شفق نيوز- دمشق
في الجانب الشرقي من مدينة دمشق القديمة، وعلى بُعد خطوات من "باب شرقي"، تقع حارة اليهود بأزقتها الحجرية الضيقة وبيوتها الدمشقية ذات الأفنية الداخلية، والتي تقاوم غياب أصحابها.
هنا، بقيت الجدران والأبواب الخشبية التي تجاوز عمرها مئات السنين في مكانها، فيما رحلت الجالية التي سكنت الحي لقرون طويلة.
بين التاريخ والسياسة
لم تُصنَّف الحارة يوماً على أنها حيٌّ معزول، بل شكّلت جزءاً من منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة داخل المدينة القديمة.
وفي هذا السياق، يقول الباحث والمؤرخ خير الدين الأسدي، لوكالة شفق نيوز، إن "تقسيم دمشق القديمة إلى حارات للمسلمين والمسيحيين واليهود لم يكن يعني وجود حدود فاصلة بالمعنى الحديث، بل كان تنظيماً عمرانياً وإدارياً فرضته طبيعة المدن في تلك الحقبة، فيما بقيت الأسواق والمهن والعلاقات الاجتماعية تجمع السكان يومياً".
ويضيف الأسدي، أن الوجود اليهودي في دمشق يعود، وفق معظم الدراسات التاريخية، إلى ما قبل الميلاد، وتعزّز بعد السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، مبيناً أن الجالية الدمشقية امتلكت مدارس دينية، ومحاكم خاصة، وأوقافاً، وشبكات تجارية امتدت إلى بغداد والقاهرة وإسطنبول وحلب.
ومع احتلال فلسطين وإعلان اسرائيل عام 1948، وتصاعد التوترات بعد عام 1967، وصولاً إلى تسعينيات القرن الماضي، تقلص عدد أفراد الجالية من آلاف الأشخاص إلى عشرات فقط، لتفقد الحارة تدريجياً وظيفتها الاجتماعية.
حراك 2025 - 2026: عودة إلى الجذور؟
رغم هذا التقلص، شهدت الأشهر الأخيرة مؤشرات لافتة على عودة الاهتمام بالتراث اليهودي السوري، ففي شباط/فبراير 2025، زار الحاخام السوري السابق يوسف حمرا ونجله هنري دمشق للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود، لتفقد الكنس والأحياء التاريخية.
ومع حلول عام 2026، برزت مبادرات جديدة لإعادة بعض الممتلكات والمواقع الدينية إلى مؤسسات تمثل اليهود السوريين في المهجر، بالتوازي مع نقاشات لترميم الكنس وتشجيع الزيارات، فضلاً عن توفير الطعام اليهودي (الكوشر) للوفود القادمة من الخارج.
واليوم، وفي وقت تسعى فيه سوريا إلى استعادة حضورها على خريطة السياحة الثقافية، تبدو حارة اليهود أكثر من مجرد حي قديم؛ إنها سجلٌّ حيٌّ لمدينة تعاقبت عليها الحضارات، واحتفظت بملامحها حتى بعد غياب أصحابها.