شفق نيوز- أربيل
هذه المرة، لم تكتفِ الحرب بالدوران حول الحدود، والمقار العسكرية، بل وصلت إلى عتبة منزل رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني في دهوك، حيث لم يُقرأ بوصفه حادثاً أمنياً معزولاً، بل كحلقة جديدة في تمدد الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وكإشارة أكثر رمزية من كونها عسكرية، لأنها أصابت رجلاً قدّم نفسه، صوتاً للإبعاد لا للاشتباك، وللتهدئة لا للانتقام.
لم يكن الانفجار الذي هزّ دهوك مجرد طائرة مسيّرة فقدت هدفها أو اختارته بالصدفة، بل رسالة موجّهة بدقة إلى رجل بعينه، قضى الأشهر الماضية يردد على مسامع الجميع، في أربيل وطهران وباريس وواشنطن أن كوردستان لن تكون ساحة حرب لأحد.
السلام بزمن الحرب
منذ اندلاع شرارة الحرب الإقليمية، تبنى نيجيرفان بارزاني عقيدة سياسية صارمة تقوم على النأي بالنفس. والحد من امتداد تداعياتها نحو الداخل، لم يُسارع إلى اصطفاف، ولم يُبادر إلى خطاب استفزازي. بدلاً من ذلك، كرّر في كل مناسبة أن الإقليم "لن يكون جزءاً من الصراع"، وأنه لن يتحول "إلى مصدر تهديد لإيران أو لأي دولة مجاورة".
وفي اتصالاته مع المسؤولين الأوروبيين والإقليميين، قدّم كوردستان بوصفها "عاملاً للسلام" و"ركيزة للاستقرار"، داعياً إلى احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية لا عبر توسيع النيران.
حتى حين ضربت صواريخ إيرانية باليستية مواقع قوات البيشمركة في سوران قبل أيام، ما أسفر عن مقتل ستة مقاتلين وإصابة ثلاثين آخرين، لم يلجأ بارزاني إلى لغة التحريض. أدان الضربة بوضوح، ووصفها بـ"الاعتداء العدواني المباشر"، لكنه عاد ليؤكد في الوقت ذاته أن كوردستان "لا تشكل تهديداً لجيرانها"، وأنه على تواصل مع الجانب الإيراني الذي أقرّ بوقوع خطأ وتعهّد بالتحقيق.
وبعيداً عن البعد الشخصي للحادث، حرص بارزاني نفسه على تقديمه بوصفه مؤشراً سياسياً وأمنياً أشد خطورة. فبحسب ما قاله لشبكة رووداو الإعلامية، فإن استهداف مقر إقامة رئيس إقليم كوردستان لا يمكن التعامل معه كواقعة معزولة أو شأن خاص، بل كتطور خطير يمس العراق كله، لأنه يكشف إلى أي مدى باتت الجماعات الخارجة عن القانون تتصرف وكأن من حقها ضرب رموز الدولة ومؤسساتها من دون رادع.
ويضيف أن ما جرى "ليس قضية شخصية"، بل مسار ينبغي وضع حد له، في إشارة واضحة إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الطائرة المسيّرة، بل في البيئة التي سمحت بمرورها كرسالة تهديد مفتوحة.
ومع ذلك، لم يُخفِ بارزاني الجانب الإنساني في الحادث، إذ قال إن المنزل كان خالياً وقت الاستهداف، بحكم أنه يوم عطلة، كما لم يكن عمال الخدمة والتنظيف موجودين هناك، وهو ما حال دون وقوع إصابات. لكن نجاته من الهجوم، في هذا السياق، لم تُلغِ حقيقة أن الرسالة كانت أكبر من الشخص، وأوسع من المنزل نفسه.
ولهذا بدا لافتاً أن تأتي الإدانات الخارجية تباعاً وبسرعة، في دلالة على أن ما جرى في دهوك لم يُقرأ كحادث أمني محلي، بل كاستهداف لشخصية تمثل، في نظر عواصم عدة، ركناً من أركان التوازن في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
فقد كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بين أوائل المنددين بالهجوم، إذ أجرى اتصالاً مع بارزاني أدان فيه بشدة استهداف منزله، وجدد دعم بلاده للعراق وإقليم كوردستان.
وبعده، أدان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الهجوم خلال اتصال هاتفي مع بارزاني، مؤكداً دعم أنقرة لأمن الإقليم والعراق، فيما شدد الجانبان على أهمية التعاون والتنسيق لحماية السلم والاستقرار. وفي السياق نفسه، وجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسالة إلى رئيس الإقليم أدان فيها الهجوم "الإرهابي" بطائرة مسيّرة على منزله، معتبراً أن مثل هذه الاعتداءات تندرج في سياق أوسع من محاولات ضرب الاستقرار الإقليمي وتأجيج التوتر بين دول الجوار.
وفي اتساع دائرة الإدانات الدولية، أدانت بعثة الاتحاد الأوروبي في العراق وسفارات الدول الأعضاء بشدة الهجوم، مؤكدة أن هذا النوع من العنف غير المسؤول يهدد بمزيد من التصعيد في ظرف عراقي وإقليمي بالغ الحساسية.
