شفق نيوز- بغداد

تدخل الحكومة العراقية مرحلة مالية تُعد من الأكثر حساسية منذ سنوات، بعدما تحولت رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين إلى أكبر تحدٍ يواجه الخزينة العامة.

فمع تقلص السيولة وتراجع الإيرادات النفطية، تصاعدت الضغوط على المالية العامة، وأصبحت الحكومة تلجأ بصورة متزايدة إلى أدوات تمويلية استثنائية لتوفير السيولة اللازمة لتغطية التزاماتها الشهرية، وفي مقدمتها الرواتب، التي تستحوذ على الحصة الأكبر من الإنفاق العام.

وتأتي هذه المؤشرات في وقت يُتوقع فيه تزايد الضغوط المالية خلال الأشهر المقبلة، مع اتساع الالتزامات الحكومية وتراجع هامش المناورة المالية، جراء تعطل تصدير النفط عبر مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية، الذي يشهد بدوره توترات عسكرية قد تمتد لأشهر مقبلة.

أرقام الأزمة

علمت وكالة شفق نيوز، من ثلاثة مصادر رفيعة في وزارة المالية، ومصدر مقرب من رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، أن الحكومة العراقية تواجه ضغوطاً مالية متزايدة قد تحول دون قدرتها على تأمين رواتب موظفي الدولة لشهر آب من السيولة المتاحة حالياً.

وبحسب المصادر، فإن الحكومة تتجه إلى اللجوء للاقتراض الداخلي خلال هذا الشهر من عدد من المصارف الأهلية، مؤكدة أنها ستقترض ما يزيد على ثلاثة تريليونات دينار، بهدف توفير الأموال اللازمة لصرف رواتب الموظفين خلال الشهر الجاري.

وأشارت إلى أن الفائدة السنوية على أدوات الاقتراض الحكومية تبلغ 5.25%، مبينة أن حجم الدين الداخلي المترتب على الحكومة يتراوح حالياً بين 106 تريليونات و125 تريليون دينار.

وأضافت المصادر أن العراق خسر 30 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الماضية نتيجة تعطل تصدير النفط عبر مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تدفقات الإيرادات العامة والسيولة المتاحة لتمويل النفقات التشغيلية.

ويأتي ذلك في وقت حذر فيه الباحث الاقتصادي العراقي، زياد الهاشمي، من أن العراق دخل مرحلة "العسرة المالية"، مع إقرار الحكومة بشح السيولة بعد أشهر من نفي وجود أزمة.

وقال الهاشمي، في تدوينة على منصة "إكس"، إن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بتراجع الإيرادات النفطية، بل تعكس سنوات من سوء إدارة الموارد والإنفاق غير المنضبط، مشيراً إلى أن الإيرادات تُستنزف قبل وصولها إلى خزينة الدولة بسبب الفساد والهدر والالتزامات المالية المتراكمة.

كما أوضح أن تجاوز الأزمة يتطلب إصلاحات مالية جذرية تشمل خفض الهدر، ومكافحة الفساد، وضبط فاتورة الرواتب، وتنمية الإيرادات غير النفطية، محذراً من أن الاحتياطيات المالية لن تكون قادرة على حماية الدولة من الأزمات المتكررة إذا استمرت السياسات الحالية.

رؤية حكومية

وعن كيفية وصول العراق إلى هذه المرحلة، والإجراءات العاجلة المطلوبة لتقليل آثار أزمة السيولة على المواطنين والاقتصاد، قال مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الاقتصادية، مظهر محمد صالح، إن ما يمر به العراق لا يمثل أزمة مالية مفاجئة، بل هو نتيجة تراكم اختلالات هيكلية في المالية العامة ظهرت بوضوح مع أي اضطراب يصيب سوق النفط أو حركة التصدير.

وفي حديثه لوكالة شفق نيوز، تحدث صالح، قائلاً إن اعتماد الموازنة العراقية على الإيرادات النفطية بنسبة تتجاوز 90% جعل المالية العامة شديدة الحساسية أمام أي انخفاض في الأسعار أو الصادرات، في وقت توسع فيه الإنفاق الجاري خلال السنوات الماضية، خصوصاً في ملف الرواتب والأجور والإعانات الاجتماعية، مقابل محدودية مساهمة القطاعات غير النفطية في تمويل الدولة.

