شفق نيوز- بغداد

يواجه العراق اليوم واحدة من أعنف الهزات الاقتصادية والجيوسياسية في تاريخه الحديث، مع دخول المنطقة أتون "حرب شاملة" أدت إلى شلل تام في شريان الحياة الوحيد للبلاد.

فبينما كانت بغداد تصارع لتثبيت دعائم استقرارها المالي، جاء إغلاق مضيق هرمز وتوقف شركات التأمين عن تغطية الناقلات، ليعلن عن بدء مرحلة "الاختناق النفطي" التي وضعت الموازنة العامة في مهب الريح.

في وقت تتجاوز الخسائر اليومية للعراق حاجز الـ128 مليون دولار، وتهديدات مباشرة طالت أضخم الحقول العالمية كحقل الرميلة الذي أُطفئت نيرانه قسراً لامتلاء الخزانات وتعذر التصدير.

هذا المشهد السوداوي لم يتوقف عند حدود الاقتصاد، بل امتد ليرسم ملامح أزمة أمنية ومعيشية تلوح في الأفق؛ إذ إن توقف التدفقات النقدية الدولارية - التي كانت تصل عبر الطائرات الأميركية - يضع الدولة أمام تحد وجودي.

ويتمثل هذا التحدي في كيفية تأمين رواتب الملايين وضبط إيقاع السوق المحلية التي بدأت تستشعر خطر تضخم جامح قد يبتلع القوة الشرائية للدينار، وسط تساؤلات مشروعة عن جدوى البدائل التصديرية عبر تركيا والأردن في ظل انهيار المنظومة اللوجستية الإقليمية.

الأمن والمعيشة

في مستهل الرصد الميداني، يربط الخبير الأمني والاستراتيجي، أحمد الشريفي، بين تداعي الاقتصاد وانهيار المنظومة الأمنية، موضحاً أن "الأمن صناعة تحتاج إلى موارد مالية ضخمة لإدامة زخم المقاتلين وصيانة التقنيات العسكرية".

ويضيف الشريفي لوكالة شفق نيوز، أن الطائرات المقاتلة مثل الـ(أف 16) وحدها تحتاج لصيانة تفوق 350 مليون دولار سنوياً، محذراً من أن "أي انتكاسة اقتصادية ستؤدي إلى نقمة شعبية وانفعالات في الميدان تربك المشهد الأمني، مما سيضطر القوات للانتشار والتموضع، وهذا بحد ذاته يحتاج لدعم لوجستي وإنفاق على الوقود والإعاشة في وقت تنضب فيه الموارد".

ويصف الشريفي من يعتقد بوجود بدائل جاهزة للتصدير بأنه "واهم"، مبيناً أن العراق يعتمد بنسبة 90% على ممر هرمز، وأن رواتب الموظفين هي المحرك الوحيد للسوق في ظل انعدام القطاع الخاص.

كما يكشف الشريفي عن بعد آخر للأزمة يتعلق بالسيادة المالية، قائلاً إن "العراق يعتمد شهرياً على وصول طائرات أميركية تحمل عوائد النفط بالدولار، ومع غلق الأجواء ومغادرة الأميركيين، لن تصل هذه الأموال، مما يضع الدولة في مأزق حقيقي لتأمين السيولة النقدية لصرف الرواتب والرعاية الاجتماعية".

نزيف مليارات الدولارات

وبالأرقام، يؤكد مرصد "إيكو عراق" في تقريره الأخير أن العراق يتكبد خسائر تقدر بنحو 128 مليون دولار يومياً نتيجة توقف الإنتاج في حقل الرميلة (1.4 مليون برميل/يوم) وحقول إقليم كوردستان (200 ألف برميل/ يوم).

ويرى المرصد - في بيان أمس الثلاثاء - أن استمرار هذا التوقف لمدة شهر واحد يعني ضياع أكثر من 3.8 مليار دولار، وهو ما يمثل ضربة قاضية لموازنة تعتمد بنسبة 90% على النفط.

