شفق نيوز- بغداد
تأنقت الزوجة وألبست أطفالها أجمل ما لديهم، ثم ارتدت حليها واهتمت بطلاء أظافرها والخواتم التي تزين أصابعها، قبل أن تغادر المنزل برفقتهم، حيث كان الأب ينتظر داخل سيارته وهو يختار الأغاني المناسبة لجولة ليلية في شوارع المدينة.
ما إن تحركت السيارة حتى أخرجت الأم هاتفها، فالتقطت صورة مع زوجها وأخرى مع أطفالها، ثم صورت الطريق ويدها المتشابكة مع يد زوجها أثناء قيادته، قبل أن تنتقل إلى تسجيل عشرات المقاطع القصيرة على وقع الموسيقى، مرفقة بحركات تتناغم مع كلمات الأغاني.
لم تكن العائلة متجهة إلى مطعم أو متنزه أو مكان ترفيهي آخر، بل كانت الجولة نفسها هي الغاية، فيما تحولت السيارة إلى مساحة عائلية متنقلة تجمع الموسيقى والتصوير والحديث وتغيير أجواء المنزل.
تقول الزوجة رنا، البالغة من العمر 30 عاماً، إن التجول بالسيارة في شوارع المدينة أصبح عادة شبه يومية بالنسبة إلى أسرتها.
وتوضح لوكالة شفق نيوز أن "الالتزام بالذهاب إلى مكان محدد يستغرق وقتاً طويلاً، كما أنه لا يتيح لنا المرور بأكثر من منطقة، فضلاً عن أننا لا نثق دائماً بالمطاعم أو نوعية الطعام الذي تقدمه، لذلك نفضل غالباً التجول بالسيارة ومشاهدة المدينة، أو التوقف لشراء المرطبات والقهوة".
وتضيف أن الهاتف أسهم أيضاً في تقليص الزيارات العائلية التقليدية، موضحة أن "المكالمات مع الأقارب مستمرة، سواء بالصوت أو عبر الفيديو، وبعد يوم طويل من العمل والجهد لا يبقى وقت كافٍ لزيارة الأقارب أو التوجه إلى مكان محدد".
وتتابع "نتناول الطعام في المنزل، ثم نخرج بالسيارة ونستمع إلى الأغاني. بالنسبة إلينا، هذه الجولة أكثر متعة من الجلوس في مكان واحد وانتظار الطعام أو المشروبات، لذلك نشتري ما نريده ونأخذه معنا في السيارة".
وتستعيد رنا ذكريات طفولتها، قائلة إن "أجواء المنزل والعلاقة مع الجيران كانت تمثل المتعة الحقيقية عندما كنا صغاراً، لكن الزمن تغير، الأطفال اليوم يعتمدون على الألعاب الإلكترونية، والمنازل فقدت حدائقها، كما تراجعت الصلات بين الجيران".
وتخلص إلى أن "كل شيء تغير، واختفت كثير من التفاصيل التي كانت تمنحنا أو تمنح أهلنا المتعة سابقاً، لذلك أصبحت جولة السيارة المتنفس الجديد للعائلة".
وباتت هذه الظاهرة لافتة في العراق خلال السنوات الأخيرة على منصات التواصل الاجتماعي، ولاسيما عبر مقاطع "الريلز"، التي امتلأت بصور وفيديوهات لعائلات وشبان يتجولون بسياراتهم داخل المدن، حتى غدت كل نزهة تقريباً مادة محتملة للوصول إلى صفحة "الاكسبلور".
وقبل جيلين فقط، كانت حديقة المنزل وزيارات الأقارب والشوارع التجارية تمثل أبرز أشكال الترفيه العائلي، فيما بقيت السيارة وسيلة للوصول إلى الوجهة، لا أن تصبح هي الوجهة نفسها كما يحدث اليوم.
ويرى باحثون اجتماعيون ونفسيون أن هذا التحول لا يرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي وحدها، بل يعكس تغيراً أوسع في شكل المدن وأنماط الحياة ومساحات الأمان والترفيه المتاحة أمام العائلات.
وتقول الباحثة الاجتماعية لاهاي عبد الحسين لوكالة شفق نيوز، إن مفاهيم المتعة والترفيه بعد يوم طويل من ضغوط العمل تغيرت بصورة كبيرة لدى الرجال والنساء، بالتزامن مع تقلص المساحات التي كانت توفر للعائلة فرصة الاسترخاء وقضاء الوقت.
وتوضح أن حدائق المنازل اختفت تقريباً مع تقلص مساحات البيوت، فيما تراجعت الحدائق العامة والشوارع التجارية المفتوحة، وحلت محلها مراكز التسوق المغلقة المعروفة بـ"المولات".
وبحسب عبد الحسين، فإن انحسار أماكن الترفيه، إلى جانب التحرش الذي قد تتعرض له النساء وضعف الشعور بالأمان في بعض الشوارع، جعل السيارة واحدة من أهم الوسائل العائلية لقضاء الوقت بعيداً عن الاحتكاك المباشر والازدحام.
