شفق نيوز- بغداد/ طهران
لم يتبق سوى 34 يوماً على موعد 30 أيلول/ سبتمبر 2026، الموعد المحدد لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، فيما يقف ملف حصر السلاح بيد الدولة أمام استحقاق حاسم بين تأكيد حكومي على المضي في المشروع، وحوارات متقدمة مع الفصائل، وتباين بشأن ما إذا كان التاريخ يمثل نهاية مهلة تسليم السلاح أم بداية مرحلة جديدة لتنظيمه وإدارته.
وبعدما أكدت الحكومة العراقية في 21 آب/ أغسطس الجاري أن 30 أيلول/ سبتمبر المقبل يمثل موعداً لحصر السلاح، عاد مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي بعد يومين ليؤكد أن الموعد يخص انتهاء وجود التحالف، وأن عملية حصر السلاح ستبدأ تدريجياً بعده.
واليوم الخميس، شدد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان على استمرار الحوارات، قائلاً إن اللجنة المركزية قطعت شوطاً كبيراً في الملف.
توافق على المبدأ
وفي هذا السياق، يقول حسن فدعم، القيادي في تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، إن حصر السلاح بيد الدولة بات جزءاً من البرنامج الحكومي ومشروع القوى السياسية ومطالب المرجعية الدينية والمصلحة العليا للعراق، مؤكداً أن "جميع الأطراف" متفقة على المبدأ، بما فيها أطراف الفصائل المسلحة.
ويضيف فدعم لوكالة شفق نيوز، أن الخلافات، إن وجدت، تتعلق بتوقيت التنفيذ وآلياته، مشيراً إلى أن الحوار مع الفصائل "متقدم" وعلى مستويات جيدة، وأنه لا يوجد فصيل يعلن رفضه لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة.
ويرى فدعم أن مرحلة ما بعد 30 أيلول/ سبتمبر قد تجعل الحوار "أكثر جدية ووضوحاً" للوصول إلى قرار بشأن التنفيذ.
ويتطابق ذلك جزئياً مع ما أعلنه النعمان اليوم الخميس، إذ قال إن القوات المسلحة لم تلمس "أي رفض" من الفصائل، وإن الحوارات مستمرة وقد قطعت شوطاً كبيراً، مع إعداد قاعدة بيانات للمنتسبين وتصنيف أسلحة ونقلها إلى مخازن مخصصة.
إدارة بدل النزع
وفي هذا الجانب، يقول الخبير الأمني عدنان الكناني، إن الإصرار الحكومي على تعزيز سلطة الدولة وحصر حمل السلاح بالجهات المخوّلة قانوناً، واضح، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى مطالب من بعض فصائل المقاومة بتأجيل العملية، بدافع مخاوف من تطورات قد تستهدف العراق.
ويرى الكناني خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن الخطر الحقيقي يكمن في بقاء السلاح خارج سلطة الدولة، معتبراً أن ثقة الشارع تكون أكبر عندما تكون القوة المسلحة خاضعة للمؤسسات الرسمية.
لكن الحل، في تقديره، لا ينبغي أن يقود إلى صدام، إذ يدعو إلى تفاهمات تتيح للفصائل المسلحة الالتحاق بتشكيلات رسمية، سواء في الحشد الشعبي أو القوات المسلحة، بما يحفظ خبراتهم ويمنع تحول عملية حصر السلاح إلى تهديد مباشر لحياتهم.
ويضيف أن بإمكان المقاومة البحث عن "قنوات بديلة" لممارسة دورها السياسي والوطني، بالتزامن مع الحفاظ على حياة عناصرها من الاستهداف، محذراً من أن الضغوط الخارجية قد تدفع الشارع إلى منزلق خطر.
وهذه الصيغة تنسجم مع ما طرحته مصادر سياسية في 23 آب/ أغسطس الجاري لوكالة شفق نيوز، بشأن استبدال مفهوم "نزع السلاح" بـ"إدارة السلاح"، وإخضاع استخدامه لأوامر القائد العام، إلى جانب ربط ترتيبات نقل الأسلحة بانسحاب القوات الأجنبية وإقرار قانون الخدمة والتقاعد الخاص بالحشد.
وفي السياق نفسه، كشف مصدر في الإطار التنسيقي لوكالة شفق نيوز، في حينها، عن تفاهم يقضي بأن الأسلحة التي تسلمها الفصائل يمكن أن تُنقل إلى مخازن هيئة الحشد الشعبي، وليس بالضرورة إلى مخازن وزارتي الدفاع أو الداخلية، في إطار ترتيبات "إدارة السلاح".
