شفق نيوز- بغداد/ أربيل
تعود جذور الخلاف المالي والنفطي بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان إلى عام 2005، فيما شكل مطلع عام 2014 نقطة تحول مع قطع بغداد حصة الإقليم من الموازنة، لتتواصل الأزمة بفعل الخلافات على الإيرادات النفطية وغير النفطية والرواتب وآلية احتساب الاستحقاقات المالية.
وعلى الرغم من الزيارات المتكررة للوفود الفنية بين بغداد وأربيل، ما تزال التسويات تصطدم بتباين المواقف بشأن الالتزامات المتبادلة، وسط مطالبات بإيجاد آلية قانونية ومؤسسية تنهي تكرار الأزمة مع كل موازنة سنوية.
جذور الخلاف
وبدأت جذور الأزمة مع اختلاف تفسير مواد الدستور العراقي لعام 2005 المتعلقة بإدارة النفط والغاز، ثم تعمقت عام 2007 بعد إقرار إقليم كوردستان قانوناً خاصاً للنفط والغاز وتوقيع عقود مع شركات أجنبية، وهو ما اعترضت عليه بغداد.
وبلغ الخلاف مرحلة أكثر حدة في كانون الثاني/ يناير 2014، عندما قطعت الحكومة الاتحادية حصة الإقليم من الموازنة، التي كانت تبلغ 17%، على خلفية تصدير الإقليم النفط بصورة مستقلة عبر تركيا، من دون التنسيق مع شركة تسويق النفط العراقية "سومو".
ومنذ ذلك الحين، لم تعد الأزمة مقتصرة على حصة الإقليم من الإنفاق العام، بل امتدت إلى إدارة الموارد النفطية، وتسليم الإيرادات، ومستحقات الشركات الأجنبية، وتمويل رواتب الموظفين، وتحديد الإيرادات غير النفطية الواجب تحويلها إلى الخزينة الاتحادية.
وفي آذار/ مارس 2023، أدى قرار التحكيم الدولي المتعلق بصادرات النفط عبر تركيا إلى توقف التصدير من الإقليم، ما زاد تعقيد المفاوضات بشأن استئناف الصادرات وتسوية الالتزامات المالية بين الطرفين.
تراكم الأزمات
وفي هذا السياق، يرى عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي، جمال كوجر، أن استمرار الأزمة يعود إلى غياب الجدية في التوصل إلى حلول، فضلاً عن عدم الاحتكام بصورة كافية إلى الدستور والقوانين.
ويقول كوجر لوكالة شفق نيوز، إن جذور المشكلة تعود إلى مرحلة ما بعد عام 2003، عندما لم تُوضع أسس واضحة لتنظيم العلاقة المالية والإدارية بين الحكومة الاتحادية والإقليم، ما أدى إلى ترحيل الخلافات وتراكمها مع توسع الموارد وتغير القوانين.
ويضيف أن الخلافات الحالية ذات أبعاد سياسية وإدارية، وأن ترك الملفات للفنيين والإداريين بعيداً عن التدخلات السياسية والشخصية كان من الممكن أن يسهم في حلها.
ويشير كوجر إلى أن الاتفاقات التي تتوصل إليها الحكومتان لا تضمن بالضرورة إنهاء الخلاف، مستشهداً باتفاق عام 2023 الذي وُقّع بحضور رئيسي الوزراء ووزيري النفط والمسؤولين المعنيين، قبل أن يتعرض للتعطيل داخل مجلس النواب، بحسب قوله.
يُذكر أن بغداد وأربيل وقّعتا في 4 نيسان/ أبريل 2023 اتفاقاً مؤقتاً لاستئناف تصدير نفط الإقليم عبر تركيا، على أن تتولى شركة "سومو" تسويقه، وتُودع الإيرادات في حساب خاضع للتدقيق الاتحادي.
لكن الاتفاق لم يُنهِ الخلافات بشأن إدارة النفط والإيرادات ومستحقات الإقليم، رغم تضمين قانون الموازنة الثلاثية، الذي أُقر في 12 حزيران/ يونيو 2023، ترتيبات ذات صلة بهذه الملفات.
معادلة الحصة
ويبرز تحديد حصة الإقليم من الموازنة بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة للخلاف، في ظل التباين بشأن النسبة المعتمدة، وطريقة احتسابها، والاستقطاعات التي تسبق توزيع الأموال.
وفي هذا الجانب، يقول المحلل السياسي من أربيل، ياسين عزيز، إن الخلافات بشأن حصة الإقليم تعود بصورة واضحة إلى عام 2016، عندما اتجهت الحكومة الاتحادية برئاسة حيدر العبادي إلى ربط الحصة بمصطلحات وشروط مالية، من دون تثبيت آلية واضحة وشفافة تضمن استقرارها.
ويوضح عزيز لوكالة شفق نيوز، أن الجدل يتجدد مع كل مشروع موازنة، ولا سيما بشأن مدى توافق حصة الإقليم مع نسبة سكانه، مشيراً إلى أن تعداد العراق لعام 2024 حدد نسبة سكان الإقليم بنحو 14.14%، في حين تبلغ النسبة المطروحة في مشروع الموازنة، 12.70%.
ويرفض الإقليم هذه النسبة، معتبراً أنها لا تعكس استحقاقاته الفعلية، فيما يرى عزيز أن المبلغ الذي يصل إليه قد ينخفض إلى نحو 6.1% إذا احتُسبت الحصة بعد استبعاد النفقات السيادية والحاكمة.
