شفق نيوز- النجف

بين دخان النفايات وروائحها الخانقة، ينحني أطفال صغار فوق أكوام الطمر لا يبحثون عن لعبٍ مفقودة، بل عن فرصةٍ عابرة تمنحهم بعضاً من الحياة. وبينما تمتد أيديهم في النبش، تبرز أحياناً كتب مدرسية مهملة، يلتقطها أحدهم بفضولٍ خجول، يقلب صفحاتها سريعاً، متوقفاً عند الصور التي تختصر له عالماً لم يُتح له أن يدخله يوماً.

الأحلام هنا لا تبدو كبيرة أو بعيدة، فحلم أحدهم لا يتجاوز غرفة هادئة وكتاباً يستطيع قراءته دون خوف أو خجل. وفي هذا المكان تتحول الكتب من وسيلة للتعلم إلى شاهدٍ صامت على أطفالٍ دفعتهم الحاجة من مقاعد الدراسة إلى مكبّات النفايات. 

أحلام بسيطة

ويقول باسم صباح لوكالة شفق نيوز: "أكثر ما يؤلمني ليس التعب ولا الغبار، بل اللحظة التي أعثر فيها أثناء النبش على كتبٍ مدرسية. أفتحها بحذر، أتأمل الكتابة، ثم أسرع في تقليب الصفحات التي لا تحتوي صوراً.. لا أريد أن أُحرج نفسي لأنني لا أفهم ما كُتب فيها. أتوقف طويلاً عند الصفحات الملوّنة، حيث تخبرني الصور بما عجزت الكلمات عن قوله".  

ويضيف صباح: "أحلامي بسيطة جداً، مجرد طفل يجلس في غرفة هادئة يقرأ كتاباً وتحيط به وسائل الراحة التي لم أعرفها يوماً". 

ويوضّح، أن "العمل في الطمر الصحي لم يكن خياراً شخصياً، بل نتيجة ظروف معيشية صعبة". 

ويشير صباح إلى أن "والده لم يعد قادراً على تحمّل أعباء الحياة وحده"، مستطرداً: "والدي يشعر بالألم على مستقبلنا، والدليل أنه يسلك بنا طريقاً بعيداً عن طرق الطلبة إلى المدرسة حتى لا نتألم عندما نرى أقراننا وهم ذاهبون للدراسة".

أما جمال محسن، فلم تكن أحلامه معقدة أو بعيدة المنال، إذ يتمنى فقط أن يستيقظ صباحاً، يحمل حقيبته المدرسية ويسير مع أصدقائه نحو المدرسة. حلمٌ بسيط لطفلٍ أراد أن يكمل دراسته ليصبح يوماً شخصاً نافعاً يخدم بلده وأهله، بدلاً من أن تبدأ أيامه بين النفايات بحثاً عمّا يسدّ رمق العيش.

ويقول محسن لوكالة شفق نيوز، إن "الدراسة حلم كل طفل أو شاب يريد مستقبلاً أفضل وحياة كريمة. عملنا صعب، لكنه عمل بلا كذب أو احتيال، نجمع ما يمكن الاستفادة منه من النفايات ويُباع بالكيلو للمستفيدين".

العودة

وفي قصة مختلفة، يروي الشاب النجفي حسين جاسم (21 عاماً)، رحلة العودة إلى التعليم بعد سنوات من الانقطاع.

ومنذ صغره اعتاد حسين مرافقة والده إلى الأرض الزراعية، حيث كانت زيارات الحقل مساحة للعب أكثر من كونها عملاً يومياً، فيما قضى طفولته بين المواشي وأجواء الريف البسيطة.

التحق بالمدرسة كبقية أقرانه، إلا أن ظروف الحياة وصعوبات الدراسة أدت إلى رسوبه في الصفين الرابع والخامس الابتدائي، ما دفعه إلى ترك الدراسة والتوجه نحو الزراعة وتربية الحيوانات حتى بلوغه سن الثامنة عشرة.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعته عبر الهاتف المحمول لحياة العمل في المدن، بدأ حلم الاعتماد على النفس يكبر داخله، فقرر العمل في المدينة يومياً مع الاستمرار بالعودة إلى المزرعة. والتحق لاحقاً بالعمل في أحد المطاعم المطلة على نهر الفرات، حيث أظهر التزاماً ومهارة جعلت صاحب العمل يعتمد عليه في مهام عديدة.

ويقول جاسم لوكالة شفق نيوز: "كان حلمي أن أكمل دراستي وأصبح شخصاً يخدم بلدي وناسي، لكن الظروف لم تسر كما أردت".

ويؤكد جاسم: "رغم أن دخلي اليومي يساعد عائلتي، فإن حلم الدراسة ما زال يرافقني، لذلك قررت التقدم للامتحانات الخارجية أملاً في إكمال تعليمي، فالمشوار ما يزال طويلاً".

