شفق نيوز- بغداد

في مدينة اعتادت أن تخبئ وجعها خلف الضجيج، ولدت روناك سوزة الفيلي وفتحت عينيها على بغداد كما يعرفها أطفال الأحياء القديمة، درابين ضيقة، لعب بسيط، افلام كارتون، وبرامج أطفال تشبه فسحة مؤقتة من عالم أكبر لم تكن قد فهمت قسوته بعد.

في شارع الكفاح، حيث تبدأ الحكايات الصغيرة عادة من تفاصيل عادية جداً، بدأت طفولة روناك كذلك. لم يكن هناك ما يميزها كثيراً عن بقية الأطفال في سنواتها الأولى. كانت الحياة تمضي بعفويتها المعتادة، قبل أن تأتي الصدمة التي ستغيّر شكل العالم في عينيها إلى الأبد.

في عام 2007، أودى انفجار في منطقة الصدرية في بغداد بحياة والدها، ومنذ تلك اللحظة، كما تقول، لم تعد الطفلة نفسها: "جعل مني استشهاد والدي شخصية أكثر ثورية" تقول روناك.

لكن تلك الفاجعة لم تكن الأولى في سجل العائلة. فقبلها بسنوات، كانت عائلتها قد دفعت ثمناً باهظاً خلال حقبة النظام السابق، بين القتل والسجن والتشريد والتسفير القسري. بالنسبة لها، لم تكن القضية الفيلية مفهوماً نظرياً أو عنواناً سياسياً يرفع في المناسبات، بل كانت شيئاً عاشته العائلة على أجسادها وذاكرتها وغياباتها المفتوحة.

وتقول في حديثها لشفق نيوز إن أعداداً كبيرة من أفراد عائلتها وأقاربها "قضوا في السجون والمقابر الجماعية ولم نعثر على جثثهم حتى الآن"، مضيفة أن عائلتها تعرضت، بسبب قوميتها، إلى "أشد أنواع التعذيب والتنكيل".

هذا التاريخ الثقيل لم يبق في الماضي تماماً. فقد تسرب إلى حياتها اليومية، إلى المدرسة، إلى اللغة التي يستخدمها الآخرون، إلى النظرة التي قد تبدو عابرة لكنها تترك في نفس الطفل أثراً لا يمحى.

تلفت روناك إلى أنها عاشت معاناة كبيرة بسبب التمييز العنصري خلال سنوات الدراسة، في وقت كان فيه النظام السابق يروّج خطاباً معادياً ضد الشريحة الفيلية. وتقول إن المشكلة لم تنته تماماً بسقوط النظام، لأن أثر تلك الحقبة، بحسب تعبيرها، بقي ممتداً في عقلية بعض فئات المجتمع.

وتضيف أن وعيها بالقضية الفيلية تشكل في سن مبكرة جداً، وتحديداً منذ الصف الثاني الابتدائي، حين سألتها معلمتها ذات مرة عن قوميتها. يومها، لم تجب. عادت إلى البيت خائفة، مدفوعة بما كان يحيط باسم "الفيليين" من خوف وتهديد في الذاكرة العراقية، خصوصاً أن تلك الهوية كانت في زمن سابق قد تتحول إلى سبب للتسفير أو الإقصاء.

تروي روناك أن والدتها كانت تحذرها من كشف هويتها الفيلية بدافع الخوف، لكن والدها كان يقول لها شيئاً آخر تماماً. كان يدفعها إلى الثبات، إلى ألا تنكر نفسها، وأن تقول بشجاعة إنها كوردية فيلية.

ولعل ما يضفي بعداً رمزياً على الحكاية أن اسم "روناك" في الكوردية يعني النور والإشراق، كأن الاسم نفسه كان تمهيداً لمسار اختارت فيه أن تواجه العتمة بالكلمة والصوت.

المشهد الذي بقي محفوراً في ذاكرتها لم يكن سؤال المعلمة فقط، بل ما تلاه. حين ذكرت قوميتها أخيراً، سخرت منها المعلمة، ثم تحول الأمر إلى مادة للسخرية بين بعض التلاميذ. بالنسبة لطفلة لم تكن قد تجاوزت العاشرة، كان ذلك كافياً ليترك جرحاً نفسياً عميقاً.

لكن داخل البيت، كانت هناك رواية أخرى للهوية. تقول إن والدها وجدها كانا يرددان عليها دائماً: "لا تخجلي من قوميتنا ومذهبنا".

مع الوقت، لم تعد الفيلية بالنسبة لروناك مجرد انتماء عائلي أو توصيف اجتماعي، بل تحولت إلى فكرة إنسانية عميقة، وإلى وعي متراكم تشكّل مع النضج والتعليم والتجربة الشخصية. ومن هنا، بدا الإعلام بالنسبة لها أكثر من مهنة. كان منفذاً للكلام الذي تأخر، ومساحة لإعلان الهوية من دون خوف، وسلاحاً في مواجهة التنمر والنسيان.

