شفق نيوز - بغداد

في وقت تحتفل فيه دول العالم بعيد العمال العالمي في الأول من أيار/ مايو، بوصفه مناسبة لتكريم جهود هذه الطبقة الكادحة إلا أنهم في العراق يواجهون واقعاً مختلفاً، يتمثل بتدني الأجور واستغلالهم بساعات العمل الطويلة وغياب الضمانات القانونية، وسط شكاوى من استمرار الانتهاكات وضعف الحماية الاجتماعية.

أجور زهيدة مقابل جهود مضنية

ويقول علي محمد، العامل في غسيل السيارات بالمنطقة الصناعية في بغداد، لوكالة شفق نيوز، إن عمله يبدأ من الساعة الثامنة صباحاً حتى السادسة عصراً، وأحياناً يمتد إلى السابعة أو الثامنة مساءً، مقابل أجر يومي يبلغ عشرة آلاف دينار فقط (أكثر من ستة دولارات).

ويضيف أن "صاحب المحل لا يوفر بدلات عمل ولا وجبات طعام، باستثناء وجبة الغداء التي تكون عادة (لفة فلافل)"، مشيراً إلى أن "العمل يتراجع في فصل الشتاء، ليصبح الأجر خمسة آلاف دينار فقط، وهو مبلغ زهيد لا يتناسب مع الوقت الطويل الذي نقضيه في العمل".

ويؤكد محمد أنه حاول عبثاً الحصول على عمل آخر بأجور أفضل ووقت أقصر، بسبب انتشار البطالة.

من جهته، يرى زميله في العمل نفسه رسول سعدون، أن علي محمد أوفر حظاً منه، مؤكداً لوكالة شفق نيوز أنه "لا يتقاضى في اليوم الواحد أكثر من خمسة آلاف دينار، سواء كثر العمل أو قل"، مبيناً أن "هذا الأجر يُنفق على أجور الذهاب والإياب من المنزل إلى العمل وبالعكس، وليس أكثر".

ويعاني العمال في العراق من قلة الأجور مقابل ساعات طويلة يقضونها في العمل تنعدم معها حقوقهم المشروعة في الحصول على إجازة أو استراحة بأجور كاملة، فضلاً عن عدم الاهتمام بهم خلال مرضهم أو تعرضهم لحوادث خارج العمل.

عيد بلا نكهة

بدورهم، أكد عمال البناء، أسوة بغيرهم من القطاعات العمالية، أنه لا معنى لعيد العمال، معتبرين أنه "مجرد اسم بلا مضمون".

ويقول عامل البناء علي سعدون: "لا أعرف العيد، ما يهمني هو إكمال عملي وتسلم أجري اليومي".

ويضيف لوكالة شفق نيوز أنه "لا توجد للعامل أي حقوق، وحديث الحكومة والنقابات عنها كذبة مضحكة تتكرر في كل مناسبة"، منوهاً إلى أن "العمال بالكاد يجدون فرصة عمل ويتمسكون بها مهما كان الأجر قليلاً والظروف معقدة، لذا فهم يكافحون من أجل توفير لقمة العيش لعوائلهم".

ويلفت إلى أن "العامل يعيش صراعاً مريراً مع أرباب العمل من أجل الحصول على أجوره المالية، وإن لم يحصل عليها بنفسه فلا أحد يدافع عنه أو يمنحه حقه، حتى وإن طرق أبواب القانون والنقابات فلن يعود إلا خالي الوفاض".

المرأة العاملة

ولعل المرأة العاملة تُعد الفئة الأكثر هشاشة، إذ لا تتمتع بأي حقوق رغم القوانين النافذة.

وتقول لمى عبد الكريم: "أعمل في متجر من الساعة العاشرة صباحاً وحتى العاشرة مساءً، دون عقد عمل أو ضمان اجتماعي أو أي حقوق".

وتضيف لوكالة شفق نيوز أن "صاحب المتجر استغنى عن خدماتي بمجرد معرفته بأنني حامل، ولم أجد في القانون ولا في النقابات من أنصفني أو وقف معي".

