شفق نيوز- بغداد
حذر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أن إبقاء السلاح خارج سيطرة الدولة قد يدفع العراق نحو "البلقنة" - أي خطر التفتيت والتشظي إلى دويلات متناحرة - داعياً إلى إنهاء وجود القوى المسلحة المستقلة عن مؤسسات الدولة، في تحذير يربط للمرة الأولى بهذا الوضوح بين ملف سلاح الفصائل ومستقبل وحدة الدولة العراقية وتماسكها.
وجاء التحذير الأميركي، بعد لقاء روبيو مع رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في نيويورك أمس الأربعاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعد يوم من لقاء الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.
ويأتي ذلك قبل ستة أيام فقط من الموعد المقرر لانتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق، في 30 أيلول/ سبتمبر الجاري، في وقت انتقلت فيه قضية نزع سلاح الفصائل من موعدها السابق المتزامن مع انسحاب التحالف إلى خطة تمتد حتى 30 حزيران/ يونيو 2027.
وبينما يرى سياسيون وخبراء أن تعدد مصادر السلاح ومراكز النفوذ والتدخلات الخارجية يمثل تحدياً حقيقياً لوحدة القرار الأمني والسياسي، فإن التقديرات تختلف في مدى اقتراب العراق من سيناريو "البلقنة".
تعدد مصادر القوة
وفي هذا السياق، يقول عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، خالد سيدو، إن ملف السلاح خارج سلطة الدولة يخضع لمتابعة حثيثة، مشيراً إلى أن وجود أكثر من قوة ومصدر للسلاح، بما في ذلك التحالف الدولي والقوات التركية، يضعف مبدأ احتكار الدولة للقوة ويخلق بيئة للتنافس على النفوذ والضغط السياسي.
ويضيف سيدو لوكالة شفق نيوز، أن تعدد مصادر القوة "يقلل من قيمة القرار الأمني الموحد" ويضعف موقف العراق أمام دول الجوار والمجتمع الدولي، مؤكداً دعمه خطوات رئيس الوزراء علي الزيدي لتنظيم السلاح بحيث يكون القرار الأمني بيد الحكومة وحدها.
ويحذر من أن خطر التفكك أو "البلقنة" يجب ألا يُستهان به في ظل التحديات القائمة، داعياً الأجهزة الأمنية إلى امتلاك صورة دقيقة عن الواقع الميداني ومصادر القوة على الأرض، مشيراً في الوقت نفسه إلى وجود تبادل للمعلومات وتنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان بهدف الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها.
مخاطر الانقسام
أما الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، زياد العرار، فيضع الانقسام السياسي في مقدمة المخاطر التي تواجه العراق، خصوصاً عندما تتقدم مصالح بعض القوى على المصلحة العامة، يليه تصاعد الخطاب الطائفي، إلى جانب السلاح خارج نطاق الدولة والتدخلات الخارجية.
ويقول العرار لوكالة شفق نيوز، إن السلاح المنفلت تجاوز تأثيره الداخل العراقي ليصبح مصدر قلق إقليمي ودولي، مشيراً إلى أنه يمكن أن يؤثر في الاستثمار والاقتصاد، كما قد يجعل العراق ساحة لاستهدافات عسكرية وسياسية.
ويضيف أن التدخل الخارجي يمثل خطراً آخر، معتبراً أن تأثير كل من واشنطن وطهران في الساحة العراقية يضع البلاد أمام ضغوط متعارضة ومصالح خارجية.
ورغم ذلك، يستبعد العرار وصول العراق في الوقت الراهن إلى مرحلة "البلقنة"، مؤكداً أن البلاد لا تزال تمتلك عوامل تمنع هذا المسار، من بينها العمق العشائري، والقدرات الأمنية، ودور السلطة القضائية في حماية الدولة والدستور، داعياً إلى مراجعة واسعة للملفات الاستراتيجية ومعالجة الاختلالات قبل تحولها إلى أزمات أكبر.
ويرى العرار أن تحذير روبيو يمثل رسالة إلى القوى السياسية العراقية بشأن مسؤوليتها عن معالجة الوضع القائم، وليس إعلاناً بأن تقسيم العراق أصبح واقعاً وشيكاً.
