شفق نيوز- بغداد
عاد الحديث مجدداً عن مشروع حذف الأصفار من الدينار العراقي، بعد سنوات من بقائه قيد الدراسة، وسط أزمة سيولة تواجه الحكومة وضغوط على تمويل النفقات والرواتب، وفي ظل نقاش أوسع بشأن الأموال المنهوبة وحجم الكتلة النقدية المتداولة خارج الجهاز المصرفي.
ويرى مؤيدون أن إعادة تسمية العملة قد تبسط التعاملات وتساعد على تنظيم النقد، فيما يحذر اقتصاديون من تحويلها إلى علاج لأزمة مالية لا تعالجها الأرقام الجديدة.
وأثار وزير الاتصالات العراقي، مصطفى سند، أمس السبت، جدلاً واسعاً بعدما كشف عن قرار حكومي يتعلق بحذف الأصفار أو تغيير العملة، رابطاً الخطوة بمشكلة الأموال المنهوبة من الدولة، والتي قدرها بنحو 8 تريليونات دينار، في محاولة لجعل تلك الأموال عديمة الفائدة عند الانتقال إلى العملة الجديدة.
لكن التصريح جاء بعدما نفى المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، في 22 حزيران/ يونيو 2026، وجود أي توجه أو نية حكومية لتغيير العملة الوطنية أو حذف ثلاثة أصفار من الدينار العراقي، مؤكداً أن الأنباء المتداولة بهذا الشأن عارية عن الصحة ولا تستند إلى أي قرارات رسمية.
ويعود مشروع حذف ثلاثة أصفار إلى سنوات طويلة، إذ بدأ البنك المركزي دراسة الفكرة منذ عام 2007، وقال محافظه السابق علي العلاق في 2024 إن المشروع "ما يزال قائماً"، من دون تحديد موعد لتنفيذه.
لكن الملف عاد بقوة في آب/ أغسطس الجاري، مع حديث نيابي عن إدراج "قانون حذف الأصفار" ضمن حزمة إجراءات اقتصادية، ثم طرح خيارات أخرى تشمل تغيير العملة أو إصدار فئات جديدة.
توقيت الحذف
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشأن الاقتصادي، أحمد عيد، أن طرح المشروع في الوقت الحالي "غير مناسب اقتصادياً"، لأن العراق يواجه ضغوطاً مالية ونقصاً في السيولة وارتفاعاً في الالتزامات الحكومية، بينما ينبغي أن تكون الأولوية لمعالجة أسباب الأزمة وليس تغيير الشكل الاسمي للعملة.
ويقول عيد لوكالة شفق نيوز، إن حذف الأصفار "لا يوفر سيولة جديدة ولا يمول الرواتب ولا يخفض العجز والدين العام"، كما لا يرفع القوة الشرائية للمواطن أو القيمة الحقيقية للدينار.
"فلو جرى حذف ثلاثة أصفار، فإن 1000 دينار قديم سيصبح ديناراً جديداً، وستعاد تسمية الرواتب والأسعار والمدخرات والديون والعقود بالنسبة نفسها، من دون أن تتغير الثروة الحقيقية"، بحسب عيد.
ويحذر الاقتصادي من أن التوقيت قد يفاقم المخاطر، خصوصاً في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التعامل النقدي، مع ضعف الثقافة المالية والرقابة على الأسواق، ما قد يفتح الباب أمام تقريب الأسعار إلى الأعلى والمضاربة والارتباك في العقود والمدخرات والمعاملات.
ويؤكد أن الاعتراض "ليس على مبدأ حذف الأصفار" باعتباره أداة نقدية يمكن استخدامها في ظروف مناسبة، وإنما على ربطه بالأزمة المالية الحالية، لأن تغيير الأرقام لا يعالج الاختلالات الحقيقية في الاقتصاد.
آلية حذف الأصفار
من جهته، يقول عضو رابطة المصارف العراقية، سلام زيدان، إن الوظيفة الأساسية لحذف الأصفار هي تقليل عدد الأرقام وتسهيل الحسابات؛ فبدلاً من أن تُقر الموازنة بأرقام تبلغ تريليونات الدنانير، تصبح بمليارات، والراتب الذي يبلغ مليون دينار، على سبيل المثال، يصبح 100 ألف من الوحدة الجديدة إذا كان الحذف يقتصر على صفر واحد في المثال، أو ألفاً عند حذف ثلاثة أصفار.
ويشدد زيدان خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، على أن العملية "لن تعالج أي اختلالات في الاقتصاد"، مشيراً إلى أن من يملك أموالاً غير مشروعة قد يحولها قبل الاستبدال إلى الذهب والفضة والعقارات أو الدولار، وهي أصول يمكن تداولها في السوق الموازية، ما يحد من قدرة تغيير الأوراق النقدية وحده على كشف الأموال الفاسدة.