وتتابع: "لم يكن بوسعي إزاء ما حصل سوى المباركة للفتاة التي حلت محلي، وتوديع زملائي وترك العمل والانصراف بهدوء، مصحوبةً بخيبة أمل من واقعنا المؤلم".

النقابة تقرّ بالانتهاكات

ولم يُخفِ اتحاد النقابات معاناة العمال وأوضاعهم المأساوية، إذ يقول مدير إدارة الاتحاد العراقي لنقابة العمال، علي الجابري، لوكالة شفق نيوز، إن "أوضاع العمال في العراق معقدة، وفيها جوانب تحسن نسبي، لكن هذه الشريحة ما زالت تعاني من مشاكل هيكلية كبيرة، خاصة في القطاع الخاص والعمالة غير المنظمة".

ويعدد الجابري أبرز المشاكل التي يعاني منها العمال، ومنها "تفشي البطالة بين الشباب وقلة فرص العمل رغم التوظيف الحكومي المحدود، وانتشار العمل غير المنظم، إذ إن نسبة كبيرة من العمال يعملون دون عقود رسمية أو ضمانات قانونية، إضافة إلى تفاوت الرواتب، حيث يوجد فرق كبير بين رواتب القطاع الحكومي والقطاع الخاص، وغالباً ما تكون أجور القطاع الخاص منخفضة".

وينوه إلى مشاكل أخرى، منها "ضعف بيئة العمل، إذ تفتقر بعض أماكن العمل إلى شروط السلامة المهنية، فضلاً عن تأخر صرف الرواتب والمستحقات المالية في بعض الشركات أو عدم انتظام دفع الأجور"، مشدداً على ضرورة "شمول جميع العمال بقانون الضمان الاجتماعي لتأمين حياتهم بعد سنوات الخدمة".

مقترحات وحلول

ويقترح الجابري عدداً من الحلول لتحسين واقع العمال، منها "الالتزام بتطبيق الحد الأدنى للأجور بما ينسجم مع الظروف المعيشية، ووضع آليات رقابية صارمة لمنع استغلال العمال، وحمايتهم من الفصل التعسفي، وضمان حقوقهم القانونية في التعويض والإنصاف، فضلاً عن توفير بيئة عمل آمنة وصحية والالتزام بمعايير السلامة المهنية".

كما يشير إلى أهمية "تعزيز دور التنظيمات النقابية، وضمان حرية الانتماء النقابي دون ضغوط أو قيود، وتنظيم سوق العمل من خلال إلزام أصحاب العمل بإبرام عقود رسمية تحفظ حقوق جميع الأطراف".

ودعا "الجهات الحكومية والقطاع الخاص إلى تحمل مسؤولياتهم الوطنية والقانونية والعمل المشترك لتحسين واقع العمال، باعتبارهم الركيزة الأساسية في بناء الاقتصاد الوطني"، مؤكداً أن "تحقيق العدالة الاجتماعية يبدأ من إنصاف هذه الشريحة المهمة".

من جانبه، يشارك رئيس نقابة اتحاد العمال، وليد نعمة، الرأي ذاته، مؤكداً لوكالة شفق نيوز أن "أحوال العمال العراقيين معقدة جداً، وتشهد تبايناً واضحاً بين القطاعين الخاص والعام"، منوهاً إلى "مشكلة البطالة وندرة فرص العمل".

بلا عقود وضمانات

ويتابع نعمة أن "معظم عمال القطاع الخاص يعملون دون عقود رسمية أو ضمانات"، مشيراً إلى "ضعف الرواتب، حيث إن أغلب العمال يتقاضون أقل من 300 ألف دينار، وهو ما لا يتناسب مع متطلبات المعيشة".

وشهدت العاصمة بغداد صباح اليوم الجمعة، مسيرة حاشدة انطلقت من ساحة الفردوس صوب ساحة النصر، حيث رفع المشاركون شعارات تطالب بتفعيل قانون الخدمة المدنية، وإقرار سلم رواتب عادل، وإرساء نظام ضمان اجتماعي وصحي يحمي كرامة العمال.