من جانبه، يرى الأستاذ في الاقتصاد الدولي، نوار السعدي، أن توقف التصدير من الجنوب يمثل "ضربة مباشرة للموازنة"، مؤكداً أن استمرار التعطيل لأسابيع سيخلق ضغطاً فورياً على سعر صرف الدينار نتيجة تراجع عامل الثقة وارتفاع الطلب على الدولار.

ويشير السعدي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن البدائل النظرية كخط جيهان "لا يمكنها تعويض صادرات الجنوب"، مما يجعل إدارة الاحتياطيات النقدية وضبط الإنفاق العاجل هما طوق النجاة الوحيد.

خارطة الإنقاذ

وفي مواجهة هذا الشلل، يتحدث المحلل الاقتصادي أحمد عيد عن ضرورة اعتماد خطة عاجلة ترتكز على ثلاثة مسارات، الأول: خفض الإنتاج تدريجياً لتقليل الخسائر التشغيلية مع تأمين وقود المصافي والكهرباء محلياً.

وثانياً: أدوات تمويل داخلية لتفعيل السندات وسلف الخزينة وتأجيل الإنفاق الاستثماري لضمان الرواتب والدواء، وثالثاً: تنسيق نقدي لحماية سعر الصرف من المضاربات التي قد تنتج عن نقص الدولار "الورقي".

ويحذر عيد خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، من أن استمرار الأزمة سينعكس سريعاً على أسعار الأدوية والسلع الأساسية بسبب ارتفاع كلف الاستيراد والتأمين البحري الذي توقف فعلياً في حوض الخليج.

البدائل المتاحة

على الجانب الحكومي، كشف مصدر مطلع لوكالة شفق نيوز، أن الحكومة تدرس زيادة التصدير عبر "الحوضيات" المتوجهة للأردن، وإبرام عقود بيع طويلة الأمد (عقود آجلة) دون ضمانات تعويضية في حال استهداف المخازن.

وهو ما يؤيده الخبير الاقتصادي حسين التميمي، الذي يرى أن الحل الوحيد يكمن في "زيادة إنتاج حقول كركوك لرفع صادرات خط جيهان"، داعياً خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، الحكومة إلى التفكير في مرحلة ما بعد الحرب لإعادة تفعيل خط (بانياس) السوري وخط (ينبع) السعودي لتنويع منافذ التصدير والهروب من "خناق هرمز".

صمام الأمان

ورغم قتامة المشهد، يحاول المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، بث روح الطمأنة، مؤكداً أن "العراق يمتلك احتياطيات تغطي أكثر من سنة من الاستيرادات، ومخزونات سلعية تكفي لعامين".

ويوضح صالح لوكالة شفق نيوز، أن الأزمة "قابلة للإدارة" طالما كانت قصيرة الأمد، لكن الإغلاق الطويل سيتطلب "إجراءات هيكلية أعمق".

وفي ذات السياق، يلفت الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي في تدوينة على "فيسبوك" إلى حقيقة تقنية هامة، وهي أن رواتب شهري آذار/ مارس ونيسان/ أبريل "مؤمنة فعلياً"، لأن العراق يستلم إيرادات مبيعاته النفطية بفارق شهرين، مما يمنح صانع القرار مهلة 60 يوماً قبل أن تبدأ الخزينة بالشعور بالجفاف الفعلي.

شريان الطاقة

ومع استمرار إيران في إغلاق مضيق هرمز منذ السبت الماضي - رداً على استهداف قياداتها العليا في خضم الحرب العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل - يواجه العالم امتحاناً عسيراً لسلاسل التوريد.

فهذا المضيق ليس مجرد ممر مائي، بل هو "صمام أمان الطاقة" العالمي الذي يتدفق عبره نحو 21 مليون برميل يومياً، ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي وربع تجارة النفط المنقولة بحراً.

وبحسب الخبراء، فإن استمرار هذا الانسداد - الذي يعيد للأذهان "حرب الناقلات" في ثمانينيات القرن الماضي - قد يقفز بأسعار النفط فوق حاجز الـ100 دولار، مما يضع الاقتصاد العالمي والعراق بشكل خاص، أمام معضلة تهدد أمن الطاقة والسيولة المالية.