وجدت روناك في الإعلام رسالة واضحة. تقول إنها استطاعت من خلاله أن تعبّر عن قوميتها بصراحة، وأن توظف حضورها المهني ومنصات التواصل الاجتماعي لخدمة قضايا إنسانية واجتماعية وسياسية، ضمن ما تصفه بمبادئ وقيم أخلاقية تؤمن بها.

وتؤكد أن ظهور اسمها في الإعلام وعلى المنصات الرقمية حمّلها مسؤولية أكبر، لأنها لا تتحدث فقط عن قضايا البلد على المستوى الاجتماعي والسياسي، بل تحمل أيضاً همّ شريحتها الفيلية، وتسعى إلى تسليط الضوء على عطائه وتضحياته.

وتضيف أنها تعتز بالمحتوى الإعلامي الهادف الذي تقدمه، مشيرة إلى أنها خصصت في العام الماضي حلقة كاملة عن شهداء الكورد الفيلية، وقد حققت تفاعلاً واسعاً. وتقول إنها حاولت من خلال تلك الحلقة أن تلفت نظر المتابعين وأصحاب القرار إلى حجم المعاناة التي تعرض لها الفيليون، وهي معاناة ترى أنها لم تنته حتى الآن.

ورغم هذا الحضور، تعتقد روناك أن الشريحة الكوردية الفيلية ما تزال بحاجة إلى أكثر من مجرد تعاطف عابر أو استذكار موسمي. فبحسب رأيها، تحتاج هذه الشريحة إلى تمثيل سياسي قوي، وإلى شخصيات ثقافية تتسم بالحزم وتحمل القضية بصدق، بعيداً عن المتاجرة أو الاستثمار الخطابي.

وترى أن مقعداً واحداً في مجلس النواب لا ينسجم مع حجم التضحيات التي قدمها الفيليون، ولا مع مكانتهم التاريخية في العراق. وتقول إن التمثيل السياسي الحقيقي يمكن أن يسهم أيضاً في جذب اهتمام وسائل الإعلام إلى القضية الفيلية، بوصفها قضية عدالة وهوية وذاكرة وطنية، لا مجرد ملف خاص بمكون محدد.

ولا تقف رؤيتها عند التمثيل النيابي. فهي تتحدث أيضاً عن الحاجة إلى بنية إعلامية وثقافية أوسع، تشمل قنوات فضائية ومنصات رقمية ناطقة بالعربية، تطرح قضايا الفيليين من خلال برامج حوارية وأفلام وثائقية قادرة على مخاطبة ضمير المجتمع، إلى جانب إنشاء منتديات ثقافية تستقطب شخصيات نخبوية وتعيد فتح النقاش العام حول هذه القضية.

وإلى جانب عملها الإعلامي، تمتلك روناك صوتاً غنائياً رافقها منذ الطفولة، ووجد هو الآخر طريقه إلى القضية نفسها. فبالنسبة لها، لم يكن الفن منفصلاً عن الوجع العام، بل امتداداً آخر له. في عام 2015، قدمت أول عمل غنائي بصوتها خلال حفل تأبيني لشهداء الكورد الفيليين، بحضور شخصيات سياسية وجمهور كبير.

وتقول إن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يولد من رحم الواقع والتجربة، ويحاكي أوجاع الناس وهمومهم، ولهذا فإن صوتها، كما تصفه، انطلق من صميم هذا الواقع المؤلم. فالفن، في نظرها، واحد من أجمل أشكال التعبير وأكثرها قدرة على الوصول إلى وجدان الناس.

وتؤكد أنها تعتز بهذه الموهبة، وتتخذ منها شكلاً تعبيرياً يترجم انتماءها بصدق وثورية.

غير أن أكثر ما بقي عالقاً في ذهنها، وربما أكثر ما يفسر هذا الإصرار كله، هو جملة قالها لها جدها ذات يوم. لم تكن مجرد نصيحة عائلية، بل بدت كوصية مختصرة تحمل تاريخاً كاملاً من الخسارات والصمود: "لا تخجلي من قوميتك لأننا دفعنا ثمنها غالياً".

من تلك العبارة، كما يبدو، صاغت روناك كثيراً من خياراتها. بين الإعلام والفن والذاكرة الشخصية، تحاول أن تجعل من صوتها مساحة للدفاع عن هوية لم تكن يوماً تفصيلاً هامشياً في حياتها، بل جوهر الحكاية كلها.

وفي ختام حديثها، توجه روناك رسالة إلى أبناء جلدتها، ولا سيما الشباب الفيليين، تدعوهم فيها إلى وعي هويتهم والاعتزاز بها، وعدم السماح للخوف أو التهميش أو التنمر بأن يسرق منهم حقهم في الانتماء.