شفق نيوز- بغداد/ واشنطن

يحذر خبراء اقتصاديون في العراق من دخول المنطقة مرحلة خطيرة من "حرب الطاقة"، خاصة مع المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لطهران لإعادة فتح مضيق هرمز وبخلافه سيضرب البنى التحتية للطاقة في إيران، متوقعين أن تكون الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مسار الصراع.

وعلى الرغم من تمديد ترمب للمهلة لخمسة أيام إضافية، بعد أن كان من المفترض أن تنتهي فجر يوم غد الثلاثاء، إلا أن هذا التمديد لا يغير شيئاً من طبيعة المخاطر التي تهدد العراق.

ويؤكد الخبراء أن تلويح إيران بالرد بالمثل واستهداف البنى التحتية للطاقة في المنطقة، ينذر بارتفاع حاد في الأسعار وتهديد مباشر للاقتصاد العالمي، في ظل حساسية الأسواق لأي اضطراب في الإمدادات.

كما تحذر القراءات الاقتصادية من أن الخطر لا يقتصر على صعود أسعار النفط فقط، بل يمتد إلى حالة عدم استقرار واسعة في الأسواق العالمية، مع ارتفاع كلف النقل والتأمين واحتمالات تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي إذا طال أمد الأزمة.

أما على الصعيد المحلي في العراق، فإن المخاوف تتركز على التداعيات المباشرة للأزمة، نتيجة اعتماد جزء كبير من إمدادات الطاقة على المصادر الخارجية، ما قد يفضي إلى نقص في الكهرباء وشح في المشتقات النفطية.

حرب الطاقة

وتسببت الحرب التي اندلعت في 28 شباط/ فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في شلل شبه تام لحركة العبور في مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره نحو 4.5% من إجمالي التجارة العالمية السنوية، ما أدى إلى تراجع الملاحة إلى مستويات ضئيلة للغاية.

ولإعادة جريان هذه الملاحة الحيوية، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدوينة على شبكة التواصل الاجتماعي "تروث سوشيال" مساء أول أمس السبت 21 آذار/ مارس 2026، منح فيها إيران مهلة 48 ساعة لإعادة فتح مضيق هرمز، وإلا فإن الولايات المتحدة ستدمر محطات الطاقة الإيرانية.

وجاءت هذه التدوينة عند الساعة 7:44 مساءً بتوقيت واشنطن، وبحسب هذا التوقيت، فإن المهلة البالغة 48 ساعة تنتهي عند الساعة 7:44 مساءً من اليوم الاثنين 23 آذار/ مارس 2026، أما بالنسبة للعراق، فإن هذا الموعد يعادل الساعة 2:44 فجر يوم غد الثلاثاء 24 آذار/مارس 2026 بتوقيت بغداد.

وذلك قبل أن يعود ترمب ويعلن عن تمديد المهلة لخمسة أيام إضافية، حيث كتب في منصته "تروث سوشيال" اليوم الاثنين، قائلاً: "أصدرت تعليماتي لوزارة ‌الحرب بتأجيل جميع الضربات العسكرية ضد ​محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة في إيران ​لمدة خمسة أيام، والأمر يتوقف على نجاح الاجتماعات والمناقشات الجارية".

وأضاف أن هذه المحادثات سوف "تستمر أسبوعاً كاملاً".

في المقابل رد نائب الرئيس الإيراني، محمد عارف، بتهديد من جهته: "سيتم قطع الكهرباء عن مناطق عديدة في الإقليم إذا قصف ترمب محطات الطاقة الإيرانية. لنا الحق في الدفاع عن أنفسنا وعن بلدنا، ونحن من سيحدد متى وكيف ستنتهي هذه الحرب".

من جهتها، قالت قيادة العمليات العسكرية الإيرانية في "مقر خاتم الأنبياء"، في بيان بثه التلفزيون الرسمي: "إذا نفذت تهديدات الولايات المتحدة بشأن محطات الطاقة الإيرانية، فسيتم إغلاق مضيق هرمز بالكامل، ولن يُعاد فتحه حتى تُعاد بناء محطات الطاقة المدمرة".

تهديد متبادل

وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي من واشنطن، كاتو سعد الله، إن "الرئيس ترمب أعلن صراحة أنه سيقوم بضرب البنى التحتية للطاقة في إيران، ومنح مهلة محددة في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز".

ويضيف سعد الله لوكالة شفق نيوز، أن "إيران بدورها لم تقف مكتوفة الأيدي، بل هددت بضرب جميع البنى التحتية للطاقة في دول المنطقة، خصوصاً في الخليج"، ما يضع المنطقة أمام وضع خطير يقوم على "الضرب مقابل الضرب" في أكثر القطاعات حساسية.