ووفقاً للمستشار الحكومي، فإن ضعف التنويع الاقتصادي، وتواضع كفاءة الجباية الضريبية والجمركية، وتأخر الإصلاحات المالية والإدارية، فضلاً عن ارتفاع الالتزامات الثابتة للموازنة، كلها عوامل قلصت قدرة الحكومة على المناورة عند حدوث تراجع في الإيرادات.

وأضاف أن المعالجة لا ينبغي أن تقتصر على تجاوز الأزمة الحالية، بل يجب أن تتحول إلى فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد عبر ترشيد الإنفاق العام، وتأجيل المشاريع غير الضرورية، وتحسين كفاءة استخدام الأموال، مع الحفاظ على الرواتب والخدمات الأساسية وشبكات الحماية الاجتماعية.

كما حذر صالح من أن الاقتراض، رغم كونه أداة متاحة عند الحاجة، يجب أن يبقى ضمن حدود مدروسة، وألا يتحول إلى وسيلة دائمة لتمويل النفقات التشغيلية، لأن ذلك قد يرفع أعباء الدين ويؤثر في قدرة القطاع الخاص على الحصول على التمويل.

وتأتي هذه التصريحات تزامناً مع إقرار وزير الصحة العراقي، عبد الحسين الموسوي، الخميس الماضي، بأن الحكومة تواجه أزمة سيولة جعلت أولويتها تأمين الرواتب، فيما أكد أن الشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية (كيماديا) لم تتسلم سوى 15% من موازنتها، ما أدى إلى إفلاسها وتعطل التعاقدات الجديدة وتهديد إمدادات الأدوية.

وعقب تصريحات وزير الصحة، أطلّ وزير المالية فالح الساري بتصريح آخر أكد فيه وجود عجز مالي حقيقي يعرقل استكمال صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، مشيراً إلى أن إجمالي الالتزامات الشهرية للرواتب يبلغ نحو 7 تريليونات و800 مليار دينار.

اقتراض لضمان الرواتب

في المقابل، رأى مستشار رابطة المصارف الخاصة العراقية، سمير النصيري، أن الحكومة تمكنت خلال الأشهر الماضية من توفير السيولة عبر الاقتراض الداخلي، مؤكداً أن رواتب الموظفين ما تزال مؤمنة ولن تشهد توقفاً.

وأوضح النصيري، في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن آلية الاقتراض تتم من خلال إصدار وزارة المالية حوالات خزينة، يعيد البنك المركزي خصمها، بما يعزز أرصدة المصارف ويوفر السيولة اللازمة للحكومة. وأشار إلى أن هذه العملية لا تعني استخدام ودائع المواطنين أو سحب أموال المودعين، وإنما تمثل أداة مالية تستخدمها الدولة لتغطية احتياجاتها المؤقتة.

وتابع قائلاً إن انخفاض الإيرادات النفطية أدى إلى اتساع العجز المالي، ما دفع الحكومة إلى الاعتماد على أدوات الاقتراض الداخلي لضمان استمرار تمويل الإنفاق، وفي مقدمته الرواتب، موضحاً أن قدرة الاقتراض الداخلي قد تستمر حتى نهاية العام إذا بقيت الظروف الحالية على حالها.

وختم النصيري حديثه بالقول إن الحكومة قد تضطر إلى اتخاذ إجراءات إضافية، من بينها ترشيد الإنفاق، واللجوء إلى خيارات تمويل أخرى، وإقرار التشريعات المتعلقة بالقروض والمنح، فضلاً عن العمل على زيادة صادرات النفط عبر منافذ بديلة عن مضيق هرمز.

لكن الباحث الاقتصادي أحمد عيد يعتقد أن المصارف الأهلية لا يمكن أن تكون الحل الرئيس لأزمة السيولة، مشيراً إلى أنها تعاني أصلاً من ضعف قاعدة الودائع بسبب انخفاض ثقة المواطنين بالقطاع المصرفي، واعتماد شريحة واسعة على الاحتفاظ بالأموال خارج النظام المصرفي.