وتتمحور إحدى نقاط الخلاف الرئيسية حول ما إذا كانت حصة الإقليم تُحتسب من إجمالي الإنفاق العام أم بعد استقطاع النفقات السيادية، فضلاً عن الخلاف بشأن اعتماد التخصيصات القانونية أو الإنفاق الفعلي معياراً للصرف.
ويؤدي اتساع النفقات المستقطعة قبل التوزيع إلى تقليص المبلغ النهائي الذي يحصل عليه الإقليم، حتى في حال ثبات النسبة المعلنة، الأمر الذي يجعل الخلاف متعلقاً بقاعدة الاحتساب بقدر تعلقه بنسبة الحصة نفسها.
النفط والإيرادات
ولا يقل الملف النفطي تعقيداً عن الموازنة، إذ تتباين المواقف بشأن كميات النفط التي ينبغي للإقليم تسليمها إلى "سومو"، وحجم الإنتاج الفعلي، والاستهلاك المحلي، وتكاليف الإنتاج والنقل، ومستحقات الشركات الأجنبية.
وبحسب عزيز، تطالب بغداد بتسليم 445 ألف برميل يومياً، في حين لا يتجاوز إنتاج الإقليم الحالي 265 ألف برميل يومياً، بما في ذلك نحو 50 ألف برميل يُستهلك محلياً.
ويلفت إلى أن الإقليم اقترح تسليم 300 ألف برميل يومياً، مقابل ضمان أمن الأجواء والمنشآت النفطية ومعالجة مستحقات الشركات المنتجة، أو اعتماد الإنتاج الفعلي أساساً لتحديد الكميات الواجب تسليمها.
كما يتابع قائلاً إن الخلاف يمتد إلى الإيرادات غير النفطية، بما يشمل الرسوم الجمركية والضرائب وإيرادات المنافذ الحدودية، في ظل مطالبات اتحادية بتسليم جزء منها إلى الخزينة العامة، مقابل دعوات من الإقليم إلى اعتماد أرقام واضحة ومراجعتها وفق حجم النشاط التجاري والإيرادات الفعلية.
ويؤكد عزيز أن الوفود الفنية تكثف تحركاتها بين بغداد وأربيل مع اقتراب طرح مشروع الموازنة أمام مجلس النواب، مشيراً إلى استعداد الإقليم لإبداء المرونة في بعض الملفات، شريطة ضمان مستحقاته وعدم تحويل حصته المالية إلى مادة للمناكفات السياسية.
الرواتب والتسويات
وفي موازاة الخلافات النفطية، أصبحت رواتب موظفي الإقليم إحدى أكثر القضايا إلحاحاً، مع ارتباط صرفها بتدقيق قوائم الموظفين، وتحديد الالتزامات المالية، وآليات التوطين المصرفي.
وكانت المحكمة الاتحادية العليا قد أصدرت، في 21 شباط/ فبراير 2024، قراراً يتعلق بتوطين رواتب موظفي الإقليم وفق الآلية المحددة فيه، وتمويلها من حصة الإقليم، مع عدم اللجوء إلى القروض لتمويلها.
لكن انتظام دفع الرواتب يتطلب، إلى جانب القرارات القضائية، آلية تنفيذ مستقرة وبيانات دقيقة ومتفقاً عليها، بما يمنع تحول الاستحقاقات الشهرية إلى أداة ضغط في الخلافات بين الحكومتين.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير المالي، ضياء محسن، أن الأزمة أعمق من الخلاف على نسبة حصة الإقليم، لأنها تتعلق بقواعد إدارة الإيرادات وتوزيعها، وحدود الصلاحيات، وضمان تنفيذ الالتزامات المتبادلة.
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يعتبر أن الوفود الفنية قد تنجح في معالجة دفعة مالية أو تدقيق قوائم الرواتب، لكنها لا تستطيع إنهاء الأزمة ما لم تُعتمد تسوية مؤسسية ملزمة لا يُعاد التفاوض بشأنها كل شهر.
ويضيف أن بعض الملفات المطروحة على اللجان الفنية يتجاوز اختصاصها، إذ يمكن للخبراء تدقيق الإنتاج النفطي وكشوف الرواتب، لكن حسم الصلاحيات وتعريف النفقات المستبعدة ومعالجة إخلال أحد الطرفين يتطلب قرارات سياسية وقانونية واضحة.
ويشير محسن إلى أن استمرار غياب القرارات الملزمة يحول اللجان المشتركة إلى وسيلة لإدارة الأزمة وتأجيلها، بدلاً من معالجة أسبابها الأساسية.
حلول جذرية
ويقترح محسن تثبيت معادلة قانونية لتوزيع الموازنة، تحدد النسبة المعتمدة ووعاء احتسابها والنفقات المستبعدة، مع تطبيق معايير قابلة للمقارنة بين الإقليم والمحافظات العراقية.
كما يدعو إلى استكمال الإطار التشريعي المنظم للنفط والغاز وتقاسم الإيرادات، وتحديد صلاحيات الإدارة والتعاقد والتسويق، وتسوية مستحقات الشركات النفطية بما ينسجم مع الدستور والأحكام القضائية النافذة.
ويشدد على ضرورة إنشاء نظام حسابات مشترك قابل للتدقيق، يربط بيانات الإنتاج والتصدير والإيرادات النفطية وغير النفطية والتحويلات المالية، مع نشر تسويات دورية معتمدة من الطرفين.
ومن بين المقترحات أيضاً ضمان تمويل الرواتب المدققة وفق جدول زمني ثابت، وإجراء المقاصة بين المطالبات المالية للحكومتين ضمن إطار قانوني واضح، إلى جانب وضع آلية ملزمة لفض النزاعات تحدد مواعيد التدقيق والاعتراض والتسوية والجهة المختصة بحسم الخلافات.