شفق نيوز- تحليل خاص
إذا توقفت الحرب الإسرائيلية على لبنان الآن، وهي الأخطر منذ غزو عام 1982، فإن 10% من مساحة البلد ستكون في قبضة إسرائيل، بما قد يمهد لتطبيق أطروحات إسرائيلية تطمح إلى توسيع مساحة إسرائيل مثلما هو حاصل أيضاً في الجنوب السوري وغزة، وتهدد في الوقت نفسه بخلق حالة نزوح جماعي كبرى مجدداً، وبتدمير صيغة التعايش الديني والطائفي التي تجمع اللبنانيين، وخصوصاً في القرى والبلدات الجنوبية.
ثمة تقديرات رسمية تشير إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون لبناني بسبب الحرب الحالية، خصوصاً منذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، وهو ما يمثل نحو خمس سكان لبنان، في حين تسببت الهجمات الإسرائيلية على لبنان بمقتل وجرح نحو 13 ألف شخص بحسب آخر إحصاء لوزارة الصحة اللبنانية.
صحيح أنها ليست المرة الأولى التي تتسبب فيها حرب إسرائيلية في لبنان بحركة نزوح كبيرة، خصوصاً كما جرى في غزوات وحروب أعوام 1978 و1982 و1996 و2006، إلا أنها ربما المرة الأولى التي تصل فيها أرقام النزوح إلى هذا المستوى، والمرة الأولى أيضاً التي يجري بالتوازي معها تدمير ومسح معالم قرى وبلدات بأكملها وبشكل ممنهج، كتطبيق لنموذج غزة لبنانياً.
وبحسب المعطيات الميدانية والمعلنة، فإن إسرائيل تسيطر حالياً على نحو 60 قرية وبلدة، إما بشكل احتلال مباشر، أو من خلال السيطرة النارية التي تمنع الأهالي من البقاء فيها أو الدخول إليها، وهي تشمل أكثر من 400 كيلومتر مربع، مع خطط أعلنت عنها إسرائيل للوصول إلى نهر الليطاني، ما سيضع 10% من مساحة لبنان البالغة 10452 كلم مربع، تحت الاحتلال المباشر.
ووفقاً لتصريحات قيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية، بمن فيهم وزير الحرب يسرائيل كاتس، فإن الخطة الإسرائيلية تستهدف إقامة منطقة أمنية عازلة بعمق يتراوح ما بين 7 إلى 15 كيلومتراً، أجبرت إسرائيل الأهالي القاطنين ضمنها على النزوح بشكل شبه كامل، فيما من بقي منهم يتعرضون لغارات جوية وقصف مدفعي، بما في ذلك قرى وبلدات شمال نهر الليطاني أيضاً.
وتكمن الخطورة في أشكال السيطرة الإسرائيلية هذه، إذ تترافق مع عمليات تجريف وتدمير ونسف كامل لقرى وأحياء، سُويت بالأرض حتى الآن، مثل قرى محيبيب، عيتا الشعب، كفركلا، يارون، مارون الراس، والعديسة، بالإضافة إلى دمار شبه كامل لبلدات مثل الخيام، وميس الجبل، وبليدا، وحولا، والضهيرة، وهو نشاط عسكري تدرجه منظمات حقوقية دولية ضمن جرائم الحرب، سواء بسبب إجبار المدنيين على النزوح، أو في تدمير منشآت ومناطق مدنية واضحة.
وبخلاف ما هو شائع إعلامياً، فإن الجنوب ليس شيعياً بالمطلق، صحيح أن غالبيته شيعية، لكن فيه من كل الطوائف والأقليات، من مسلمين سنة وشيعة ودروز ومسيحيين من مختلف الكنائس.
وصحيح أيضاً أن إسرائيل تحاول الإيحاء دائماً بأنها تستهدف “الشيعة” باعتبارهم الحاضنة الرئيسية لبيئة المقاومة، إلا أن الواقع يشير إلى أن الاعتداءات لم توفر أحداً من مكونات اللبنانيين وقراهم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك نزوح عشرات الآلاف من أبناء القرى التي لا تنتمي إلى الحاضنة الشيعية.
تغادر سهى (30 عاماً)، وتعود بشكل شبه أسبوعي، إلى بلدتها في حاصبيا الجنوبية التي يقطنها غالبية من أبناء الطائفة الدرزية، وهي أقلية تمثل نحو 6% من سكان لبنان.
تستفيد هذه الشابة التي تنتمي إلى أسرة درزية متدينة، من الهدوء النسبي في بلدتها حاصبيا، فتغادرها إلى بيروت وتعود إليها، لكنها تضطر إلى سلوك طريق أطول عبر منطقة البقاع، بدلاً من الاتجاه نحو الجنوب.
لم تعانِ حاصبيا من تأثيرات مدمرة في هذه الحرب، لكن المنطقة تعرضت لكثير من القصف والغارات في محيطها وطالت في أحيان كثيرة قرى وطرقات وأودية ومتاجر.
وتقول سهى التي فضلت عدم ذكر هويتها كاملة، لوكالة شفق نيوز: "في كل ليلة أكون فيها في حاصبيا، أسمع أصوات الانفجارات والغارات على القرى القريبة. أحياناً أشاهد بالعين المجردة وميض الانفجارات في البعيد. من جهة تشعر أنك بمأمن، ومن جهة ثانية، هؤلاء أهلك يُقتلون هناك وتُدمّر أرزاقهم".
