شفق نيوز- واشنطن

مصطفى هاشم

في أروقة العاصمة الأميركية واشنطن، لا تبدو الدبلوماسية هذه الأيام محكومة بأعراف "الضبابية البناءة" أو بروتوكولات السلك الوظيفي الصارمة، بل باتت تُدار بلغة العقود وحسابات الأرباح، حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين المنصب العام والمحفظة الاستثمارية الخاصة.

ومع عودة الجدل حول أسماء مبعوثين ومقربين من دائرة الرئيس دونالد ترمب، وشبهات تضارب المصالح التي طالت ملفات حيوية مثل مشاريع الطاقة والبنية التحتية في الشرق الأوسط، يبرز تساؤل جوهري: هل تحولت السياسة الخارجية الأميركية إلى منصة لإبرام الصفقات الشخصية؟، وما انعكاس ذلك على عواصم منهكة أصلاً بالفساد وضعف المؤسسات كبغداد ودمشق؟.

ويرى كبير الباحثين في المجلس الأطلسي، توماس واريك، في تصريح خاص لوكالة شفق نيوز، أن ما يجري يعكس فلسفة مختلفة جذرياً عن كل الرؤساء الأميركيين المعاصرين، موضحاً: "الرئيس ترمب يفضّل الأشخاص الذين يعرفهم ويثق بهم، والذين يعرفونه جيداً بدقة. وبما أنه قادم من عالم المال والأعمال، فإن معظم أصدقائه ينتمون إلى هذا العالم بالذات".

ويشير واريك إلى بعد غير مسبوق في المشهد السياسي الأميركي، قائلاً: "لقد أبدى ترمب استعداداً لخلط الشأن الحكومي بالأعمال التجارية الخاصة إلى حد لم تشهده أميركا عبر تاريخها. وبالتالي، فإن الدول التي ترغب في التعامل معه تجد نفسها مضطرة للتعامل مع المبعوثين الذين يحظون بثقته شخصياً".

ويستدرك بالقول إن إحدى القواعد الكلاسيكية للدبلوماسية تنص على أن "المطلب الأهم لنجاح أي سفير هو أن يعرف عقل وتفكير رئيسه بدقة، وهؤلاء الرجال الذين يثق بهم ترامب يفهمون عقليته بالفعل".

ومع ذلك، يلفت واريك إلى أن هذا النمط قد يواجه جداراً تشريعياً مسدوداً: "إذا تمكن الديمقراطيون من السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما في الانتخابات، فيُتوقع منهم فرض قيود ورقابة أكثر صرامة على هؤلاء المبعوثين الرئاسيين. سيمتلكون سلطة فتح التحقيقات وطلب الوثائق".

ويضيف أن "هناك بالفعل سجل من جلسات الاستماع أظهروا فيها مخاوف جدية وحقيقية من استغلال مقربين من ترمب لمناصبهم للإثراء الشخصي. لذا، سيكون هذا الملف تحت مجهر واشنطن بمجرد التئام الكونغرس الجديد".

من جانبه، يضع الأكاديمي والمحلل السياسي نبيل ميخائيل هذه التعيينات في سياق تاريخي أوسع، مشيراً لوكالة شفق نيوز إلى أن "التعيينات السياسية في السياسة الخارجية هي أحد معالم الدبلوماسية الأميركية منذ صعود واشنطن كقوة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية".

ويستحضر ميخائيل مقولة للرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون حين اعتبر أن "المبعوث إلى باريس ولندن يجب أن يكون رجلاً ثرياً ليجاري صيحات الأزياء ويختلط بنخب تلك المجتمعات المخملية".

ويضيف: "هذه التعيينات السياسية قد تكون هشة للغاية؛ فكثير من هؤلاء المبعوثين قد يكونون على جهل تام بالدول التي يُرسلون إليها وبطبيعة قضاياها المعقدة. قد تطفو شبهات الفساد وتداخل المصالح، لكنها تظل في النهاية نوعاً من المكافآت السياسية لمن يدورون في فلك الرئيس".

ويتابع: "هذا الواقع يعزز فكرة (إبرام الصفقات - To strike a deal) كمهمة أساسية لهؤلاء المبعوثين، غير أن النجاح في حسمها قد يظل بعيد المنال في ظل تشابكات الشرق الأوسط المعقدة. تتداخل المصالح العائلية والعرقية أحياناً كما فعل ريغان سابقاً بتعيين سكرتيرته نمساوية الأصل سفيرة في فيينا".

ويشير إلى أن "الخطر يكمن في تغليب منطق الصفقات على دراسة ملفات المنطقة بعمق، وهو ما جعل خبراء وشخصيات بارزة ترفض مناصب دبلوماسية مؤخراً خشية الظهور بمظهر المتكسبين من نفوذهم".

في المقابل، تدق مراكز الأبحاث ناقوس الخطر إزاء التداعيات المباشرة لهذا النهج على مصداقية واشنطن الإقليمية. وفي هذا السياق، يؤكد الباحث في المركز العربي بواشنطن، رضوان زيادة، لوكالة شفق نيوز، وجود أزمة حقيقية في الفصل بين العام والخاص.

ويوضح: "هناك تمييز قانوني واضح في أميركا بين المصلحة العامة (Public interest) والمصالح الشخصية (Private interest)، وسلسلة طويلة من القوانين الفيدرالية التي تحارب تضارب المصالح (Conflict of interest)، لكن الإدارة الحالية لا تتعامل مع هذا المبدأ بالحزم والجدية اللازمين".

ويشير زيادة إلى أن هذا التساهل "أثر بشكل بالغ السلبية على قدرة الإدارة ومصداقيتها في مكافحة الفساد داخل دول العالم الثالث، وبشكل خاص دول الشرق الأوسط".

ويشدد على دور الكونغرس الرقابي قائلاً: "ثمة دور محوري للكونغرس عند جلسات تثبيت وتأكيد تعيين السفراء والمبعوثين لمنع أي شبهات فساد مقنّعة".

لكن زيادة يرمي بجزء كبير من المسؤولية على كاهل دول المنطقة، مؤكداً: "هذا لا يعفي دول الشرق الأوسط من مسؤولية تقوية مؤسساتها وتحصينها لمنع اختراقها. غير أن الواقع المأساوي يكمن في غياب المؤسساتية في بلداننا؛ حيث تبرم أغلب الصفقات بالتراضي وخلف الأبواب المغلقة بعيداً عن أي معايير للشفافية، مما يجعلها بيئة رخوة تستجيب بسهولة لمنطق الصفقات الخارجية الخاصة".