شفق نيوز- واشنطن/ مصطفى هاشم
بينما تتجه أنظار العالم إلى جنيف غدا الخميس، حيث تنطلق الجولة الثالثة من المفاوضات النووية بين واشنطن وطهران، يعيش الشرق الأوسط حالة من حبس الأنفاس.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الأطراف عن "آفاق جيدة" للحل، ترسم التحركات العسكرية وإجلاء الدبلوماسيين صورة لمواجهة قد لا يفصل بينها وبين الدبلوماسية سوى خيط رفيع.
وتأتي مغادرة الوفد الإيراني بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي إلى جنيف في لحظة فارقة، حيث حدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً زمنياً ينتهي مطلع آذار/ مارس المقبل للتوصل إلى اتفاق.
وأكد مسؤول في البيت الأبيض لوكالة شفق نيوز، أنه "لا يمكن لإيران أن تمتلك أسلحة نووية أو القدرة على بنائها، كما لا يمكنها تخصيب اليورانيوم".
هذا المطلب بـ "صفر تخصيب" يضع المفاوض الإيراني في زاوية حرجة، ويضع الوساطة العمانية في اختبار صعب لتجسير الفجوة مع طهران التي تصر على "حق التخصيب السلمي".
وعلى خلاف التوقعات التقليدية، يشير بيتر تانوس، رئيس شركة لينكس للاستشارات في واشنطن، إلى أن "الصقر" في الغرفة هذه المرة هو الرئيس نفسه وليس مستشاروه.
وفي هذا السياق، أكد نائب الرئيس الأميركي جيه.دي فانس، أن ترمب لا يزال يفضل "الحل الدبلوماسي"، مشددا في الوقت ذاته على الخط الأحمر الثابت: "لا يمكن لإيران أن تمتلك سلاحا نوويا".
من جانبه، يبدو الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان متفائلا بحذر، لافتا إلى محاولة بلاده بتوجيه من "المرشد الأعلى" للخروج من حالة "لا حرب ولا سلام".
غير أن هذا التفاؤل يقابله واقع ميداني مغاير، حيث تعزز الولايات المتحدة قدراتها العسكرية في المنطقة، بينما تهدد طهران بضرب القواعد الأمريكية ردا على أي هجوم.
لكن الخبير العسكري، مساعد وزيري الدفاع والخارجية الأميركيين سابقا، مارك كيميت قلل في حديثه لوكالة شفق نيوز، من قدرة إيران على إرباك واشنطن عبر "حروب المنطقة الرمادية".
وتأتي المحادثات الجديدة في جنيف في الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بحشد أسطول على مسافة قريبة من إيران، يضم حاملة الطائرات إبراهام لينكولن ومجموعتها الهجومية.
كما تتجه حاملة الطائرات جيرالد آر. فورد والمجموعة المرافقة لها إلى المنطقة. ويمكن للسفينتين معا حمل أكثر من 5000 فرد و150 طائرة.
ويشير كيميت إلى أن التحركات الأميركية ليست وليدة الصدفة، و"من المستبعد تماما أن تضع واشنطن نفسها في وضع قتالي داخل المضيق أو الخليج العربي إذا كان هناك خطر حقيقي يهدد بنجاح الهجمات الإيرانية غير المتكافئة. هذا يعني أن الوجود العسكري الأمريكي مدعوم بشبكة دفاعية تجعل من رهانات طهران على "عنصر المفاجأة" أو "الأسراب الانتحارية" رهانات خاسرة عسكريا".
ويرى تانوس، أنه مع الحشد العسكري الهائل في المنطقة والتكاليف الباهظة لهذه التحركات، يبدو التراجع أو إيجاد مخرج سياسي أمرا مستبعدا في الوقت الراهن.
ويعتقد تانوس أن ترمب يميل نحو توجيه ضربة محدودة ضد أهداف استراتيجية داخل إيران، والهدف هو إيصال رسالة مفادها أن عدم سير المفاوضات بالشكل المطلوب سيتبعه ضربة أوسع وأكثر شمولا.
في المقابل، يرى تانوس أن طهران لن تستسلم بسهولة؛ لأن الرضوخ التام للمطالب الأمريكية يعني "نهاية النظام"، وهو ما يجعل آفاق الحل الدبلوماسي غير مشجعة حتى اللحظة.
إسرائيل والصواريخ الباليستية
لكن مدير برنامج إيران في معهد واشنطن سيسات الشرق الأدنى، باتريك كلاوسون يكشف في حديثه مع شفق نيوز، عن ثغرة قد تنسف أي اتفاق دبلوماسي، وهي "ملف الصواريخ الباليستية".
فبينما يركز المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في مفاوضاتهم مع عراقجي على الملف النووي، تظل إسرائيل تراقب الترسانة الصاروخية بقلق.
ويحذر كلاوسون من أن "إسرائيل قد تقرر التحرك منفردة لضرب إيران إذا رأت أن أي اتفاق نووي يتجاهل خطر الصواريخ، وهو المسار الأكثر ترجيحا لاندلاع حرب شاملة".
أما بخصوص استنزاف القواعد الأميركية عبر الوكلاء، فيؤكد كيميت أن واشنطن أثبتت، على مدار سنوات طويلة، قدرتها الفائقة على حماية قواعدها من الهجمات التقليدية أو تلك التي تشنها المليشيات الموالية لإيران.
ويرى أن إجراءات "حماية القوة" التي اتخذتها القيادة المركزية قد وصلت بالفعل إلى مستويات كفيلة بصد أي تهديد، مما يقلل من جدوى استراتيجية "حروب الوكالة" في إحداث تغيير استراتيجي على الأرض.
"مرونة" ترامب واحتمالات الحرب
حول شخصية الرئيس وقرار الحرب، يرى كلاوسون أن كل الخيارات المطروحة حاليا "سيئة"، وعندما تسوء الخيارات، يصعب التنبؤ بما سيفعله كل طرف.
ومع ذلك، يصف كلاوسون الرئيس بأنه "مرن بشكل ملحوظ"؛ فهو قادر على استخدام القوة العسكرية (كما فعل مع الحوثيين) وقادر أيضاً على "إعلان النصر" حتى لو لم تتحقق كامل الأهداف.
وردا على سؤال عما إذا كان يريد تغيير النظام في إيران، أجاب ترمب قبل أسبوعين بأن ذلك "يبدو أنه سيكون أفضل شيء يمكن أن يحدث". ورفض الكشف عن من يريد أن يتولى الحكم في إيران، لكنه قال "هناك أشخاص".
وبينما تحلم واشنطن بـ "بديل" للنظام، يقر كلاوسون بأن هذا الاحتمال صعب التخيل حالياً. لذا، تتبنى الإدارة هدفاً أكثر واقعية وهو: "إيران ضعيفة". إيران غير قادرة على بناء الصواريخ أو تطوير برنامج نووي خطير، هو السيناريو الأكثر قابلية للتحقيق من فكرة "تغيير النظام" الشاملة.
ويوضح كلاوسون أن واشنطن تدرك خطورة "انهيار الدولة" في إيران؛ فسيناريو يشبه الحرب السورية قد يؤدي لملايين اللاجئين وفوضى تضرب حلفاء أمريكا. لذا، فإن استراتيجية "إيران الضعيفة" التي تفتقر للقدرة الصاروخية والنووية تبدو هدفاً أكثر واقعية من "إيران بلا نظام".