شفق نيوز- بغداد

عند بلوغ الطفل عامه الثاني، تبدأ رحلة البحث عن روضة مناسبة توفر بيئة آمنة تجمع بين الرعاية والتعليم والترفيه، وتُبعد الأطفال عن الشاشات والأجهزة الإلكترونية، وتسهم في تنمية مهاراتهم وقدراتهم.

وفي ظل تعدد الخيارات، تواجه الأسر تحدياً آخر يتمثل في ارتفاع الأجور، إذ لا تقل رسوم العديد من رياض الأطفال في مناطق جانب الكرخ عن 200 ألف دينار شهرياً للروضات متوسطة الخدمات، من دون احتساب أجور النقل التي تبدأ من 75 ألف دينار للطفل الواحد، وقد تصل إلى 150 ألف دينار بحسب بُعد المنطقة ونوع وسيلة النقل.

وخلال لقاءات مع عدد من العائلات في جانبي الكرخ والرصافة، برزت شكوى مشتركة تتمثل بارتفاع أجور الروضات مقارنة بمستوى الخدمات والمرافق التي تقدمها، ما يجعل اختيار الروضة المناسبة عبئاً إضافياً على ميزانية الأسرة العراقية، حتى إن اشتراك بعض الروضات يصل إلى 550 ألف دينار شهرياً.

وتُعد رياض الأطفال وسيلة مهمة لتعليم الأطفال من عمر سنتين فما فوق في الروضات الأهلية، إلى جانب تهذيبهم ورعايتهم، بوصفها مرحلة أساسية لتهيئتهم للدراسة في المدارس الابتدائية، فيما تستقبل رياض الأطفال الحكومية الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربع وست سنوات.

وتجد العائلات البغدادية في رياض الأطفال فرصة لإكساب أطفالها المهارات والخبرات وتكوين الصداقات، كما يرى الأبوان العاملان في القطاعين العام والخاص أنها توفر مكاناً آمناً لأطفالهم خلال ساعات الدوام.

أجور عالية

وتشهد أجور رياض الأطفال تفاوتاً كبيراً بين جانبي الكرخ والرصافة، إذ تبدأ الاشتراكات الشهرية في بعض روضات الرصافة من 50 ألف دينار، بينما ترتفع إلى أضعاف هذا المبلغ في عدد من روضات الكرخ، فضلاً عن أجور النقل والزي المدرسي الذي تفرضه بعض الروضات، الأمر الذي يرهق ميزانية الأسرة، وقد يحول دون قدرة بعض العائلات على تسجيل أطفالها، إذ يصل مجموع الاشتراك الشهري مع النقل والطعام إلى أكثر من 600 ألف دينار.

وتؤكد والدة الطفلة نور علي، لوكالة شفق نيوز، أن إدارة إحدى الرياض الأهلية أوهمتها بأن الأجور الشهرية للطفل الواحد تبلغ 200 ألف دينار فقط، وبما أن لديها طفلين، فإنها توقعت أن تدفع 400 ألف دينار شهرياً.

وتضيف أنها أصبحت تدفع أكثر من 800 ألف دينار شهرياً، بسبب مشاركات طفليها في المناسبات والاحتفالات التي تفرضها إدارة الروضة على أولياء الأمور، مشيرة إلى أن الطفل يُحرم من الدوام في يوم السفرة أو المناسبة، أو يُستبعد من النشاط إذا لم يتم دفع تلك المبالغ.

وتلفت إلى أن الروضة تفرض مبالغ إضافية، من بينها أجور المنهج الدراسي والزي المدرسي الذي يجب شراؤه من إدارة الروضة نفسها بسعر 250 ألف دينار للزي الواحد، فضلاً عن أجور الاشتراك والنقل.

وتشكل هذه الأسعار المرتفعة، إلى جانب الفعاليات الأخرى التي تفرضها بعض رياض الأطفال، عبئاً كبيراً على العائلات، إلا أن كثيراً منها لا يجد بداً من الالتزام بما تطلبه إدارات الروضات.

فيما تقول الموظفة سارة حسن، إنها تضطر إلى تسجيل طفلها الوحيد في إحدى الروضات القريبة، لأن دوامها في الدائرة الحكومية يبدأ عند الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وهو التوقيت ذاته الذي يلتزم به زوجها الموظف في إحدى دوائر الدولة، فيما يقيم أهلها وأهل زوجها في مناطق بعيدة، ولا يمكنهما ترك الطفل بمفرده في المنزل.

وفي حديث لوكالة شفق نيوز، توضح سارة، أنها تدفع راتبها كله تقريباً لتغطية أجور الاشتراك الشهري، والنقل، والطعام، والفعاليات التي تفرضها إدارة الروضة بشكل متواصل، من دون وجود هدف حقيقي وراءها سوى الحصول على مزيد من الأموال.

وتبين أن الزي الذي تبيعه إدارة الروضة للأطفال بسعر 100 ألف دينار، لا يتجاوز ثمنه 50 ألف دينار في الأسواق، إلا أن الإدارة ترفض أي زي يتم شراؤه من خارج الروضة، حتى وإن كان مطابقاً للمواصفات.

تفاوت كبير في الأسعار

وفي المقابل، يرى بعض أولياء الأمور أن عدداً من رياض الأطفال الواقعة في المناطق الراقية من العاصمة بغداد تقدم مناهج جيدة، يتعلم فيها الطفل كتابة الحروف ولفظها، إلى جانب أساسيات اللغتين الإنجليزية والفرنسية وبعض المهارات الفنية، بما يسهم في بناء شخصية الطفل وتنمية سلوكه.