كما أشار المصدر إلى توافق سياسي على الإسراع في قانون الخدمة والتقاعد للحشد، بما يعالج الرتب والتدرج الوظيفي وحقوق الشهداء والجرحى والهيكلية العامة للمؤسسة.
الدولة تعزز أدواتها
وفي موازاة الحوار السياسي، بدأت تظهر مؤشرات على استعداد مؤسسات الدولة لمرحلة أكثر صرامة، ففي أمس الأربعاء، بحث رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان مع القائم بالأعمال الأميركي جوشوا هاريس الإجراءات القضائية المتعلقة بالجهات والأشخاص الذين يحملون السلاح خلافاً للدستور والقانون، وآليات إنفاذ سيادة القانون بعد انتهاء مهمة التحالف.
واليوم الخميس، أكدت القوات العراقية أن تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة "مطلب سيادي"، بالتزامن مع تأكيد تسارع انسحاب قوات التحالف وفق الجدول المحدد.
كما تعمل وزارة الدفاع على تعزيز قدرات الدفاع الجوي، في إطار الاستعداد للمرحلة الأمنية المقبلة، بينما أعلنت الأجهزة الأمنية في اليوم نفسه (الخميس) إحباط محاولة لتصنيع طائرات مسيرة داخل بغداد.
بين التسليم والتمسك
إلا أن الموقف داخل الفصائل ليس موحداً، فقد أبدت سرايا السلام وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي استعداداً لإعادة تنظيم علاقتها بالمؤسسات الرسمية، فيما تستمر المشاورات مع فصائل أخرى، بينها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، وفق المعطيات التي أوردتها مصادر سياسية وإعلامية خلال آب/ أغسطس الجاري.
وفي 21 آب/ أغسطس الجاري، أفاد مصدر مطلع لوكالة شفق نيوز، بتسليم عصائب أهل الحق أسلحة في أحد مقراتها جنوب بغداد، بينها مسيرات، في عملية قال إنها جرت بحضور لجنة تضم ممثلين عن الداخلية والدفاع ومستشارية الأمن الوطني وهيئة الحشد.
وفي المقابل، أعلنت فصائل أخرى تمسكها بما تسميه "سلاح المقاومة"، وربطت مستقبل هذا السلاح بانسحاب القوات الأجنبية وضمان قدرة العراق على حماية نفسه من الهجمات الخارجية.
البعد الإقليمي
ولا يقف ملف السلاح عند حدوده الداخلية، إذ يرتبط أيضاً بتحولات أمنية أوسع في المنطقة، حيث يرى أردشير باشانغ، الباحث الأول في مركز الدراسات الاستراتيجية والجمعية الإيرانية لدراسات غرب آسيا، أن قضية السلاح العراقي لا يمكن فصلها عن التحولات التي شهدها النظام الأمني في الشرق الأوسط منذ هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
ويقول باشانغ لوكالة شفق نيوز، إن العراق حاول خلال السنوات الماضية الحفاظ على توازن عملي بين إيران والولايات المتحدة، في وقت تحولت أراضيه أكثر من مرة إلى ساحة للتنافس بين الطرفين.
وبحسب باشانغ، فإن مسألة احتكار الدولة لاستخدام القوة أصبحت تحدياً أمام الحكومة، فمن جهة تريد بغداد منع أي فصيل من اتخاذ قرار عسكري مستقل، ومن جهة أخرى لا تريد أن تتحول عملية ضبط الفصائل إلى عامل يعيد عدم الاستقرار في ظل التوتر الإقليمي.
ويرى أن انتهاء المهمة العسكرية الأميركية يمكن أن يوفر لبغداد فرصة لإزالة إحدى الحجج التي تستخدم لتبرير استمرار السلاح خارج السيطرة المباشرة للدولة، فيما يتيح تعزيز سلطة الدولة تقليل احتمالات استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية.
ويخلص باشانغ إلى أن نجاح بغداد في الجمع بين الوضع المؤسسي للحشد وسلسلة قيادة موحدة تحت سلطة الدولة يمكن أن يعزز سيادة العراق واستقراره ويفتح مجالاً أكبر لسياسة خارجية مستقلة، بينما قد يؤدي الفشل إلى إبقاء العراق عرضة للتحول إلى ساحة للمواجهة الإقليمية.