شفق نيوز- بغداد

يواجه قطاع النقل البري في العراق تحديات متراكمة تتراوح بين تدهور بعض الطرق الخارجية ومخاطر الحمولات الزائدة، وصولاً إلى محدودية الربط السككي مع دول الجوار، رغم مؤشرات على تنامي حركة الشحن العابر للبلاد.

وفي الوقت الذي تعمل فيه الحكومة على تأهيل الطرق وتطوير ساحات التبادل التجاري والمنافذ الحدودية، تتجه الأنظار إلى مشروع "طريق التنمية" بوصفه أحد أبرز الرهانات لتحويل العراق إلى ممر تجاري يربط الشرق بالغرب، وتعزيز دوره في تنشيط التجارة وتنويع الاقتصاد.

وتتعدد تحديات هذا القطاع، بحسب مختصين، بين سلامة الطرق وكفاءة البنية التحتية والإجراءات الحدودية، فيما يتطلب تنشيط النقل الخارجي توفير ممرات آمنة وسريعة للشاحنات، وتطوير منظومة السكك الحديدية، بما يقلل تكاليف نقل البضائع ويزيد قدرة البلاد على استقطاب حركة التجارة الإقليمية والدولية.

غياب الربط السككي

وفي هذا السياق، يقول المتحدث باسم وزارة النقل العراقية، حسين أحمد، إن النقل البري يعتمد على ركنين أساسيين هما النقل السككي والنقل بواسطة الشاحنات، مشيراً إلى أن عدم اكتمال شبكة السكك الحديدية وغياب خطوط الربط مع دول الجوار يمثلان أحد أبرز التحديات أمام تطوير نقل البضائع.

ويوضح أحمد لوكالة شفق نيوز، أن الشبكة الحالية لا توفر ربطاً سككياً دولياً متكاملاً مع إيران والكويت والسعودية والأردن وسوريا وتركيا، فيما لا تزال بعض الخطوط الداخلية، ولا سيما في نينوى والأنبار، بحاجة إلى الاستكمال والتطوير.

ويضيف أن النقل السككي يوفر قدرة استيعابية أكبر لنقل كميات كبيرة من البضائع، ويتيح حركتها عبر مسارات منتظمة، خصوصاً الشحنات العامة والبضائع التي تتجه إلى الموانئ، في حين تلائم الشاحنات نقل البضائع التي تتطلب سرعة ومرونة أكبر.

انتعاش النقل العابر

وعلى الرغم من تحديات البنية التحتية، يرى أحمد أن العراق حقق تقدماً في النقل البري بالشاحنات، بعد عقود من تراجع حركة العبور نتيجة الحروب والاضطرابات الأمنية وتضرر البنية التحتية.

ويشير المتحدث إلى أن الحركة التجارية عبر العراق تراجعت بصورة كبيرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تعرقل الأوضاع الأمنية بعد عام 2003 عودة النقل الخارجي إلى مستوياته الممكنة، واستمرت هذه المعوقات حتى عام 2018، لتأتي بعدها جائحة كورونا وتضيف تحديات جديدة.

لكن دخول العراق فعلياً في اتفاقية النقل العابر "التير"، إلى جانب الضغوط التي تواجه بعض الممرات المائية، شجعا الناقلين.

ويقول أحمد إن نحو 10 آلاف شحنة عبرت العراق في هذا السياق، مع تسجيل تصاعد في عمليات النقل، عازياً ذلك إلى تحسن الوضع الأمني وتطوير ساحات التبادل التجاري عند المنافذ الحدودية، فضلاً عن إدخال أنظمة الرقمنة والأتمتة التي أسهمت في تقليص فرص الفساد وتحسين الإجراءات.

ومع ذلك، فإن استدامة هذا النمو تبقى مرتبطة بقدرة العراق على معالجة اختناقات الطرق، وتسريع إجراءات العبور، وتوفير بنية تحتية قادرة على استيعاب حركة الشاحنات المتزايدة، ولا سيما مع سعي البلاد إلى تعزيز موقعها ضمن طرق التجارة الإقليمية.

