شفق نيوز- بغداد
امتازت مناطق وسط وجنوب العراق بتربة طميية (أي رسوبية ناعمة خصبة) داكنة وغنية، تكونت بفعل الفيضانات المتكررة لنَهري دجلة والفرات، وجعلت المنطقة واحدة من أكثر مناطق العالم إنتاجاً للزراعة منذ الحضارات القديمة، والتي كان يسميها العرب القدامى بـ"أرض السواد".
لكن هذه الصورة التي صنعت هوية العراق الزراعية تواجه اليوم خطر التراجع، بعدما تحولت مساحات واسعة من البساتين والأراضي الزراعية إلى مناطق سكنية ومشاريع استثمارية. وأثارت هذه الظاهرة مخاوف حكومية وبرلمانية وبيئية من فقدان جزء كبير من الثروة الزراعية، وزيادة التصحر، وتراجع قدرة البلاد على تحقيق أمنها الغذائي.
زحف العمران
وخلال العقدين الأخيرين، شهد العراق، ولا سيما بغداد والمحافظات القريبة من المدن، عمليات واسعة لتجريف الأراضي الزراعية وتحويلها إلى استخدامات غير زراعية، وسط تصاعد الطلب على السكن وارتفاع أسعار العقارات داخل المدن.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الزراعي، خطاب الضامن، لوكالة شفق نيوز، إن "هذه التجاوزات أدت إلى تحويل مئات الآلاف من الدونمات الصالحة للزراعة والخصبة والقريبة من مصادر المياه إلى مناطق سكنية".
وبحسب الخبير، فإن ذلك "تسبب في تقليص المساحات المزروعة، خصوصاً المحاصيل ذات الطلب العالي في السوق العراقية، مثل الخضروات والطماطم والبطاطا وغيرها من المحاصيل الأساسية".
ويكمل قائلاً: "كلما استمرت عمليات التجريف، انخفض الإنتاج الزراعي، واتجه العراق إلى تعويض النقص من خلال الاستيراد من الخارج، وهذا يؤدي إلى استنزاف العملة الصعبة بدل توجيهها إلى الإنتاج المحلي".
كما يتسبب، وفق الضامن، في "فقدان مئات الآلاف من فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة والفقر بسبب زيادة أسعار المواد الزراعية المستوردة".
ضوابط التجريف
من جانبها، تؤكد وزارة الزراعة العراقية، أنها لا تسمح بتحويل جنس الأراضي الزراعية من زراعي إلى سكني أو تجريفها إلا بعد المرور بسلسلة من الإجراءات القانونية والموافقات الرسمية.
ويقول المتحدث باسم الوزارة، قصي الحطاب، إن "وزارة الزراعة تمنع تجريف الأراضي الزراعية أو تحويل جنسها من زراعي إلى سكني أو أي استخدام آخر ما لم تحصل على موافقات من جميع الجهات التي لها علاقة بالأرض".
ويبيّن الحطاب لوكالة شفق نيوز، أن "الطلبات تحال بعد ذلك إلى لجنة مختصة برئاسة الأمانة العامة لمجلس الوزراء للنظر فيها، سواء بالموافقة أو الرفض، وفق التعليمات والضوابط النافذة".
ويضيف أن "الجهات التنفيذية في المحافظات هي المعنية بإيقاف أو إزالة التجاوزات على الأراضي الزراعية"، مشيراً إلى أن "التجريف يعد من المشاكل التي تؤثر بشكل مباشر على الواقع الزراعي".
ويبيّن الحطاب أن "الوزارة تعاملت أيضاً مع تجاوزات حدثت في أراضٍ زراعية تعرضت سابقاً للاضطراب الأمني خلال فترة سيطرة تنظيم داعش، حيث باشرت الدوائر القانونية بعد استقرار الأوضاع بإقامة دعاوى ضد المتجاوزين".
تهديد الأمن الغذائي
بدوره، يحذر رئيس لجنة الزراعة والموارد المائية والأهوار والبيئة في مجلس النواب العراقي، بايز إسماعيل زراري، من أن "تحويل الأراضي الزراعية إلى استخدامات سكنية يمثل تهديداً حقيقياً للأمن الغذائي"، لكنه يشير إلى أن "حجم الخطر يرتبط بطريقة إدارة هذا التحول العمراني".
ويوضح زراري لوكالة شفق نيوز، أن "التحويل قد يكون أقل ضرراً إذا اقتصر على المناطق التي فقدت وظيفتها الزراعية بالفعل بسبب التوسع العشوائي، مع حماية الأراضي الزراعية المنتجة".
لكن النائب يحذر من أن "استمرار فقدان الأراضي الخصبة دون ضوابط يضعف القدرة المحلية على إنتاج الغذاء ويزيد الاعتماد على الاستيراد".
ويلفت زراري إلى أن "مجلس النواب وجه بمفاتحة مديريات الزراعة في المحافظات للالتزام بالتشريعات التي تمنع إهمال البساتين وتجريفها، ومنها قرار مجلس الثورة المنحل رقم 634 لسنة 1981، الذي ينظم وضع البساتين المهملة".
ويكمل: "إضافة إلى قرار مجلس الوزراء رقم 50 لسنة 2016 الذي ألزم الجهات المعنية بإيقاف تجريف البساتين والأراضي الزراعية ومنع تحويلها إلى استخدامات أخرى إلا وفق الصلاحيات القانونية".