ويرى أن "المرحلة المقبلة ستكون حاسمة جداً، ومن الصعب أن توافق إيران بسهولة على فتح المضيق تحت الضغط"، محذراً من أن أي استهداف مباشر لمنشآت الطاقة "سيدفع الأسواق العالمية إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي".

وهذا التحليل يتطابق مع المعطيات الميدانية، حيث تشير التقارير إلى أن ترمب يسعى لجعل إغلاق هرمز "غير محتمل اقتصادياً وسياسياً" لطهران عبر استهداف محطات التوليد الكبرى مثل (دماوند، وكرمان، ورامين)، وهي استراتيجية تهدف لشل المفاعلات والمضخات ومراكز القيادة دون تدمير حقول النفط ذاتها، لتجنب ضرر دائم بمدخرات الطاقة العالمية.

وفي خضم هذه الأزمة، يبرز مضيق هرمز باعتباره الورقة الأكثر حساسية في الصراع، فالمضيق لا يمثل مجرد ممر بحري، بل شرياناً حيوياً يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية.

تبعات اقتصادية

بدوره، يشرح أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، أن "الحديث عن حرب طاقة لا يرتبط بأسعار النفط فقط، بل بأمن الإمدادات العالمية"، مؤكداً أن "أي تهديد للمضيق يعني صدمة فورية في الأسواق".

ويضيف السعدي لوكالة شفق نيوز، أن التأثير لا يتوقف عند الارتفاع السريع للأسعار، بل يمتد إلى "دخول السوق في حالة عدم استقرار، ما يرفع كلف النقل والتأمين ويؤثر على النمو الاقتصادي العالمي".

وقد بدأت بالفعل ملامح هذا الاضطراب بالظهور، حيث ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، كما قفزت تكاليف الشحن والتأمين، في حين ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسب كبيرة، في مؤشر على حساسية السوق لأي تطور في الخليج.

وفي توصيف دقيق لحالة الأسواق، يرى محللون أن مهلة ترمب تمثل "قنبلة موقوتة"، إذ قال محلل الأسواق توني سيكامور إن هذا التهديد "يزيد الغموض في الأسواق، وقد يقود إلى سقوط حر في أسواق الأسهم وارتفاع حاد في أسعار النفط"، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز" للأنباء أمس الأحد.

ويحذر سيكامور من أن استهداف منشآت الطاقة في الخليج سيؤدي إلى "تعميق الأزمة وإطالة أمدها"، ما قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو مرحلة جديدة من التضخم والركود.

تعطيل الملاحة

وتعزز هذه المخاوف حقيقة أن بعض الهجمات أدت بالفعل إلى تعطيل جزئي لحركة الملاحة، رغم تأكيدات إيرانية بأن المضيق لا يزال مفتوحاً بشكل محدود عبر التنسيق.

وتحاول إيران استخدام ورقة المضيق كأداة ضغط إستراتيجية، فقد أعلنت تقييد الملاحة، مهددة باستهداف السفن التي لا تنسق معها، وفي الوقت نفسه، توعدت بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت الطاقة والمياه في دول الخليج، إذا ما تعرضت بنيتها التحتية لهجمات.

ويضع هذا التصعيد العالم أمام مشهد معقد، فإغلاق المضيق أو حتى تهديده لا يؤثر على الولايات المتحدة فقط، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، ما قد يدفع قوى دولية للتدخل، وإن كان ذلك لا يزال حتى الآن في إطار التردد.

ورغم خطورة الموقف، تشير المعطيات إلى صعوبة تشكيل تحالف دولي واسع لحماية الملاحة في المضيق، فقد دعت واشنطن الدول المستفيدة من هذا الممر إلى تحمل مسؤولية حمايته، إلا أن الاستجابة جاءت محدودة.

ردود دولية

وفي هذا السياق، أعلنت بريطانيا على لسان وزير الإسكان ستيف ريد، أمس الأحد، أنها "لن تنجر إلى الحرب"، مع التأكيد على حماية مصالحها والعمل على خفض التصعيد.

كما أبدت دول أخرى تحفظها على الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة، ما يبرز قلق المجتمع الدولي من انزلاق الأزمة إلى مواجهة إقليمية شاملة.

وفي خضم هذه التطورات، يبرز العراق كأحد أكثر الدول تأثراً، رغم كونه دولة نفطية، فبحسب نوار السعدي، فإن "العراق لا يمكن اعتباره مستفيداً بشكل مطلق من ارتفاع الأسعار".