تدهور الطرق

في المقابل، يرى وزير النقل العراقي الأسبق، سلام المالكي، أن القطاع لا يزال يواجه تحديات مركبة تراكمت على مدى عقود، في مقدمتها تهالك البنية التحتية وانتشار التخسفات في الطرق السريعة والدولية، التي باتت تُعرف شعبياً بـ"طرق الموت".

ويقول المالكي لوكالة شفق نيوز، إن غياب الصيانة الدورية الفاعلة، والزيادة الكبيرة في أوزان الشاحنات، وضعف الرقابة على الحمولات، فضلاً عن عدم تفعيل محطات الوزن بالكفاءة المطلوبة، كلها عوامل تسهم في تدهور الطرق وارتفاع مخاطر الحوادث.

ويضيف أن غياب الإنارة والعلامات الإرشادية، إلى جانب البيروقراطية في المنافذ الحدودية وضعف التكامل مع دول الجوار، ينعكس سلباً على السلامة المرورية وكفاءة النقل الخارجي وحركة الترانزيت.

وتبرز الحمولات الزائدة بوصفها تحدياً مزدوجاً؛ فهي لا تقتصر على تسريع تضرر الطرق وزيادة تكاليف صيانتها، بل يمكن أن ترفع أيضاً مخاطر الحوادث، خصوصاً على الطرق التي تعاني أصلاً من ضعف التأهيل أو نقص متطلبات السلامة.

ولمعالجة هذه المشكلات، يدعو المالكي إلى إطلاق حملة وطنية شاملة لإعادة تأهيل شبكة الطرق وتوسيعها، مع توسيع الشراكة مع القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار لتخفيف الأعباء المالية عن الدولة.

كما يشدد على ضرورة تشغيل محطات وزن ذكية وفرض رقابة صارمة على أوزان الشاحنات، وتحديث أسطول النقل البري وتزويده بأنظمة السلامة والرادارات الحديثة، بما يحمي أرواح مستخدمي الطرق ويحد من الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية.

تأهيل الطرق والرقابة

وفيما يتعلق بجهود تحسين الطرق ومعالجة مخاطر الحمولات الزائدة، يقول المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان العراقية، نبيل الصفار، إن مسؤولية الوزارة في هذا المجال تتركز على إنشاء الطرق الخارجية وصيانتها وتأهيلها، عبر دائرة الطرق والجسور، فيما تتولى وزارة النقل إدارة أنشطة النقل البري.

ويوضح الصفار لوكالة شفق نيوز، أن الوزارة تعمل حالياً على أكثر من 80 مشروعاً موزعاً على محافظات البلاد، تشمل تطوير الطرق الرابطة بين المراكز الاقتصادية والمناطق الصناعية والمنافذ الحدودية، وإنشاء الجسور والتقاطعات، ومعالجة المقاطع المتضررة، وتنفيذ مشاريع لفك الاختناقات المرورية وتحسين متطلبات السلامة.

ويضيف أن الوزارة شرعت أيضاً في إنجاز 60 محطة وزن موزعة بين مداخل المحافظات ومداخل المقالع الإنشائية والطرق المؤدية إلى المنافذ الحدودية، باستخدام أنظمة رقابة إلكترونية للسيطرة على الحمولات الزائدة.

وتهدف هذه المحطات، بحسب الصفار، إلى حماية الطرق من الأضرار الناجمة عن الأحمال المفرطة، وتقليل تكاليف الصيانة والخسائر الاقتصادية المرتبطة بتلفها، فضلاً عن رفع مستوى السلامة المرورية والحد من مخاطر الحوادث.

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية اقتصادية تتجاوز صيانة الطرق، إذ إن تحسين كفاءتها يمكن أن يقلل زمن نقل السلع والمواد الأولية، ويخفض تكاليف تشغيل الشاحنات واستهلاك الوقود، ويسرّع وصول المنتجات إلى الأسواق المحلية، إلى جانب تنشيط التجارة عبر المنافذ الحدودية والموانئ.

