شفق نيوز- بغداد

يعود ملف خريجي كليات الإعلام في العراق إلى واجهة النقاش، وسط تزايد أعداد المتخرجين سنوياً مقابل محدودية فرص العمل في القطاعين العام والخاص، وانخفاض الأجور في المؤسسات الإعلامية، ليكشف عن فجوة متنامية بين مخرجات التعليم الأكاديمي واحتياجات السوق، في ظل تحولات رقمية غيّرت طبيعة العمل الإعلامي ومعاييره.

محدودية الفرص بالقطاع الخاص

وفي هذا الصدد، يؤكد الأكاديمي والمتخصص في مجال الإعلام الدكتور حيدر شلال، أن خريجي هذا التخصص يواجهون تحديات متزايدة في سوق العمل.

ويقول شلال خلال حديثة لوكالة شفق نيوز، إن محدودية الفرص المتاحة داخل القطاع الخاص، إلى جانب ضعف معدلات التوظيف مقارنةً بأعداد الخريجين المتزايدة سنويا تمثل أبرز الإشكالات.

ويضيف، أن انخفاض الأجور في كثير من المؤسسات الإعلامية لا يتناسب مع المهارات والمعرفة التي يمتلكها هؤلاء الخريجون، مشيراً إلى أن هذه المؤشرات تعكس خللا هيكليا في العلاقة بين التعليم وسوق العمل.

ويشير شلال، إلى أن هذا الواقع يعكس فجوة واضحة بين مخرجات التعليم الإعلامي واحتياجات السوق، ما يستدعي إعادة النظر في البرامج الأكاديمية، وتعزيز التدريب العملي، وفتح آفاق أوسع للتشغيل.

التعيين رهين الموازنة

في المقابل، ترتبط فرص التعيين في القطاع العام بعوامل مالية وتشريعية، حيث أكد المتحدث الرسمي لمجلس الخدمة العامة الاتحادي، الدكتور فاضل الغراوي، أن خريجي كليات الإعلام من الأوائل وحملة الشهادات العليا مشمولون بالتعيين استنادا إلى أحكام قانون الموازنة الثلاثية، التي أولت هذه الشريحة أولوية واضحة ضمن سياسات التوظيف الحكومية.

ويقول الغراوي خلال حديثة لوكالة شفق نيوز، أن خريجي كليات الإعلام من حملة شهادة البكالوريوس غير المشمولين حالياً، يمكن أن تتاح لهم فرص التعيين المركزي مستقبلاً، في حال تضمّنت موازنة عام 2026 نصوصًا صريحة تتيح تعيين هذه الفئة ضمن خطط الدولة للتشغيل.

ويؤكد، أن مجلس الخدمة العامة الاتحادي حريص على استيعاب مختلف شرائح الخريجين، إلا أن تحقيق ذلك يرتبط بشكل أساسي بالتخطيط الحكومي ووجود تخصيصات مالية ونصوص قانونية واضحة.

المؤسسات تعتمد على كوادر قديمة

سوق العمل الإعلامي ما يزال غير قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، بحسب ما يؤكده عضو مجلس نقابة الصحفيين العراقيين هادي جلو، الذي أشار إلى أن أغلب الخريجين يتجهون إلى العمل في قطاعات أخرى بسبب قلة الفرص على مستوى القطاع الخاص.

ويقول جلو لوكالة شفق نيوز، إن هناك أكثر من 70 قناة و60 إذاعة وعشرات الوكالات، لكنها محدودة وتعتمد على كوادر قديمة وذات مهارة.

ويضيف، أن المؤسسات الإعلامية تفضل الكوادر المتمكنة على حساب الخريجين الجدد الذين يفتقرون للخبرة العملية.

أهمية تحديث المناهج

بدورها، ترى رئيس مركز النخيل زينب ربيع، أن المشكلة تتجاوز قلة الوظائف، كون الموضوع الأول والأساسي متعلق بأن مخرجات التعليم لا تتلاءم مع سوق العمل، وهذا لا يقتصر على الإعلام بل يشمل معظم الاختصاصات.

وتقول ربيع خلال حديثها لوكالة شفق نيوز، إن "المؤسسات الإعلامية تبحث عن كفاءات وأيادي عمل ماهرة، حالها حال أي مؤسسة ربحية".

وتؤكد، على ضرورة تحديث المناهج وإيلاء أهمية كبيرة للجانب العملي والتعاون مع القنوات ووكالات الإعلام لغرض التدريب والتشغيل.

وتشير رئيس مركز النخيل، إلى أن الطالب يقع على عاتقه أيضًا تطوير نفسه عمليًا، مع توفر الكثير من الفرص لاكتساب المهارات.

"الفاشنيستا" تتربع على عرش الإعلام

في سياق متصل، تعكس تجارب الخريجين واقعاً أكثر تعقيداً، حيث تقول الخريجة أديان عماد،:"أنا خريجة من جامعة بغداد كلية الإعلام قسم الإذاعة والتلفزيون… لكن بعد ما البلوگرات احتلوا السوشيال ميديا، باتت القنوات تستدعيهم للعمل كمقدمات برامج أو مراسلات".

وتضيف عماد خلال حديثها لوكالة شفق نيوز، إن "القنوات الحكومية مكتفية بالكوادر القديمة بدون تجديد، والمتضرر الوحيد هم الخريجون".

وتتابع، :"رغم تخرجي بمعدل جيد وخضوعي لدورات تدريبية، ما زلت مرفوضة داخل الوسط الإعلامي، بينما تحل محلي بلوگر أو فاشنيستا بلا شهادة أو خبرة".

هذا التحول يعكس تغيرا في أولويات بعض المؤسسات الإعلامية، التي باتت تراهن على التأثير الرقمي وعدد المتابعين أكثر من الكفاءة المهنية.

ويرى مختصون، أن جوهر الأزمة لا يقتصر على التوظيف، بل يمتد إلى غياب استراتيجية واضحة لربط التعليم بسوق العمل، وضعف الاستثمار في التدريب العملي، إلى جانب التحولات الرقمية التي أعادت تشكيل الصناعة الإعلامية.

كما أن استمرار الاعتماد على كوادر قديمة، مقابل ضعف برامج التأهيل للخريجين، يزيد من تعقيد المشهد، في وقت تتزايد فيه المنافسة وتتنوع المهارات المطلوبة.

ويبدو أن ملف خريجي الإعلام في العراق، ما يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، بين توجه حكومي مشروط بالموازنات، وقطاع خاص محدود، وتحولات رقمية تفرض معايير جديدة.

وبينما يرى أكاديميون، أن الحل يكمن في إصلاح التعليم وتعزيز المهارات، يؤكد آخرون أن السوق نفسه بحاجة إلى إعادة تنظيم، بما يضمن عدالة الفرص واستيعاب الطاقات الشابة.

ويبقى التحدي الأبرز أمام الدولة والمؤسسات التعليمية والإعلامية هو القدرة على صياغة نموذج يوازن بين جودة التعليم ومتطلبات السوق، في ظل عالم إعلامي يتغير بوتيرة متسارعة.