صدام سياسي وأمني
وفي المقابل، يرفض الخبير الأمني والاستراتيجي، الدكتور أحمد الشريفي، توصيف "البلقنة" باعتباره السيناريو الأقرب للعراق، معتبراً أن الحديث عن التقسيم يعكس نظرة متشائمة لا تتطابق مع الواقع العراقي.
ويقول الشريفي لوكالة شفق نيوز، إن العراق واجه خلال مرحلة تنظيم "داعش" تحديات عسكرية وأمنية أكبر، خصوصاً مع انهيار قطعات عسكرية ومناطق مسك الأرض خلال عام 2014، لكنه تمكن لاحقاً من تجاوز ذلك التحدي، ولذلك لا يرى الشريفي خطراً مباشراً يتمثل في تقسيم البلاد.
ويعتقد الشريفي أن السيناريو الأكثر احتمالاً يتمثل في صدام سياسي وأمني حول شكل الدولة وقرارها، خصوصاً إذا استمرت بعض الفصائل في رفض تسليم سلاحها أو فشلت الحوارات المرتبطة بالملف.
ويضيف أن نجاح الحكومة في إدارة المرحلة يتطلب إخراج المؤسسات الأمنية والعسكرية من منطق المحاصصة، محذراً من أن إعادة إنتاج الانقسامات داخل الأجهزة قد تضعف منظومة القيادة والسيطرة، وهي المشكلة التي يرى أنها ساهمت في انهيار المؤسسات الأمنية خلال مرحلة اجتياح "داعش" لمناطق واسعة من العراق.
ويرى أن استمرار الخلاف حول السلاح قد يقود - في حال فشل الحوار - إلى مواجهة بين مؤسسات الدولة والقوى المسلحة، مع احتمال تحرك قواعد اجتماعية وسياسية لدعم أحد الطرفين.
لكن الشريفي يربط مسار الأزمة أيضاً بالتطورات الإقليمية، ولا سيما المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن أي تفاهم بينهما قد ينعكس على مستوى العمليات في المنطقة.
وفي تقديره، فإن المسألة الأساسية لا تتعلق بتسليم السلاح فقط، بل أيضاً بطبيعة القيادات التي ستدير المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد إعادة تنظيمها، وبمدى قدرتها على العمل خارج إطار المحاصصة.
وحدة العراق
من جهته، يقلل الخبير الأمني، سرمد البياتي، من احتمال وصول العراق إلى مرحلة التفتيت أو التقسيم، مشيراً إلى أن البلاد مرت خلال السنوات الماضية بظروف أكثر صعوبة ولم تصل إلى هذه النتيجة.
ويقول البياتي لوكالة شفق نيوز، إن العراق يضم توازنات وضغوطاً شيعية وسنية وكوردية تجعل الانتقال إلى سيناريو التقسيم أمراً غير مرجح، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن مرحلة ما بعد خروج قوات التحالف قد تشهد تدخلاً أكبر من أطراف مختلفة ومحاولات للتأثير في المشهد العراقي.
ويضيف أن الجميع مطالبون بالحذر خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما مع انتهاء مهمة التحالف في 30 أيلول/ سبتمبر الجاري، مشيراً في الختام إلى أن قدرة الحكومة على الإمساك بزمام الأمور ستكون عاملاً حاسماً في منع انتقال الخلافات من المجال السياسي إلى صراع أمني.
جدير بالذكر أن المصطلح الذي أطلقه الوزير الأميركي ماركو روبيو يشير إلى منطقة البلقان، التي شهدت اقتتال دول البلقان نفسها في يوغسلافيا خلال تسعينيات القرن الماضي.
وآنذاك كانت يوغسلافيا دولة تضم ستة جمهوريات "صربيا، كرواتيا، البوسنة، سلوفينيا، مقدونيا، الجبل الأسود، وفي داخل صربيا يقع إقليم كوسوفو".
وشهدت "يوغسلافيا" اقتتالاً عنيفاً خلال "حرب البلقان" بدءاً من 1991 إلى 1999، حيث تفكك الاتحاد اليوغسلافي إلى عدة دول "سلوفينيا، كرواتيا، مقدونيا الشمالية، البوسنة والهرسك، صربيا، الجبل الأسود، كوسوفو".