ضغط سكني
ولا ينفصل ملف تجريف الأراضي الزراعية عن أزمة السكن التي تعاني منها المدن العراقية، وفي مقدمتها بغداد التي تستحوذ على نحو ربع سكان البلاد.
وبالعودة إلى ما يطرحه الخبير الزراعي خطاب الضامن، فإن العراق يواجه معادلة صعبة بين الحاجة إلى توفير السكن لملايين السكان وبين ضرورة الحفاظ على الأراضي الزراعية.
ويشير الضامن إلى أن "العراق يسجل نمواً سكانياً يتجاوز مليون نسمة سنوياً، ما يخلق طلباً متزايداً على الوحدات السكنية، لكنه يرى أن الحل لا يمكن أن يكون على حساب الأراضي الزراعية القريبة من مصادر المياه".
ويضيف أن "بغداد، التي يتركز فيها نحو 25% من سكان العراق، شهدت ارتفاعاً كبيراً في أسعار الأراضي والمساكن وبدلات الإيجار، الأمر الذي جعل كثيراً من المواطنين يتجهون إلى شراء الأراضي الزراعية الأرخص وتحويلها إلى مساكن".
ويقول إن "المواطن أو الموظف الذي يتقاضى نحو 600 ألف دينار شهرياً لا يستطيع شراء متر واحد داخل بغداد عندما تصل الأسعار إلى مستويات مرتفعة جداً".
وتقدر أزمة السكن في العراق بعجز يتجاوز مليوني وحدة سكنية، ما يعكس فجوة كبيرة بين النمو السكاني المتسارع وحجم المعروض السكني، ويجعل توفير مساكن ملائمة أحد أبرز التحديات العمرانية في البلاد.
ورغم خطط الحكومة لإنشاء مدن جديدة ومبادرة المليون قطعة سكنية، فإن نجاحها يبقى مرتبطاً بتوفير التمويل والخدمات والبنى التحتية، بما يتيح تلبية الطلب السكني بعيداً عن التوسع على حساب البساتين والأراضي الخصبة.
مدن بديلة
وفي هذا الجانب، يرى الضامن أن معالجة أزمة السكن تتطلب بناء مدن جديدة في المناطق الصحراوية أو الأراضي غير الصالحة للزراعة بدل التوسع على حساب البساتين.
ووفقاً للخبير، فإن العراق يحتاج إلى "خطط استراتيجية بعيدة المدى تشترك فيها وزارات الإعمار والإسكان والمالية والتخطيط، لتوفير أراضٍ مخدومة بالبنى التحتية من مياه وكهرباء ومجاري وطرق".
ويقترح أن "توزع هذه الأراضي مباشرة على المواطنين أو يتم إشراك شركات التطوير العقاري في تنفيذ مشاريع سكنية منظمة، بما يزيد المعروض من الوحدات السكنية ويقلل الضغط على الأراضي الزراعية".
ويضيف أن "دولاً أخرى واجهت تحديات مشابهة، مثل مصر، اتجهت إلى بناء مدن جديدة خارج المناطق الزراعية"، معتبراً أن "العراق بحاجة إلى تجربة مماثلة".
قوانين بلا تنفيذ
وتؤكد وزارة الزراعة وجود قوانين تمنع تجريف البساتين وإزالة الأشجار، أبرزها قانون الغابات والمشاجر رقم 30 لسنة 2009، وقانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009، إضافة إلى قرار مجلس الوزراء رقم 50 لسنة 2016.
لكن خبراء ومراقبين يرون أن المشكلة لا تكمن في غياب القوانين فقط، بل في ضعف تطبيقها على أرض الواقع، خصوصاً مع ارتفاع قيمة الأراضي القريبة من المدن.
وكانت وزارة الزراعة قد أعلنت سابقاً خسارة أكثر من 82 ألف دونم زراعي بسبب عمليات تجريف وصفتها بأنها "ممنهجة"، فيما تشير تقديرات أخرى إلى تقلص مساحة الأراضي الزراعية المستغلة في العراق إلى نحو 18 مليون دونم من أصل 32 مليون دونم صالحة للزراعة.
التهديد البيئي
وفي بغداد، تحولت مناطق واسعة من حزام العاصمة إلى ساحات للبناء بعد إزالة البساتين، فيما شهدت محافظات أخرى الظاهرة نفسها بدرجات متفاوتة.
وفي البصرة، أدى تجريف مساحات واسعة من بساتين النخيل إلى تراجع أحد أهم رموز المحافظة الزراعية، بينما فقدت مناطق أخرى جزءاً من غطائها النباتي بسبب التوسع العمراني.
كما تضررت زراعة النخيل التي كانت تمثل ثروة وطنية للعراق، بعدما تراجعت أعداد الأشجار مقارنة بالعقود الماضية بسبب الحروب والجفاف والتجريف.
ولا يقتصر أثر تجريف الأراضي الزراعية على خسارة المحاصيل، بل يمتد إلى البيئة والمناخ، حيث يحذر خبراء البيئة من أن فقدان البساتين والأحزمة الخضراء يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل المدن، وزيادة العواصف الترابية، وتراجع التنوع الإحيائي، وزيادة معدلات التصحر، وضعف قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه.
ويحتاج العراق، بحسب مختصين، إلى برامج واسعة لإعادة التشجير وحماية الغطاء النباتي، خصوصاً مع تصنيفه بين أكثر الدول تأثراً بالتغيرات المناخية.