ويؤكد الصفار أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تنسيقاً بين الجهات القطاعية، بما فيها وزارات النقل والإعمار والإسكان، والهيئة العامة للجمارك، وهيئة المنافذ الحدودية، والمرور، لمعالجة المعوقات التي تؤثر في سرعة نقل السلع وكلفتها.

ساحات التبادل التجاري

وفي موازاة تأهيل الطرق، تعمل وزارة النقل على تطوير البنية التحتية المساندة لحركة الشاحنات، ولا سيما ساحات التبادل التجاري عند المنافذ الحدودية، التي تمثل إحدى حلقات تنظيم دخول البضائع وتفريغ الحمولات وإعادة توزيعها.

وبالعودة إلى حسين أحمد، يقول إن ساحات التبادل في منفذ طريبيل ومنفذ إبراهيم الخليل اكتملت، كما اكتملت ساحة منفذ الشلامجة، فيما تتواصل الخطط لتطوير الساحات في منفذ زرباطية ومنافذ أخرى، وإنشاء ساحات جديدة وتوسيع نطاق الأتمتة والرقمنة.

ويشير إلى أن الوزارة تعمل كذلك على تطوير منظومة رقمية لمراقبة الشاحنات، وتعزيز التنسيق مع الجهات الأمنية والجهات المسؤولة عن المنافذ الحدودية، بهدف تحسين انسيابية النقل ورفع مستويات الأمن والسلامة على الطرق.

وفي السياق نفسه، يقول نبيل الصفار إن الشركة العامة للنقل البري تعمل على مشاريع لإنشاء ساحات تبادل تجاري عند مداخل بغداد، إلى جانب تطوير ساحات في بعض المنافذ الحدودية، بما يساعد على تنظيم حركة الشاحنات وتوزيع البضائع وتقليل زمن النقل وتكاليفه.

ويمثل تطوير هذه الساحات جزءاً من معالجة أوسع لمشكلات النقل الخارجي، إذ لا تعتمد سرعة حركة البضائع على جودة الطرق وحدها، بل تتأثر أيضاً بكفاءة الإجراءات الجمركية والحدودية، وقدرة الجهات المعنية على تنسيق عمليات العبور والتفريغ والتوزيع، وفقاً للمتحدثين.

طريق التنمية

وعلى المستوى الاستراتيجي، تضع وزارة النقل مشروع "طريق التنمية" في صدارة خططها لمعالجة محدودية الربط السككي وتطوير ممرات نقل البضائع عبر العراق.

ويقول أحمد إن المشروع، الذي يمتد من البصرة في أقصى جنوبي العراق إلى تركيا، يتألف من مسارين رئيسيين، أحدهما للسكك الحديدية، والآخر طريق بري مخصص للشاحنات، مع إمكانية ربطه لاحقاً بشبكات فرعية تصل إلى دول الجوار.

ومن شأن المشروع، وفق رؤية الوزارة، توفير ممر لنقل البضائع بعيداً عن مراكز المدن والازدحامات المرورية ونقاط التفتيش التي قد تعرقل حركة الشاحنات، فضلاً عن تعزيز التكامل بين النقل السككي والنقل البري.

بدوره، يعوّل المالكي على المشروع لربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية، بما قد يتيح للعراق توسيع دوره في التجارة الدولية، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتوفير فرص عمل، وتحفيز الاستثمار في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية.

غير أن تحويل هذا الطموح إلى نتائج اقتصادية ملموسة يتطلب، إلى جانب تنفيذ المشروع، تأهيل الطرق القائمة، واستكمال البنية التحتية للسكك الحديدية، وتطوير المنافذ الحدودية، وتوحيد الإجراءات التي تحكم حركة البضائع.

وفي ظل الضغوط المالية، ختم أحمد حديثه بالقول إن الوزارة تعمل على تطوير مشاريع شبكة السكك المحلية عبر ترتيبات تمويلية وقروض من البنك الدولي، إلى جانب تفاهمات واتفاقيات بهذا الشأن، على أن يجري ربط الشبكة المحلية بعد تطويرها بمشروع طريق التنمية لتحقيق التكامل بين الممرات الداخلية والدولية.