شفق نيوز- بغداد

في وقت كانت فيه صالونات التجميل النسائية تُعد من أكثر المشاريع ربحية في بغداد، باتت اليوم تواجه واقعاً مختلفاً عنوانه تراجع الإقبال وارتفاع التكاليف.

فبين أسعار المواد المستوردة التي تواصل الصعود، والإيجارات المرتفعة، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، وجدت عشرات صاحبات الصالونات أنفسهن أمام خيارين أحلاهما مرّ وهما الاستمرار بخسائر متراكمة أو إغلاق الأبواب والبحث عن بدائل.

بينما تزدحم المراكز في مواسم الأعراس والمناسبات، تعيش معظم أيام السنة حالة من الركود دفعت كثيراً من العاملات إلى ترك مشاريعهن الخاصة والعمل بأجر أو بنظام استئجار الكراسي داخل المراكز الكبيرة.

قصص من الواقع

الشابة مروة خالد، (25 عاماً) تركت العمل في صالونها الخاص، واتجهت للعمل في أحد مراكز التجميل الكبيرة بسبب ضعف الإقبال على صالونها، الذي لم يعد، بحسب قولها، يغطي نفقات الإيجار والكهرباء والخدمات الأخرى.

وقالت مروة خالد، لوكالة شفق نيوز، إن "أسعار المواد الأولية ارتفعت بشكل كبير، كما ارتفعت الإيجارات إلى حد لم يعد بإمكاني معه الاستمرار في العمل وتحمل النفقات".

وأضافت أن "العاملة الوحيدة التي بقيت في المحل لا تقبل بأجر يقل عن 25 ألف دينار يومياً، ومع انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين لم أعد قادرة على توفير هذه التكاليف"، مبينة أنه "لا يمكن رفع أجور الحلاقة على الزبائن لأن ذلك سيدفعهم إلى العزوف عن ارتياد الصالون".

وأوضحت خالد، أن استخدام منتجات متوسطة الجودة ليس خياراً مناسباً، لأن النتائج قد لا تكون مرضية للزبونات، ما ينعكس سلباً على سمعة المحل ويؤدي إلى فقدان الزبائن، لذلك فضلت إغلاق صالونها الخاص تجنباً للخسائر المالية.

وتابعت: "أعمل حالياً في مركز تجميل كبير بطريقة أكثر راحة"، موضحة أنها تعتمد على صفحتها في مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لخدماتها والتواصل مع زبوناتها السابقات ودعوتهن إلى زيارة مكان عملها الجديد.

وأشارت إلى أن العمل في المركز يتم عبر استئجار كرسي حلاقة من صاحب المركز، وهو ما يتيح لها الحصول على حصتها الصافية من الأرباح نهاية كل شهر دون تحمل أعباء الإيجار والكهرباء ومستحقات النقابة ومتطلبات السلامة، إذ تقع هذه المسؤوليات على عاتق صاحب المركز.

لكن هذه الخطوة لم تحقق النجاح الكامل، إذ اصطدمت مروة بانخفاض أعداد الزبائن الوافدين إلى المركز مقارنة بالسنوات السابقة.

وتصف مروة، حركة الإقبال على مراكز التجميل بأنها "راكدة"، موضحة أن العمل أصبح محدوداً جداً، وأن عدد الزبونات لا يتجاوز في كثير من الأيام زبونة أو اثنتين لإجراء خدمات بسيطة مثل السشوار أو تنظيف البشرة.

وترى أن ارتفاع الأسعار هو السبب الرئيس وراء عزوف النساء عن زيارة صالونات التجميل، مشيرة إلى أن سعر تصفيف الشعر بالسشوار الذي لا يتجاوز 10 آلاف دينار في المناطق الشعبية، يصل في الأحياء الراقية إلى 50 ألف دينار للشعر القصير، و60 ألف دينار للشعر المتوسط، و70 ألف دينار للشعر الطويل.

وشهدت أجور خدمات التجميل ارتفاعاً ملحوظاً بالتزامن مع زيادة أسعار المواد الأولية، ما انعكس سلباً على عمل الكوافيرات وخبيرات التجميل.

الركود يسيطر على السوق

في حين، قال اللبناني دريد سعيد، صاحب مركز تجميل، إن "تكاليف المواد الخام، مثل مستحضرات التجميل وأجهزة البروتين وأدوات العناية، ارتفعت بشكل ملحوظ، ما دفع أصحاب المراكز والصالونات إلى زيادة الأسعار، الأمر الذي أدى إلى تراجع أعداد الزبائن".

