بغداد - شفق نيوز
أفرز التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران أنماطاً غير تقليدية في استخدام الفضاء الرقمي، كان من أبرزها توظيف تطبيقات الخرائط مثل Google Maps وGoogle Earth بطرق تثير الجدل.
فمع احتدام الأزمات، اتجه بعض المستخدمين إلى تعديل أسماء مواقع حقيقية على هذه المنصات، وإدراجها تحت مسميات عسكرية أو أمنية، كمقرات حشد شعبي أو كتائب أو حتى الحرس الثوري أو قواعد أميركية، رغم أن هذه المواقع في حقيقتها لا تتجاوز كونها منازل مدنيين أو مدارس ومؤسسات خدمية.
هذه الظاهرة، التي تبدو في ظاهرها عبثاً رقمياً، تطرح في جوهرها تساؤلات جدية حول تداعيات تضليل البيانات في أوقات النزاعات، ومدى تأثيرها على أمن المجتمعات واستقرارها.
وهذه التعديلات، التي قد تبدو للبعض مجرد مزاح ثقيل أو فكاهي، تثير القلق والمخاوف، إذ تتعلق بالتضليل المعلوماتي، وتخلق حالة من الهلع لدى السكان، خصوصاً في بيئات تعيش توتراً أمنياً، إذ إن مجرد ظهور توصيف عسكري على خريطة رقمية قد يزرع الشك ويغذي الهلع، حتى وإن كان بلا أساس.
خوف وهلع
وفي هذا الصدد، يقول المواطن محمد موسى إن ما يحدث "أصبح مقلقاً بشكل كبير"، مشيراً إلى أن ظهور تسميات عسكرية قرب منازل أو مدارس يخلق حالة من الرعب لدى الأهالي.
ويضيف، في حديث لوكالة شفق نيوز، أن "مجرد ظهور اسم جهة مسلحة على الخارطة بالقرب من بيتك قد يسبب خوفاً حقيقياً، خصوصاً في ظل الظروف الحالية".
هذا القلق لم يعد افتراضياً، إذ شهدت منطقة "شوراو" في كركوك حادثة أثارت جدلاً واسعاً، بعد تغيير اسم "مدرسة عثمان فرج" على التطبيق إلى "القنصلية الإيرانية"، وسط ترجيحات بأن طلاباً يقفون وراء هذا التعديل، ما دفع إلى حالة من التوتر داخل المدرسة خوفاً من تبعات خطيرة.
وفي حادثة أخرى، أقدم تلميذ على تغيير اسم مدرسته إلى "قاعدة عسكرية أميركية" بدافع المزاح.
مزاح لا أكثر
في المقابل، يقلل مختصون من خطورة هذه التعديلات من الناحية العسكرية المباشرة، إذ يوضح الخبير الأمني سيف رعد أن هذه السلوكيات هي لغرض الفكاهة لا أكثر، مشيراً إلى أن "المعلومات مغلوطة ولا يمكن اعتمادها كأهداف".
وفي حديثه لوكالة شفق نيوز، يوضح أن الجهات العسكرية تعتمد على بنك من المعلومات والأهداف الاستخبارية الدقيقة، مدعوم بالاستطلاع الجوي والفضائي، وليس على بيانات مفتوحة من الإنترنت.
كما يتابع رعد قائلاً إن "ما يُنشر على مواقع التواصل قد يخضع للتحليل، لكنه يُمرَّر عبر فلتر استخباري متكامل قبل أي استخدام، ما يجعل احتمالية الاعتماد عليه بشكل مباشر شبه معدومة".
في حين يرى الخبير التقني إيهاب عنان أن الدول والمؤسسات الأمنية لا تعتمد بشكل كامل على تطبيقات الخرائط العامة، لأنها تمتلك أنظمة خاصة أكثر تطوراً، غالباً ما تكون مرتبطة بالأقمار الصناعية وتوفر دقة أعلى بكثير.
ويشير عنان، في حديث لوكالة شفق نيوز، إلى أن "هذه الجهات استخدمت سابقاً أنظمة متقدمة مثل فالكون، قبل أن تتطور إلى منصات أكثر تعقيداً وخصوصية، ومع ذلك لا يُستبعد أن تكون بعض البيانات المفتوحة مفيدة عند تقاطعها مع معلومات أخرى، حيث يتم التحقق منها عبر مصادر متعددة".
ويعتقد عنان أن "تجنب التتبع الرقمي أو الابتعاد عن هذه المنظومات شبه مستحيل"، نظراً لاعتماد معظم الأجهزة الحديثة على خدمات Google وخوارزمياتها التي تجمع وتحلل البيانات بشكل مستمر.
ورغم تطمينات الخبراء، تبقى المشكلة قائمة في بعدها الاجتماعي والنفسي، إذ يمكن لهذه التعديلات أن تثير الذعر بين السكان، وتخلق معلومات مضللة يصعب التحقق منها سريعاً، وقد تُستغل في سياقات دعائية أو نفسية خلال النزاعات.