وفي بغداد على وجه الخصوص، أدى الانفتاح الكبير وانتشار المطاعم والمقاهي و"المولات" إلى تحولها في البداية إلى وجهات رئيسية للعائلات، قبل أن يفقد بعضها جاذبيته بسبب التكرار والازدحام وارتفاع الكلفة.
ويقول الباحث النفسي رحيم الزبيدي لوكالة شفق نيوز، إن بعض العائلات لم تعد تشعر بالمتعة نفسها عند زيارة المطاعم والمقاهي التي اعتادت ارتيادها، وبدأت تنظر إلى الخروج بالسيارة، ولاسيما ليلاً، باعتباره تجربة مختلفة وأكثر راحة.
ويشير إلى أن العديد من العائلات، وخاصة التي تضم عدداً كبيراً من الفتيات، لا تخرج كثيراً خلال النهار، فتنتظر عودة رب الأسرة من عمله مساءً، لتبدأ جولة هدفها كسر روتين المنزل وتغيير الأجواء.
وتزداد هذه الجولات خلال العطلة الصيفية، عندما يسهر الأطفال وأفراد الأسرة لساعات متأخرة، فيما تتيح لهم السيارة مشاهدة مناطق جديدة والتعرف بصرياً على تحولات المدينة والناس بعيداً عن الأماكن التقليدية التي زاروها مراراً.
ويلفت الزبيدي إلى أن الازدحام الشديد في المقاهي والحدائق يمثل عاملاً إضافياً، فالأماكن المتاحة محدودة في مقابل أعداد كبيرة من العائلات، ما يجعل الحصول على مساحة هادئة ومريحة أمراً صعباً.
وتعج العاصمة بغداد بمئات المطاعم والمقاهي التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة، واعتمد كثير منها على الديكورات الفخمة والزوايا المخصصة للتصوير والإطلالات الداخلية الجذابة، لاستقطاب الزبائن الراغبين في نشر الصور والمقاطع عبر منصات التواصل.
لكن هذه الوجهات التي شكلت في بدايات انتشارها الخيار الأول للعائلات، بدأت تواجه منافسة من نمط ترفيهي أبسط يتمثل في التجول بالسيارة، وشراء العصائر أو المثلجات، أو التوقف في مكان هادئ، فيما تكون الأركيلة حاضرة أحياناً داخل السيارة أو خلال الاستراحة.
وساهمت جائحة كورونا في تعزيز هذا التحول، بعد توسع خدمات توصيل الطعام واعتياد العائلات طلب الوجبات إلى منازلها بدلاً من الذهاب إلى المطاعم. وبذلك أصبح بإمكان الأسرة تناول الطعام في المنزل، ثم الخروج بجولة موسيقية أقل كلفة وأكثر خصوصية.
وترى الباحثة الاجتماعية ابتسام الشمري أن العامل الاقتصادي يؤدي دوراً أساسياً في انتشار الظاهرة، إذ بات تناول وجبة في أحد المطاعم مكلفاً حتى بالنسبة إلى العائلات ذات الدخل الجيد، ولاسيما عندما يكون عدد أفراد الأسرة كبيراً، بما يترتب عليه من فاتورة مرتفعة.
وتقول الشمري لوكالة شفق نيوز، إن امتلاك سيارة حديثة لا يعني بالضرورة القدرة أو الرغبة في تحمل نفقات المطاعم والمقاهي بصورة متكررة، ولذلك تلجأ بعض العائلات إلى شراء مشروب أو مثلجات وقضاء بقية الوقت في التجول.
وتضيف أن الخوف وضعف الشعور بالأمان في بعض الأماكن يدفعان العائلات إلى البقاء داخل سياراتها، ولا يقتصر القلق على الفتيات والنساء، بل يشمل الأطفال والفتيان أيضاً.
وتؤكد الشمري أن اختفاء مساحات الترفيه المفتوحة يمثل جوهر المشكلة، قائلة إن "بغداد أصبحت مدينة من العمارات العالية والجسور والمولات، فيما تراجعت الحدائق والمساحات التي يمكن للعائلة أن تقضي فيها وقتاً هادئاً".
وبين تراجع الحدائق وارتفاع كلفة المطاعم وازدحام المقاهي، لم تعد السيارة بالنسبة إلى كثير من العائلات مجرد وسيلة للوصول إلى مكان الترفيه، بل أصبحت هي المكان نفسه، بما توفره من خصوصية وموسيقى وحركة ومساحة لصناعة الصور والمقاطع.
وهكذا، تحول الطريق في جولات بغداد الليلية من مساحة عابرة بين المنزل والوجهة، إلى وجهة قائمة بذاتها، فيما أصبح الهاتف جزءاً أساسياً من الرحلة، يوثقها ويحولها في الوقت نفسه إلى مادة جديدة على صفحات "الاكسبلور" و"الريلز".