شفق نيوز- السليمانية 

في وقتٍ تتصاعد فيه مطالب عائلات الشهداء بإنصافٍ طال انتظاره، عاد الجدل مجددًا حول التعديل الثالث لقانون تعويض ضحايا العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية رقم (20) لسنة 2009، بعد بروز أصوات نيابية تدعو إلى إعادة مشروع التعديل إلى الحكومة بذريعة وجود "جنبة مالية"، وهو ما فجّر موجة غضب واستياء واسع في أوساط ذوي الضحايا، الذين يرون في هذه الدعوات عرقلة جديدة لمسار قانوني استمر لأكثر من ثلاث سنوات.

 جذور الأزمة

مسؤول تنسيقية عائلات الشهداء، أبو إسحاق، كشف في تصريح خاص لوكالة شفق نيوز، أن الأزمة تعود إلى منتصف عام 2023، عندما تم استبعاد عدد من الشهداء من المشمولين بالقانون رقم 20 “لأسباب مبهمة حتى الآن، على حد تعبيره.

وأوضح أن هؤلاء "المحذوفين" هم من منتسبي القوات الأمنية بمختلف تشكيلاتها، ممن استشهدوا أثناء الخدمة ومن جرائها، لكنهم أُخرجوا من قاعدة بيانات مؤسسة الشهداء دون توضيح قانوني مقنع، ما دفع التنسيقية إلى بدء تحرك تدريجي لتحويل المطالب إلى مسار تشريعي رسمي.

ويضيف ابو إسحاق: "بدأت مطالبنا بشكل تدريجي، ثم تحولت إلى مشروع تعديل قانوني يهدف إلى إعادة هؤلاء المحذوفين وضمان حقوقهم".

مسار تشريعي متعثر

التعديل الثالث، الذي تبنّاه مجلس النواب في دورته الخامسة بدفع ومتابعة من مؤسسة الشهداء، وصل بالفعل إلى مرحلة القراءة الأولى قبيل انتخابات الدورة السادسة، إلا أن انشغال البرلمان بالانتخابات أدى إلى ترحيله، ومع بداية الدورة الجديدة، تم تشكيل لجنة مؤقتة لمتابعة التعديل، لكنها لم تتمكن من إنجاز مهامها بسبب خلافات داخلية وإضافة ملفات جديدة على جدول أعمالها، ما أدى إلى تعطيل المسار مجددًا.

لاحقًا، وبعد تشكيل اللجان النيابية الدائمة، واجهت لجنة الشهداء والجرحى عقبة قانونية أخرى تمثلت بعدم اكتمال نصابها، إذ لم يتجاوز عدد أعضائها ستة من أصل سبعة مطلوبين وفق النظام الداخلي، الأمر الذي منعها من مباشرة عملها رسميًا حتى الآن.

رواية عائلات الشهداء

في المقابل، ترفض عائلات الشهداء بشكل قاطع مبرر “العبء المالي” الذي يُستخدم لتأجيل القانون، 

والدة احد الشهداء في وزارة الداخلية، التربوية سحر الشاوي، أوضحت لوكالة شفق نيوز أن التعديل لا يتضمن أي التزامات مالية جديدة، مؤكدة أن فقراته الأساسية تقتصر على تمديد صرف الرواتب (وهو إجراء قائم بالفعل بقرار حكومي سابق)، وإعادة المحذوفين إلى قاعدة بيانات مؤسسة الشهداء، وهو إجراء إداري لا يترتب عليه تخصيصات مالية إضافية.

وأضافت الشاوي "المحذوفون أصلاً يتقاضون رواتبهم من وزاراتهم، وعودتهم للقانون تمنحهم حقوقًا معنوية لا مالية".

كما أشارت إلى كتاب رسمي صادر عن مؤسسة الشهداء بتاريخ 25 أيار 2025، يؤكد أن إعادة المحذوفين لا تحمل أي كلفة مالية، بل يمكن تنفيذها إداريًا بعد إقرار التعديل.

وتساءلت بلهجة ناقدة: "إذا كان هناك عبء مالي، فلماذا استمرت الحكومة بصرف الرواتب لعائلات الشهداء حتى الآن؟".

تداعيات التأخير

تؤكد الشاوي أن التأخير في إقرار القانون انعكس بشكل مباشر على حياة العديد من العائلات، خاصة تلك التي لا تتقاضى رواتب شهرية رغم امتلاكها قرارات استشهاد رسمية.

وتضيف: "هناك اسر حُرمت من الرواتب بسبب تعقيدات إجرائية، رغم أن جميع القوانين تنص على استحقاقهم"، لافتة إلى أن الحلول المؤقتة، مثل تمديد الرواتب، لا تعالج أصل المشكلة، بل تؤجلها فقط.

من جانبه، دعا عباس الفرطوسي، وهو أحد ذوي الشهداء، في تصريح وكالتنا الكتل السياسية إلى تحمل مسؤوليتها الوطنية عبر ترشيح أعضاء لاستكمال نصاب لجنة الشهداء، مؤكدًا أن تعطيل اللجنة يعني تعطيل أحد أهم القوانين الإنسانية في البرلمان، وقال“عدم إقرار القانون ستكون له تبعات كبيرة على عائلات الشهداء”.

مواقف نيابية

على الصعيد النيابي، أكدت النائبة نازك أحمد أن هناك توافقًا عامًا داخل البرلمان على تمرير القانون، مشيرة إلى أن النواب جمعوا تواقيع منذ بداية الدورة الحالية لتشكيل لجنة الشهداء، لكنها لم تحقق النتائج المطلوبة حتى الآن.

وأضافت:“سنعمل على نقل مطالب اسر الشهداء إلى رئاسة البرلمان وتسريع الإجراءات”.

فيما شددت النائبة سروه محمد على أن دعم عائلات الشهداء يمثل واجبًا وطنيًا، مؤكدة أن الكتل الكوردستانية ستدعم أي تشريع يخدم هذه الفئة.. الشهداء ضحوا من أجل العراق، وعلى الجميع دعم حقوق عائلاتهم".

 إشكالية قانونية 

عضو مجلس النواب، وعضو لجنة الشهداء النيابية حسين البطاط، أشار في فيديو مسجل اطلعت عليه وكالة شفق نيوز، إلى أن القانون قد يحتاج إلى إعادة عرض على الحكومة لأخذ رأيها بعد إدخال بعض التعديلات، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الإجرائية.

لكنه أكد في الوقت نفسه أن القانون يحظى باهتمام كبير داخل لجنة الشهداء، وأنه من القوانين المرحّلة التي ينبغي حسمها في الدورة الحالية.

مهلة 30 يوماً

في خطوة تصعيدية، أعلنت تنسيقية عائلات الشهداء منح مجلس النواب مهلة 30 يومًا لإكمال الإجراءات التشريعية، محذّرة من اللجوء إلى مظاهرات واحتجاجات مدنية في حال استمرار التأخير، 

وجاء في بيان التنسيقية أن "التأخير غير المبرر في إقرار القانون يعكس غياب الإرادة السياسية لمعالجة ملف إنساني بالغ الحساسية".

ويتضح من مجمل التصريحات أن الأزمة لا تكمن في نص القانون بقدر ما تكمن في تعقيدات إجرائية وصراعات تفسيرية حول طبيعته المالية، إضافة إلى خلل بنيوي في عمل اللجان النيابية.

وبين تأكيدات عائلات الشهداء بعدم وجود كلفة مالية، وتحفظات بعض النواب، يبقى القانون معلقًا في منطقة رمادية، يدفع ثمنها آلاف المستحقين الذين ينتظرون إنصافًا طال تأجيله.