ولفت إلى أن ازدياد أعداد الصالونات والمراكز وانتشارها في مختلف مناطق بغداد، ولا سيما الأحياء الراقية مثل المنصور، أسهم أيضاً في تراجع أعداد الزبائن، خصوصاً مع تقديم بعض المراكز عروضاً ترويجية لجذب الزبائن.

وأكد أن الإقبال، على مركزه أصبح ضعيفاً للغاية، وأن نشاطه يقتصر حالياً على الحجوزات الخاصة بالمناسبات والأعراس، فيما تكاد الحركة تنعدم خلال بقية أيام السنة.

وتابع سعيد، حديثه قائلاً إن "أسعار المواد الأولية ارتفعت تبعاً لارتفاع سعر الدولار، كون معظم هذه المواد مستوردة"، لافتاً إلى أن "الأسعار الحالية أصبحت تفوق قدرة الكثير من العائلات، التي باتت تفضل توجيه إنفاقها نحو الاحتياجات الأساسية بدلاً من الكماليات".

ووفق استطلاع أجرته مراسلة شفق نيوز، في عدد من مراكز التجميل، تبين أن نحو 70% من الزبونات يقتصر إنفاقهن على خدمات بسيطة لا تتجاوز كلفتها 25 ألف دينار، بسبب شح السيولة النقدية.

إلى ذلك، أوضحت المواطنة كوثر صالح، التي كانت تنتظر دورها في أحد مراكز التجميل، أن "صبغ الشعر لا يقل سعره عن 200 ألف دينار، وهو مبلغ قد يعادل ربع راتب الموظف أو أكثر"، مؤكدة أن "الإنفاق على الكماليات أصبح أمراً صعباً في الوقت الحالي".

وبحسب حديثها فإنها تلجأ إلى شراء أصباغ الشعر من الأسواق واستخدامها بنفسها لتقليل النفقات، مضيفة أن معظم النساء والفتيات أصبحن لا يرتدن الصالونات إلا في المناسبات والأعراس والحفلات.

وتابعت: "في السابق كانت العروس تصطحب معها عدداً من قريباتها وصديقاتها إلى الصالون، أما اليوم فأصبحت تكتفي بنفسها بسبب ارتفاع الأسعار".

متابعة نقابية

من جانبها، تؤكد نقابة الحلاقين والمزينين في بغداد أنها تتابع ملف ارتفاع أسعار خدمات التجميل، إضافة إلى تأثير ازدياد أعداد المراكز الجديدة على استمرار عمل المراكز الأخرى.

وقالت مسؤولة الشؤون المالية في النقابة، إخلاص فاضل، لوكالة شفق نيوز، إن "النقابة لا تتقاضى أي رسوم أو أجور من أصحاب مراكز التجميل والصالونات".

ووفقاً لفاضل، فإن النقابة على علم بالتحديات التي تواجه القطاع، والتي أدت إلى إغلاق عدد من الصالونات والمراكز، مؤكدة أنها تسعى إلى حماية العاملين والعاملات من البطالة عبر التواصل مع أصحاب المراكز وإيجاد بدائل مناسبة قدر الإمكان.

واستطردت في قولها إن "العديد من صاحبات الصالونات أغلقن محالهن واتجهن إلى العمل داخل المراكز الكبيرة بنظام استئجار الكراسي أو الحصول على نسبة من الأرباح"، موضحة أن "الأزمة الاقتصادية دفعت شريحة واسعة من المواطنين إلى الاستغناء عن الكماليات والتركيز على الاحتياجات الأساسية، على عكس السنوات السابقة التي شهدت مستويات إنفاق أعلى وإقبالاً أكبر على خدمات التجميل".

كما أكدت أن النقابة تتبنى الدفاع عن أصحاب المراكز والصالونات في ما يتعلق بجباية الماء والكهرباء والخدمات الأساسية إذا كانت الرسوم المفروضة تخالف المبالغ المثبتة في الوصولات الرسمية.

وبسبب تراجع النشاط، بات بعض أصحاب المراكز يفرضون إجازات ليومين أسبوعياً على العاملين بهدف تقليل النفقات الشهرية، في ظل انخفاض الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل.