 2014، فيما بقيت بقية المرافق الخدمية على حالها، دون شبكات ماء مستقرة أو كهرباء منتظمة أو خدمات بلدية، ما يجعل الحياة اليومية للعوائل العائدة محفوفة بالتحديات.
ولا يبعث على التفاؤل في القرية سوى المساحات الخضراء الواسعة المحيطة بها، والتي تمثل مصدر الرزق الرئيسي للأهالي، حيث ينحدر معظمهم من عشيرة الجحيش الزبيدي ويعتمدون على الزراعة الموسمية وتربية المواشي لتأمين قوتهم اليومي، في ظل شح فرص العمل وغياب الدعم الحكومي.
من جانبه، قال عدنان حمد، أحد سكان القرية، إن "الدمار لا يزال حاضرًا في كل زاوية من طويلعة، فمعظم البيوت إمّا مدمرة بالكامل أو متضررة بشكل لا يسمح بالسكن"، مشيرًا إلى أن "العوائل التي عادت اضطرت إلى ترميم منازلها بجهود ذاتية وإمكانات محدودة".
وأضاف حمد أن "القرية تضم عددًا من الموظفين ومنتسبي القوات الأمنية، لكن ذلك لم ينعكس إيجابًا على واقعها الخدمي"، موضحًا أن "غياب الكهرباء والماء والخدمات الصحية يجعل الاستقرار صعبًا، خاصة للعوائل التي لديها أطفال وكبار سن".
وكان تنظيم داعش قد سيطر في عام 2014 على مساحات واسعة من مناطق جنوب كركوك، ما أدى إلى نزوح عشرات القرى، بينها قرية طويلعة، قبل أن تُحرر المنطقة لاحقًا بعد معارك عنيفة خلفت دمارًا واسعًا في الممتلكات العامة والخاصة.
ورغم انتهاء العمليات العسكرية ضد التنظيم منذ سنوات، إلا أن آثار الحرب لا تزال ماثلة في طويلعة، حيث يقف الدمار شاهدًا على حرب ضروس لم تُطوَ صفحاتها بعد، في ظل مطالبات الأهالي بإطلاق مشاريع إعمار عاجلة، وتعويض المتضررين، وتوفير الخدمات الأساسية، لتمكين العوائل من العودة والاستقرار.
ويأمل سكان قرية طويلعة أن تشهد قريتهم خلال المرحلة المقبلة التفاتة حكومية جادة تعيد إليها الحياة بعد سنوات طويلة من الغياب، وتنهي معاناة عوائل ما زالت تنتظر العودة إلى بيوت لم تعد موجودة إلا في الذاكرة.