ويبيّن: "تجربة العمل جعلتني أدرك قيمة التعليم أكثر، وأشعر بأهمية القراءة والكتابة عندما ألتقي بعمال لا يجيدونها".

ويوضح حسين، أن "جميع إخوته حصلوا على شهادات البكالوريوس والماجستير"، معتبراً ذلك مصدر فخر للعائلة رغم الصعوبات التي تواجه أبناء القرى والأرياف في مواصلة التعليم.

حلم مؤجل

من جانبه، يشير كاظم ناجي، إلى إكمال دراسته حتى الصف الخامس الابتدائي قبل أن يتركها بسبب الظروف المعيشية الصعبة.

ويقول ناجي لوكالة شفق نيوز: عائلتي تحتاج إلى المال لتأمين قوتنا اليومي، لكنني الحمد لله أجيد القراءة والكتابة، وحلمي ما زال قائماً بالعودة إلى الدراسة إذا تحسن وضعنا المادي. 

أما أبو سيف، الذي يعيل عائلة مكوّنة من 11 فرداً، فيعمل مع بعض أبنائه في الطمر الصحي منذ أكثر من عشر سنوات. 

ويقول: نصحت أولادي بترك الدراسة والعمل لكي نعيش بشكل أفضل، فالمصاريف كبيرة والالتزامات كثيرة. 

ويؤكد أبو سيف، أن "الظروف الاقتصادية أجبرته على هذا القرار رغم قلقه على مستقبل أبنائه".

ويشدد على أنه "حاول تعليمهم أساسيات القراءة والكتابة في المنزل بعد أن عثر على سبورة بين النفايات وأخذها إلى البيت ليبدأ بتعليمهم الحروف العربية".

ويتابع أبو سيف: "أعاني كثيراً عندما أفكر بمستقبل أولادي وعدم إكمالهم الدراسة، لكن الظروف أقوى منا. لدينا 11 فرداً وكلهم يحتاجون إلى متطلبات يومية لا يمكن تأمينها دون العمل". 

عوامل عدّة لترك الدراسة 

أسباب ترك الدراسة لدى بعض الطلبة تعود إلى مجموعة من العوامل الاجتماعية والتربوية والاقتصادية، أبرزها تعرض الطلبة للتنمر من قبل أقرانهم داخل المدرسة، إضافة إلى المشكلات الأسرية والظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها بعض العائلات، بحسب ما يؤكده رئيس قسم العلوم التربوية والنفسية في كلية التربية للبنات جامعة الكوفة الدكتور عدنان عبد الخفاجي. 

ويقول الخفاجي لوكالة شفق نيوز، إن ضعف المستوى الدراسي لدى الطالب وقلة التزامه بالحضور والمتابعة التعليمية يسهمان أيضاً في زيادة حالات التسرب، فضلاً عن تأثير رفاق السوء الذين يعانون مشكلات نفسية وتربوية أو عدم اهتمام بالدراسة، ما يدفع بعض الطلبة إلى تقليدهم وترك التعليم.

ويضيف، أن بعض أولياء الأمور يضطرون إلى تشجيع أبنائهم على ترك الدراسة بسبب الظروف المعيشية القاسية وانعدام مصدر الدخل الكافي، الأمر الذي يدفع الطلبة إلى العمل مبكراً لمساعدة أسرهم.

كما يبيّن الخفاجي، أن ضعف الحالة المادية تلعب دوراً مهماً في التسرب الدراسي، إذ يشعر بعض الطلبة بالحرج نتيجة عدم قدرتهم على شراء الملابس المناسبة أو المشاركة في النشاطات والسفرات المدرسية، ما يؤدي إلى فقدان الدافعية والاستمرار في ترك مقاعد الدراسية.

أما مدير قسم محو الأمية والتعليم المسرّع في مديرية تربية محافظة النجف أحمد الموسوي، فيقول لوكالة شفق نيوز، إن المديرية تضم حالياً 30 مدرسة للتعليم المسرّع و28 مركزاً لمحو الأمية، تحتضن مئات الدارسين والدارسات من مختلف الفئات العمرية.

ويضيف الموسوي، أن الدراسة في مراكز محو الأمية تُعد طوعية بالنسبة للمواطنين، فيما تكون إلزامية لبعض الموظفين وفق التعليمات الإدارية، مبيناً أن هذه المراكز تستقبل جميع الأعمار الراغبة في التعلم واستكمال مسيرتهم التعليمية.

وبين قصص أطفال الطمر الصحي ومحاولة شبان للعودة إلى مقاعد الدراسة، تبقى التعليمات المؤجلة والأحلام الصغيرة شاهداً على واقعٍ اجتماعي واقتصادي يدفع الكثيرين إلى اختيار العمل مبكراً على حساب حقهم الأساسي في التعليم.