ويشرح السعدي أن الاقتصاد العراقي "هش ويعتمد بشكل كبير على النفط"، فضلاً عن اعتماده على إيران في استيراد الغاز والكهرباء، ما يجعله عرضة لأزمة طاقة داخلية في حال التصعيد.

والأخطر من ذلك، وفق السعدي، أن صادرات العراق تمر عبر الخليج، ما يعني أن أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز "يعطل التصدير ويرفع كلفه بشكل كبير"، وبالتالي يخسر العراق رغم ارتفاع الأسعار.

يذكر أن تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، تسبب في تراجع إنتاج النفط العراقي بشكل حاد من 4.3 ملايين برميل يومياً إلى 1.3 مليون برميل يومياً.

وأدى هذا الانخفاض إلى هبوط الصادرات العراقية إلى أقل من 800 ألف برميل يومياً، وخسارة 128 مليون دولار يومياً بعد توقف إنتاج النفط، بحسب مرصد "إيكو عراق".

إجراءات احترازية

من جهته، يحذر الخبير الاقتصادي صفوان قصي، من أن استهداف منشآت الكهرباء في إيران قد يؤدي إلى "انهيار منظومة الطاقة هناك"، وهو ما سينعكس مباشرة على العراق.

ويشير قصي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "ثلث إمدادات الطاقة في العراق ترتبط بإيران"، ما يعني أن أي انقطاع سيخلق أزمة كبيرة، خاصة مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع الطلب.

كما يحذر من احتمال زيادة الطلب على المشتقات النفطية داخل العراق لتغذية السوق الإيرانية، ما قد يؤدي إلى شح في هذه المواد وارتفاع أسعارها محلياً.

ويقترح قصي مجموعة من الإجراءات لتفادي الأسوأ، أبرزها تكوين خزين استراتيجي من المشتقات النفطية، وتنويع الاستيراد من تركيا والأردن، وإنشاء منظومات توليد كهرباء محلية، ودعم المولدات الأهلية وتوفير الوقود لها.

كما يشدد على ضرورة توزيع الخزين الإستراتيجي في عدة مواقع لتفادي استهدافه، في ظل تصاعد المخاطر الأمنية، ويرى أن "العراق يجب أن يتوقع الأسوأ"، في ظل الغموض حول الجهات التي تستهدف منشآته.

ويختتم قصي رؤيته بتمني التهدئة عبر "مبادرة تقضي بالتريث في استهداف منشآت الطاقة الإيرانية مقابل فتح مضيق هرمز، على الأقل خلال فترة هدنة، لتجنب تحول المنطقة إلى بؤرة عجز عالمي في الطاقة، حيث قد ترتفع الأسعار وتتوقف الإمدادات من الشرق الأوسط تماماً".

وكان رئيس معهد السياسات العالمية وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة باي أتلانتيك الأميركية، البروفيسور باولو فون شيراك، قد أكد في وقت سابق اليوم الاثنين، أن ضرب مفاعل بوشهر النووي ليس حتمياً، ولا يُعد الخيار العسكري الأكثر ترجيحاً.

وقال شيراك، لوكالة شفق نيوز، إن "تحقيق الغرض العسكري يمكن أن يتم عبر استهداف محطات توليد الطاقة التقليدية أو عقد شبكة توزيع الكهرباء وخطوط النقل في إيران"، لافتاً إلى أن "هذا النوع من العمليات لن يؤدي إلى كارثة إشعاعية، لكنه قد يُلحق ضرراً واسعاً بالشعب الإيراني".

وأضاف أن هذا الطرح يضع الإدارة الأميركية أمام معضلة واضحة، إذ إن الهدف المعلن للرئيس دونالد ترمب هو استهداف "النظام" وليس "الشعب"، في حين أن ضرب البنية التحتية للكهرباء قد يؤثر بشكل مباشر على المدنيين، وهو ما قد يقيّد طبيعة الأهداف المحتملة.

وفي ما يتعلق بالمهلة التي حددها ترمب، أشار شيراك إلى صعوبة فهم مدى جدية المهلة التي تحدث عنها الرئيس الأميركي، في حال عدم فتح مضيق هرمز بالكامل، موضحاً أن مواقف ترمب اتسمت بالتقلب في هذه الأزمة وأزمات أخرى.

وأوضح أن تجربة الإدارة الأميركية مع المهل والإنذارات، بما في ذلك تلك التي وُجهت إلى للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن أوكرانيا، تجعل من الصعب تفسير هذه التصريحات بشكل دقيق، أو البناء عليها لتقدير طبيعة التحرك العسكري المحتمل.