كما شددت، في رسالة نقلها سفير الاتحاد الأوروبي في العراق كليمنس سيمتنر إلى بارزاني، على ضرورة تقديم مرتكبي هذا العمل الإجرامي إلى العدالة، معتبرة أن أي استهداف لمؤسسات الدولة أو المسؤولين الذين يمثلون العراق وإقليم كوردستان، أو البعثات الدبلوماسية، لا يمكن تبريره، مع الدعوة إلى دعم الحلول السلمية والمبادرات الدبلوماسية لإنهاء الحرب في المنطقة.
محلياً، أحدثت الضربة هزة ارتدادية وحدت طيفاً واسعاً من القيادات والأحزاب من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، مروراً ببافل طالباني، وعمار الحكيم، وصولاً إلى أسامة النجيفي وخميس الخنجر في إدانة مشتركة اعتبرت الهجوم تهديداً صريحاً لأمن البلاد ومحاولة خبيثة لبث الفوضى.
حدود الحياد في زمن الفوضى
وفي هذا السياق، يرى عضو برلمان كوردستان السابق علي حسين فيلي أن هذا الهجوم لم يكن عملاً عابراً أو مصادفة أمنية، بل جاء في لحظة شديدة الحساسية تتقاطع فيها ملفات كبرى ستحدد مستقبل إقليم كوردستان والعراق.
ويؤكد أن الدلالة السياسية لمن يقف وراء الهجوم تبدو واضحة، لأنها تعبّر عن إرادة تريد إعلان نهاية زمن الدبلوماسية وإحلال منطق الفوضى والابتزاز محل التفاهم والحلول السياسية.
ويضيف أن ما جرى، على خطورته، كشف في المقابل قيمة النهج الذي مثّله نيجيرفان بارزاني، ورسّخ موقعه بوصفه أحد الوجوه الموثوقة القادرة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين أربيل وبغداد والعواصم المؤثرة في المنطقة، كما منح القضية الكوردية بعداً جديداً في نظر العالم، من حيث كون استهداف الإقليم واستقراره لم يعد يُقرأ بوصفه نزاعاً داخلياً فحسب، بل اعتداءً على السلام والقانون.
وإذا كانت الإدانات العراقية والكوردية متوقعة، فإن الأكثر دلالة سياسياً كان صدور موقف من الحرس الثوري الإيراني نفسه.
ففي بيان عقب الحادث أدان الحرس الثوري استهداف منزل بارزاني، ووصفه بأنه "عمل إرهابي"، معتبراً أنه يندرج ضمن مساعٍ لتقويض السلام والاستقرار والتعاون الإقليمي بين إقليم كوردستان والدول المجاورة.
كما قال إن الهجوم يعكس، من وجهة نظره، سلوك "الأعداء المثيرين للحروب"، وأعلن استعداده لتعزيز التعاون الأمني الإقليمي في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
كان ذلك اعترافاً ضمنياً، ربما لأول مرة في هذه الأزمة، بأن بارزاني يمثل نقطة التوازن التي لا ترغب حتى طهران في انهيارها.
بالمقابل، يقول السياسي العراقي مثال الآلوسي لشفق نيوز، إن العراقيين "يتابعون بحذر وبقلق شديد مناورات ارتباك الارتزاق السياسي في بؤر التآمر في المنطقة الخضراء"، مضيفاً أنه يخشى أن تكون "النفوس الضعيفة عبر الإرهاب أبت أن تخرج من هذه الدنيا فأساءت لمن أحسن إليها".
ويلفت إلى أن استهداف منزل بارزاني "جريمة إرهابية جبانة مدانة بكل المفردات".
في المعنى الأعمق، لا يبدو استهداف منزل نيجيرفان بارزاني مجرد ضربة بطائرة مسيّرة، بل ضربة إلى فكرة ظل الرجل يكررها منذ بداية الحرب، وهي أن كوردستان تستطيع أن تبقى خارج المعركة إذا أعلنت حيادها بوضوح، وطمأنت جيرانها، وتمسكت بالدبلوماسية.
وفي سياق الإدانات المتلاحقة، قال البروفيسور الدكتور دانا مولود، الرئيس التنفيذي لمؤسسة Vision Education، إن ما جرى في دهوك ليس مجرد استهداف لمقر إقامة رسمي، بل ضربة موجهة إلى استقرار كوردستان وأمن العراق وهيبتهما، مضيفاً أن التضامن مع بارزاني هنا لا يقتصر على البعد الشخصي، بل يمتد إلى الدفاع عن معنى الدولة في مواجهة منطق الفوضى، وعن حق العراقيين في أن تُحمى شخصياتهم ومؤسساتهم من الإرهاب والرسائل الدموية.
في النهاية، لم تكن الطائرة المسيّرة تبحث عن منزل، بل عن رسالة. وما حدث في دهوك تجاوز حدود الاستهداف الأمني إلى معنى أكثر عمقاً وقسوة، إذ بدا وكأنه محاولة لإصابة الفكرة التي يمثلها نيجيرفان بارزاني بقدر ما هو محاولة لإصابة المكان نفسه. وفي لحظةٍ تتراجع فيها لغة التهدئة أمام ضجيج السلاح، بدا الهجوم وكأنه إعلان جديد بأن دعاة السلام باتوا هم أيضاً في مرمى الحرب.