وقال عيد، لوكالة شفق نيوز، إن قدرة المصارف على تمويل الاقتصاد أو التوسع في الإقراض تبقى محدودة ما لم ترتفع الودائع وتتوسع أدوات الشمول المالي والدفع الإلكتروني.

وحذر من أن زيادة اعتماد الحكومة على الاقتراض من المصارف قد تؤدي إلى استنزاف السيولة المتاحة للجهاز المصرفي، وتقليص قدرته على تمويل القطاع الخاص والمشاريع الإنتاجية، ما يرفع كلفة التمويل ويضعف النشاط الاقتصادي، مبيناً أن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء قطاع مصرفي أكثر قدرة على تعبئة المدخرات، وتعزيز الثقة بالمصارف، وتحويل مواردها من تمويل العجز الحكومي إلى دعم التنمية والاستثمار.

وكان المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، قد أكد في وقت سابق أن العراق يواجه تحديات مالية "قاسية"، مشيراً إلى أن الحكومة تحتاج شهرياً إلى نحو 10.8 تريليونات دينار لتغطية رواتب الموظفين والنفقات العامة، في حين لا تتجاوز الإيرادات النفطية للبلاد 2.5 تريليون دينار فقط.

وأقر العبودي، في تصريح متلفز، بأن هذه الأزمة المالية أثرت بشكل مباشر على الجدول الزمني لتوزيع الرواتب، مما أدى إلى تأخيرها وعدم انتظام صرفها كما كان متبعاً.

هشاشة النموذج النفطي

أما أستاذ الاقتصاد الدولي، نوار السعدي، فيرى أن الأزمة الحالية كشفت هشاشة النموذج الاقتصادي العراقي بصورة غير مسبوقة.

وأكد السعدي، في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن العراق يعتمد على النفط لتأمين الجزء الأكبر من إيرادات الموازنة، بينما تمر نسبة كبيرة من صادراته النفطية عبر مضيق هرمز، ما جعل أي اضطراب في هذا المسار ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على تمويل التزاماتها.

ولفت إلى أن تجاوز النفقات التشغيلية الشهرية عشرة تريليونات دينار، ومعظمها يذهب إلى الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، خلق فجوة مالية ظهرت سريعاً على شكل تأخير في صرف الرواتب، مضيفاً أن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة أسعار نفط، بل أزمة تدفق نقدي وإيرادات.

ونوه السعدي إلى ضرورة التحرك ضمن ثلاثة مسارات متوازية:

أولاً، ضمان استمرار دفع الرواتب من خلال إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتأجيل النفقات غير الضرورية.

ثانياً، الإسراع في تفعيل منافذ تصدير بديلة عبر تركيا وسوريا وغيرها لتقليل الاعتماد على منفذ واحد.

ثالثاً، توفير سيولة مؤقتة عبر أدوات الدين الداخلي وإدارة الاحتياطيات بحذر، مع تجنب أي تمويل قد يؤدي إلى زيادة التضخم والإضرار بالقوة الشرائية للمواطنين.

وكان مرصد "إيكو عراق" المختص بالشؤون الاقتصادية قد أعلن، في 19 تموز/يوليو الجاري، أن العراق استخرج نحو 440.3 مليون برميل من النفط خلال النصف الأول من عام 2026، فيما بلغ فاقد الإنتاج نحو 302.8 مليون برميل مقارنة بالمعدل الطبيعي، نتيجة تداعيات التوترات الأمنية والعسكرية في المنطقة.

ويذكر أن محللين في قطاعي الطاقة والجيوسياسة حذروا من أن العراق سيكون من أكثر الدول تأثراً إذا استمر تعطل الملاحة في مضيق هرمز، في ظل بقاء تدفقات النفط من الخليج عند نحو 50% من مستويات ما قبل الحرب، بما يعادل انخفاضاً لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً من الإمدادات الإقليمية.