شفق نيوز- بغداد
يواجه الشارع العراقي مفارقة حادة؛ حيث تصطدم إجراءات السلامة المرورية الرامية للحد من نزيف الأرواح، بالواقع الاقتصادي المتردي للمواطنين، مما يضع المنظومة برمتها أمام مأزق متعدد الأبعاد.
وبينما تكشف بيانات رسمية عن تحصيل مبالغ مليارية من الغرامات خلال عام واحد، يتصاعد الجدل التشريعي داخل البرلمان العراقي حول جدوى قانون المرور رقم (8) لسنة 2019 خاصة في ظل البنية التحتية المتهالكة.
إيرادات مليارية
وتظهر البيانات الرقمية فجوة عميقة بين دخل الفرد العراقي ومنظومة العقوبات المرورية، إذ بحسب إحصائية رسمية، بلغ إجمالي الغرامات المرورية لعام 2025 نحو 161.9 مليار دينار عراقي، ناتجة عن 3.88 مليون مخالفة، منها 1.1 مليون مخالفة رُصدت عبر الكاميرات الذكية، بحسب ما كشفه النائب محمد الخفاجي في منشور على صفحته في موقع فيسبوك.
وفي أحد أحياء بغداد، يختصر أبو علي، وهو سائق سيارة خاصة، هذا الواقع بالقول: "نبدأ يومنا بالبحث عن لقمة العيش، لكن الغرامات أصبحت شريكاً في الراتب، تفاجأت بمخالفة وقوف غير صحيح في تقاطع مزدحم، والجدال مع رجل المرور لا يغير شيئاً".
ويضيف أبو علي لوكالة شفق نيوز: "تراكمت المبالغ حتى أصبحت تفوق قدرتي على الصيانة والوقود، وبعضها يتضاعف دون علمنا بسبب تأخر الإشعارات".
وأكد هذا المشهد النائب جواد الساعدي، مبيناً في تصريح صحفي أن "بعض الغرامات تصل إلى 200 ألف دينار، وهو مبلغ يفوق القدرة المالية لشريحة واسعة، خاصة وأن بعض سائقي الأجرة باتت ديونهم المرورية تتجاوز القيمة السوقية لمركباتهم".
الموقف الرسمي
من جانبها، تدافع مديرية المرور العامة عن إجراءاتها بوصفها تنفيذاً لنصوص تشريعية لا تملك صلاحية تغييرها، حيث يوضح مدير شعبة الإعلام في المديرية العقيد حيدر شاكر، أن العمل بالقانون رقم 8 لسنة 2019 قلل الاحتكاك بين رجل المرور والسائق.
ويضيف شاكر لوكالة شفق نيوز، أن "المادة 25 حددت الغرامات بـ 50، 100، و200 ألف دينار عراقي حسب جسامة المخالفة، مثل السير عكس الاتجاه".
ويبين أن "القانون يمنح تخفيضاً بنسبة 50% إذا سُددت خلال 72 ساعة، لكنها تضاعف لمرة واحدة بعد 30 يوماً"، مشدداً على أن "الغاية ليست التحصيل المادي بل الردع، حيث أسهمت البرامج التثقيفية في خفض نسبة المخالفات من 5% إلى 2%".
الخسائر البشرية
ورغم انخفاض الوفيات بنسبة 10% في عام 2024 وفقاً لبيان لوزارة التخطيط في 4 حزيران/ يونيو 2025، إلا أن العراق لا يزال يحتل المرتبة 32 عالمياً في وفيات الطرق.
وتكشف بيانات ميدانية عن واقع مأساوي في المحافظات، حيث سجلت ديالى أكثر من 6 آلاف حادث منذ بداية 2025، تركزت في طريق بغداد - كوردستان الدولي، فيما استقبل مستشفى الناصرية التعليمي في محافظة ذي قار ما يزيد عن 5500 إصابة ناتجة عن حوادث مرورية خلال عام 2025.
ويعزو خبراء المرور 85% من الحوادث إلى سلوك السائق، بينما تتقاسم رداءة الطرق وغياب الإنارة النسبة المتبقية.
وعلى المستوى التشريعي، كشف مدير المرور العام الفريق عدي سمير في تصريح صحفي عن تقديم مقترح تعديل القانون، لكنه بقي قيد المناقشة لأكثر من عام ونصف دون تصويت.
وفي هذا الصدد، يقول عضو لجنة النقل والاتصالات النيابية علي خالص لوكالة شفق نيوز: "ندافع عن رفاهية المواطن وسلامته معاً، لكن مبالغ الغرامات يجب أن تُحدد وفق أسس صحيحة ودراسة دقيقة لكل سرعة، بحيث لا تشكل عبئاً مادياً".
وعن التعديلات المرتقبة، تشير المعطيات الحالية إلى أن البرلمان يتجه نحو تعديل يشمل إعادة النظر في قيم الغرامات وإلغاء "المضاعفة" التلقائية، واعتماد نظام تقسيط مرن للغرامات المتراكمة، والسماح بتظليل السيارات بكلفة رمزية لجميع المواطنين "أسوة بالمسؤولين".