شفق نيوز- أربيل

لم يكن دخول دينيز أونداف إلى ملعب تورونتو مجرد تبديل هجومي عابر في مباراة متوترة، كان أشبه بفتح باب جديد في حكاية مهاجم ألماني من أصول كوردية إيزيدية، شق طريقه من ملاعب الظل إلى قلب المونديال، ثم وجد نفسه في ليلة واحدة بطلاً كروياً لألمانيا ورمزاً وجدانياً لجمهور كوردي واسع رأى في رقصته بعد التسجيل اعترافاً علنياً بهوية طالما بقيت خارج الأضواء الكبرى.

في مواجهة ساحل العاج ضمن المجموعة الخامسة لكأس العالم 2026، كانت ألمانيا متأخرة بهدف فرانك كيسي منذ الدقيقة الثلاثين، بعدما ألغيت لها فرصتان في الشوط الأول، وبدت عالقة أمام فريق أفريقي سريع ومنظم، وبعد ساعة من اللعب، لجأ المدرب يوليان ناغلسمان إلى دكة البدلاء، فأدخل أونداف ضمن ثلاثية تغيير أعادت الحركة إلى الهجوم الألماني.

بعد ثماني دقائق فقط، وجد أونداف نفسه في المكان الذي يحب المهاجمون أن يكونوا فيه، عرضية من ناديم أميري، حركة ذكية خلف المدافعين، ثم تسديدة مباشرة أعادت ألمانيا إلى المباراة، لكن المهاجم القادم من شتوتغارت لم يكتف بالتعادل، ففي الوقت بدل الضائع، تلقى تمريرة قوية، دار بجسده بسرعة داخل المنطقة وسدد هدف الفوز، ليقلب النتيجة إلى 2-1 ويمنح ألمانيا بطاقة العبور إلى الأدوار الإقصائية.

قال أونداف بعد المباراة إن الفوز كان مهماً جداً وإن المنتخب أظهر شخصية قوية. أما المدافع جوناثان تاه فخصه بالإشادة، معتبراً أن اللاعبين القادمين من الدكة منحوا الفريق طاقة جديدة، وأن أونداف كان استثنائياً في تنفيذ مهمته. 

بالنسبة لألمانيا، لم يكن الأمر مجرد ثلاث نقاط، بل خروجاً من ذاكرة خيبات مونديالية متتالية، بعدما ودعت بطولتي 2018 و2022 من الدور الأول.

لكن قصة أونداف في هذا المونديال بدأت قبل مباراة ساحل العاج، ففي افتتاح مشوار ألمانيا أمام كوراساو، دخل بديلاً أيضاً، وسجل هدفاً وصنع هدفين في فوز كبير 7-1. 

وبعد هدفه، اتجه نحو الراية الركنية وأدى رقصة كوردية تقليدية، قبل أن ينضم إليه أنطونيو روديغر في لقطة انتشرت سريعاً بين الكورد في العراق وسوريا وتركيا وإيران والمهجر الأوروبي، بالنسبة لكثيرين، لم تكن الرقصة مجرد احتفال، بل لحظة ظهور لهوية كوردية على أكبر مسرح كروي في العالم.

وتعاملت وسائل إعلام كوردية مع هدفه في كوراساو بوصفه لحظة تاريخية، مشيرة إلى أنه أول لاعب من أصول كوردية يسجل في كأس العالم. كما أن رمزيته بدت واضحة في حجم الاحتفاء به، خصوصاً أن الكورد لا يملكون منتخباً مستقلاً معترفاً به في الاتحاد الدولي، وغالباً ما تظهر مواهبهم ضمن منتخبات دول أخرى.

الرقصة نفسها ليست جديدة على أونداف، فقد احتفل في نيسان 2024 بهدفه مع شتوتغارت في مرمى آينتراخت فرانكفورت برقصة كوردية أثارت اهتمام الصحافة الألمانية. 

وكتبت صحيفة بيلد يومها أن أونداف شبك ذراعيه خلف ظهره وانحنى إلى الأمام وحرك كتفيه، وأن الأمر يتعلق برقصة كوردية خاصة كان يؤديها في غرفة الملابس، قبل أن يطلب منه زملاؤه نقلها إلى أرض الملعب، ومنذ ذلك الوقت، صارت الرقصة جزءاً من صورته العامة، مثلما صار هدفه يحمل أحياناً معنى يتجاوز كرة القدم.