وبينما تحمل بيانات إسرائيل العسكرية، تأكيدات على استهداف "بنى تحتية" لحزب الله، إلا أن هجماتها تطال المستشفيات والمباني السكنية ودور العبادة المتنوعة بما فيها كنائس وآثار مسيحية تاريخية بالإضافة إلى المتاجر ومحطات المياه والطاقة الشمسية ومولدات الكهرباء وسيارات الإسعاف الصحية والدفاع المدني، وهو ما يمس حياة كل اللبنانيين إلى أي طائفة أو دين انتموا.
يقول أحمد حيدر، وهو ناشط في الدفاع المدني لوكالة شفق نيوز، إن القوات الإسرائيلية قتلت من كل الطوائف وفي كل المناطق تقريباً، ولم تدمر فقط بيوت وقرى شيعية الطابع، مثل مروحين ويارين والضهيرة، وهي قرى سنية، مذكراً بأنها شنت مئات الغارات على بيروت وضواحيها، وقتلت من السنة والشيعة والمسيحيين.
وتظهر المعطيات الميدانية أن العديد من القرى المسيحية في الجنوب تعرضت لاعتداءات بشكل أو بآخر، من بينها التوغلات وغارات في قرى مثل رميش وعين إبل ودبل وعلما الشعب والقوزح، علماً بأن العديد من المواطنين السوريين والفلسطينيين قُتلوا في هجمات إسرائيلية، إلى جانب لبنانيين من حملة الجنسيات الأوروبية والأميركية.
ولم يعد سراً أن عدداً من السياسيين الإسرائيليين يتحدثون إما عن البقاء طويلاً في الأراضي اللبنانية أو حتى ابتلاع المنطقة بالكامل واستيطانها.
مؤخراً، قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش، وهو من الأعمدة اليمينية المتطرفة المساندة لحكومة بنيامين نتنياهو، إن المعركة في لبنان يجب أن تنتهي بأن يصبح نهر الليطاني الحدود الفاصلة، وضرورة توسيع مساحة المنطقة العازلة، واعتماد نموذج السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من غزة كنهج يجب اعتماده شمالاً.
وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ذهب أبعد من ذلك، قائلاً إن هناك خطة حكومية إسرائيلية للاستيطان داخل الأراضي اللبنانية، داعياً إلى عدم الخوف من الضغوط الدولية بهذا الشأن، وذلك كجزء من خطط أوسع تشمل أيضاً تشجيع تهجير سكان غزة والضفة الغربية.
المشهد العام كان نتنياهو قد حدده عندما أعلن إنشاء "منطقة أمنية" تمتد كحزام جغرافي متصل من منطقة رأس الناقورة في أقصى الساحل اللبناني الجنوبي، وصولاً إلى نهر اليرموك وقمة جبل الشيخ (حرمون) في الأراضي السورية.
وأضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها، أن إسرائيل لن تسمح بأن تتحول حدودها السورية إلى "جنوب لبنان آخر"، مشدداً على ضرورة نزع السلاح من هذه المنطقة السورية.
وبالمجمل، من المقدر أن المساحة التي تسيطر عليها إسرائيل حالياً في الجنوب السوري تبلغ حوالى 1200 كيلومتر مربع، وهي تشمل المساحة الإجمالية لهضبة الجولان التي احتلتها إسرائيل في عام 1967 وضمتها لاحقاً في عام 1981، وأنشأت فيها العديد من المستوطنات.
ومنذ ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، تقوم القوات الإسرائيلية بتوغلات يومية وتمدد داخل الأراضي السورية عبر محافظات القنيطرة وريف دمشق ودرعا وأقامت قواعد عسكرية ثابتة.
وعلى الرغم من أن هذه التوغلات لم تواجهها القوات السورية أو تتصدى لها، إلا أن التمدد ظل يتواصل حتى أصبحت القوات الإسرائيلية على بعد 25 كيلومتراً من العاصمة دمشق، وتحديداً في منطقة قطنا.
وتشير تصريحات نتنياهو نفسه بوضوح، وأيضاً تقديرات العديد من الخبراء العسكريين، إلى أن المسعى الإسرائيلي يتمثل في ربط "الخط الأصفر" في الجنوب اللبناني بـ"الشريط الأمني" في الجنوب السوري، جغرافياً وعسكرياً، تحت ستار إبعاد التهديدات العسكرية عن المستوطنات الإسرائيلية الشمالية وفي الجولان السوري المحتل، وبما يحمل مخاطر بقاء الاحتلال بشكل دائم فيها.
وقانونياً، تكون إسرائيل بذلك قد انتهكت اتفاقية الهدنة مع لبنان لعام 1949، واتفاقية فض الاشتباك مع سوريا لعام 1974، وترسيم الحدود للخط الأزرق مع لبنان، بما يفرض واقعاً استراتيجياً جديداً على دول المنطقة، وفرض واقع تفاوضي جديد مع كل من بيروت ودمشق، وذلك استباقاً لنتائج حرب لم تُحسم مع إيران، واحتمال نشوء ترتيبات إقليمية جديدة.