ويتحدث المواطن عبد الرضا حميد، لوكالة شفق نيوز، قائلاً إنه سجل طفله البالغ من العمر عامين في إحدى رياض الأطفال بمنطقة المنصور، مؤكداً أنه بعد عام واحد اكتسب الطفل مهارات ملحوظة، من بينها نطق الحروف وكتابتها بشكل صحيح، إضافة إلى ترديد كلمات باللغة الإنجليزية والفرنسية، فضلاً عن تحسن سلوكه، ومنها عدم رمي النفايات إلا في الأماكن المخصصة لها.

ويشير إلى أن الروضة توفر لطفله سيارة نقل مكيفة، فضلاً عن وجبتي إفطار وغداء متنوعتين، لافتاً إلى أن المبلغ الذي يدفعه، رغم ارتفاعه، يسد فراغاً كبيراً في حياة الطفل، ويسهم في تنمية شخصيته، بالتوازي مع دور الأسرة في المنزل.

وعلى النقيض من ذلك، يرى بعض أولياء الأمور أن عدداً من رياض الأطفال في المناطق الشعبية لا تقدم إضافة حقيقية للأطفال، سوى قضاء الوقت خارج المنزل.

حيث تقول المواطنة دريا صادق، من منطقة الزعفرانية، إن طفلتها البالغة من العمر سنتين لم تتعلم شيئاً طوال عام كامل من انتظامها في إحدى الروضات.

ووفقاً لحديث صادق، لوكالة شفق نيوز، فإن طفلتها لم تكتسب أي مهارات، بل عادت إلى المنزل بمفردات وتصرفات غير معتادة داخل الأسرة، مؤكدة أنها راجعت إدارة الروضة أكثر من مرة لمعرفة الأسباب، إلا أن ذلك لم يسفر عن أي نتيجة.

كما توضح أنها وجدت الحل في ترك طفلتها لدى جارتها، وهي معلمة لم تُعيَّن في وظيفة حكومية، مقابل مبلغ شهري مناسب، لرعاية الطفلة حتى عودتها من الدوام، مشيرة إلى أن سلوك طفلتها تحسن بشكل ملحوظ، وتعلمت هجاء الحروف، واختفت المفردات غير اللائقة التي كانت قد اكتسبتها في الروضة.

الدور الحكومي مفقود

وبين ارتفاع أجور رياض الأطفال ذات المستوى الجيد، وضعف الخدمات التي تقدمها بعض الروضات منخفضة الكلفة، يرى كثيرون أن الحل يكمن في رياض الأطفال الحكومية، إلا أن ذلك يصطدم بعدة عقبات.

ويقول المواطن عماد سعيد، وهو أب لطفلين، إن رياض الأطفال الحكومية محدودة العدد، ولا تتناسب مع الكثافة السكانية، إذ توجد في بعض المناطق روضة حكومية واحدة فقط تخدم ثلاث مناطق.

ويضيف سعيد، لوكالة شفق نيوز، أن رياض الأطفال الحكومية لا تستقبل الأطفال الذين تقل أعمارهم عن أربع سنوات، كما ينتهي الدوام فيها عند الساعة الواحدة ظهراً، بينما ينتهي دوام الموظفين في الدوائر الحكومية بعد الساعة الثانية ظهراً، وهو ما يسبب إرباكاً للأبوين إذا كانا موظفين.

ويتابع قائلاً إن رياض الأطفال الحكومية تتمتع، أسوة بالمدارس، بعطلة صيفية تمتد أربعة أشهر، وهو ما لا يتناسب مع ظروف الموظفين.

وبحسب سعيد، فإن هذه الأسباب تدفع معظم الموظفين إلى تسجيل أطفالهم في رياض الأطفال الأهلية، لما توفره من تعليم ورعاية وأنشطة تمتد طوال العام.

لا وجود للرقابة

وتحول الاشتراكات المرتفعة في رياض الأطفال الجيدة دون قدرة كثير من العائلات على تسجيل أطفالها، ما يدفع عدداً من الأمهات إلى الحصول على إجازة طويلة لرعاية أطفالهن.

وتقول الموظفة ربى أحمد، في حديثها لوكالة شفق نيوز، إن الاشتراك الشهري مع النقل والطعام في إحدى الرياض الجيدة يكلفها أكثر من راتبها.

وتؤكد: "ليس بوسعي تسجيل طفلي في روضة بمنطقة شعبية قد تؤثر سلباً في مستواه، كما لا تتوفر روضة حكومية قريبة من محل سكني".

وتشير إلى أنها قررت الحصول على إجازة لمدة خمس سنوات، براتب اسمي فقط، للتفرغ لرعاية طفلها وتربيته، تجنباً للاستنزاف المالي.

وكانت وزارة التربية قد حددت أجور رياض الأطفال الحكومية بمبلغ 50 ألف دينار تُدفع مرة واحدة عند التسجيل، إضافة إلى اشتراك شهري قدره 25 ألف دينار لكل طفل في الحضانة، فيما لم تحدد أجور الاشتراك في رياض الأطفال الأهلية.

وقال المتحدث باسم وزارة التربية كريم السيد، لوكالة شفق نيوز، إن الوزارة لم تحدد أجور رياض الأطفال الأهلية لأن ذلك يقع خارج مسؤوليتها، مشيراً إلى أن الأجور تختلف من مكان إلى آخر.

ويختم حديثه بالقول إن "وزارة التربية تركت لأولياء الأمور حرية اختيار رياض الأطفال المناسبة لأبنائهم".