ولد دينيز أونداف في 19 تموز 1996 في مدينة فاريل بولاية ساكسونيا السفلى، ونشأ في آخيم. تعود جذور عائلته إلى منطقة فيران شهير في ولاية أورفا جنوب شرقي تركيا، وهي منطقة تضم حضوراً كوردياً بارزاً. 

وتشير تقارير ألمانية إلى أن عائلته غادرت تركيا في سياق الضغوط التي أعقبت انقلاب 1980، لتبدأ العائلة حياة جديدة في مجتمع ألماني حمل داخله ذاكرة أقلية مضطهدة في موطنها الأصلي.

هذه الخلفية جعلت مسألة الهوية حاضرة في قصة أونداف، ففي مقابلات سابقة، سُئل عن إمكانية لعبه لتركيا، لكنه أكد أن اختياره ألمانيا كان واضحاً، قائلاً إنه نشأ هناك ويشعر بانتماء كبير إليها، وإن صلته بتركيا محدودة. 

وفي مقطع آخر صحح توصيفه كلاعب من أصل تركي، قائلاً بمعنى واضح إنه كوردي أولاً، هذا الأمر وضعه أمام حملات إساءة عنصرية وقومية، خصوصاً بعد مباراة شتوتغارت وفنربخشة التركي في الدوري الأوروبي، قبل أن يشكر جماهيره على الدعم الواسع الذي تلقاه.

على المستوى الرياضي، لم يصل أونداف إلى المنتخب الألماني عبر الطريق المعتاد للنجوم المبكرين، فقد بدأ في أندية صغيرة، ومر بأكاديمية فيردر بريمن قبل أن يبتعد عنها، ثم لعب في الدرجات الأدنى مع هافلسه وبراونشفايغ الثاني ومبن. في تلك السنوات، عاش حياة لاعب يحاول ألا يكون عبئاً على عائلته، فاختار التدريب المهني والعمل إلى جانب كرة القدم، قبل أن ينفجر تهديفياً مع يونيون سان جيلواز البلجيكي، حيث سجل 25 هدفاً في موسم واحد وفتح لنفسه باب الانتقال إلى برايتون الإنجليزي.

لكن محطة شتوتغارت كانت التحول الأكبر، حيث وصل إلى النادي أولاً على سبيل الإعارة من برايتون، ثم تحول إلى أحد مفاتيح صعود الفريق. في موسم 2023-2024 سجل 18 هدفاً وصنع تسعة في الدوري الألماني، وأسهم في عودة شتوتغارت إلى دوري أبطال أوروبا. 

وفي موسم 2025-2026 رفع مستواه أكثر، مسجلاً 19 هدفاً في البوندسليغا مع ست تمريرات حاسمة، ليصبح أكثر لاعب ألماني تسجيلاً في الدوريات الأولى حول العالم ذلك الموسم، وثاني هدافي الدوري الألماني خلف هاري كين.

لم يكن غريباً بعد ذلك أن يمدد شتوتغارت عقده حتى 2029 مع خيار لموسم إضافي. النادي وصفه بأنه أحد أهم عوامل نجاحه خلال السنوات الأخيرة، بينما قال أونداف إن شتوتغارت والمدينة صارا بيته الثاني، وإنه يريد رد الثقة بالأهداف والأداء. 

ومع المنتخب الألماني، تأخر الحلم لكنه جاء بقوة. لم يلعب أونداف لأي من منتخبات الفئات العمرية الألمانية، قبل أن يستدعيه ناغلسمان في آذار 2024 وهو في السابعة والعشرين من عمره، ومنذ ذلك الوقت، تحولت قصته إلى مثال عن اللاعب المتأخر الذي لا يحتاج إلى سيرة مثالية كي يصل إلى القمة، وفي كأس العالم الحالي، لم يعد مجرد خيار بديل، بل صار المهاجم الذي يغير إيقاع المباريات من أول لمسة، ويمنح ألمانيا عمقاً تهديفياً كانت تبحث عنه.

بين هدف كوراساو ورقصة الغوفند، ثم ثنائية ساحل العاج القاتلة، صار أونداف عنواناً مزدوجاً. في ألمانيا، هو السوبر البديل الذي قد يفرض نفسه أساسياً في المباريات المقبلة، وفي الوجدان الكوردي، هو لاعب حمل رقصة شعبية إلى شاشة المونديال، وجعل هوية عائلته جزءاً من قصة كروية عالمية.