ومن الناحية العملية، سيحتاج أي مشروع إلى طباعة أوراق جديدة وتحديث أنظمة المصارف والصراف الآلي والدفع الإلكتروني والحسابات الحكومية والشركات، فضلاً عن تحديد فترة للتعامل بالعملتين وتوضيح الأسعار والعقود والرواتب للناس.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز حقيقة الأزمة المالية التي يأتي الحديث عن حذف الأصفار في سياقها، إذ يقول المختص في الشأن المالي والمصرفي، مصطفى حنتوش، إن الإنفاق الحالي يجري وفق قاعدة 1/12 من المصروف الفعلي للسنة السابقة، بما يتيح الإنفاق ضمن سقف يقارب 152 تريليون دينار من سنة 2025، إلا أن الوصول إلى هذا المستوى من الإنفاق سيكون صعباً في ظل الإيرادات الحالية.
ويضيف حنتوش لوكالة شفق نيوز، أن الحكومة تسعى إلى الضبط المالي وحصر الصرف في النفقات الأساسية والحاكمة، مع الاستعانة بالدين عبر البنك المركزي وخصم الحوالات لتغطية عجز يقدره بنحو 6 تريليونات دينار شهرياً، في ظل انخفاض حاد في الإيرادات النفطية، بسبب تداعيات إغلاق مضيق هرمز.
ويعتمد العراق على النفط لتوفير النسبة الأكبر من إيرادات الموازنة، ما يجعل المالية العامة شديدة التأثر بتراجع الصادرات أو انخفاض الأسعار.
ولهذا يرى خبراء أن إصلاح الإنفاق وتنويع الإيرادات وتنشيط القطاعات الإنتاجية والمصرفية أكثر تأثيراً في استقرار الدينار من تغيير وحدته الحسابية.
أهداف ومخاطر الحذف
وقد تكون لحذف الأصفار أهداف أخرى تتصل بمستقبل العملة وحجم الأموال المتداولة في السوق، حيث يرى الخبير الاقتصادي، كريم الحلو، أن الأصفار الثلاثة ارتبطت تاريخياً بفترة الحروب والعقوبات، وأن مشروع حذفها طُرح سابقاً، بما في ذلك خلال ولاية نوري المالكي، لكنه لم يُنفذ.
ويعتقد الحلو خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن طباعة عملة جديدة قد تستهدف إعطاء "قوة جديدة" للعملة، إلى جانب محاولة كشف الأموال الموجودة في السوق، لكنه يقر بأن جزءاً كبيراً من أموال المتهمين بالسرقة قد يكون موجوداً في صورة ذهب ودولار وعقارات، وليس نقداً عراقياً.
ويحذر من أن مطالبة المواطنين بإثبات مصدر أموالهم عند تسليم العملة القديمة قد تخلق اضطراباً واسعاً إذا لم توضع آليات دقيقة، قائلاً إن السوق قد يتوقف في حال تطبيق الإجراءات بصورة مفاجئة.
ومع ذلك، يرى الاقتصادي أن القرار قد يصبح حتمياً رغم صعوباته، وأن نجاحه يمكن أن يعزز قوة الدينار.
وتتوافق هذه الرؤية مع مقترحات طُرحت أخيراً لإعادة جزء من النقد الموجود خارج المصارف إلى الجهاز المصرفي، فقد قُدرت الكتلة النقدية في إحدى الطروحات بنحو 113 تريليون دينار، منها نحو 106 تريليونات خارج المصارف، مع حديث عن استهداف سحب نحو 10 تريليونات دينار وإعادتها إلى الدورة المصرفية.
ولا تتوقف المخاوف عند الجانب المالي، ففي 2025 حذر خبراء من أن حذف الأصفار يحتاج إلى أشهر من التحضير، وضوابط مصرفية وأمنية ومراقبة للحدود والمطارات ومصادر الأموال، كما طالبوا بحماية القدرة الشرائية للموظفين وإطلاق حملات توعية.
وفي 2024 رأى خبراء أن المشروع يحتاج إلى استقرار في سعر الصرف واستقرار سياسي، فيما حذر آخرون من كلف طباعة العملة الجديدة ومخاطر التزوير وغسل الأموال والارتباك الاجتماعي.
وكان من بين المطالب آنذاك تعزيز القطاعات الإنتاجية، لأن قوة العملة لا تنشأ من عدد الأصفار، بل من اقتصاد قادر على إنتاج السلع والخدمات.