شفق نيوز- بغداد/ بابل
تقع مدينة جرف النصر، أو جرف الصخر سابقاً، شمال محافظة بابل على مسافة نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي بغداد، وشمال قضاء المسيب بنحو 13 كيلومتراً.
وهي منطقة زراعية ذات طبيعة جغرافية معقدة، تتخللها البساتين والمبازل والمسطحات المائية، وتكتسب أهمية استراتيجية بحكم وقوعها على طرق تربط بغداد بوسط وجنوب العراق، ومنها بابل وكربلاء والنجف، فضلاً عن قربها من طرق الأنبار.
لكن أهمية الجرف لا تكمن في موقعها وحده، فمنذ عام 2014 تحولت المنطقة من ساحة قتال بين تنظيم "داعش" والقوات العراقية إلى واحد من أكثر الملفات الأمنية والسياسية تعقيداً في العراق؛ فقد نزح سكانها، ولم تعد القوات الحكومية إلى قلبها، فيما بقيت فصائل مسلحة من الحشد الشعبي صاحبة النفوذ الميداني فيها.
وتراكمت على مدى السنوات اتهامات وتقارير عن وجود مخازن أسلحة ومنشآت عسكرية ومراكز تدريب، وصولاً إلى تقارير تحدثت عن احتمال استخدامها في تصنيع الصواريخ والمسيّرات، وهو ما زاد من الغموض المحيط بالمنطقة وجعل ملفها يتجاوز قضية عودة النازحين إلى أبعاد أمنية وسياسية أوسع.
وفي المقابل، تقول شخصيات سياسية ومحلية إن جوهر القضية أمني، وإن المنطقة كانت من أخطر بؤر نشاط التنظيمات المسلحة قبل 2014، وإن عودة السكان لا يمكن أن تتم قبل إزالة الألغام والمخلفات الحربية وإجراء التدقيق الأمني.
"مثلث الموت"
ولم تبدأ مشكلة جرف الصخر مع تنظيم "داعش"، فقد كانت المنطقة، وفق روايات أمنية وسياسية، جزءاً من بيئة شهدت نشاطاً لتنظيم القاعدة وجماعات مسلحة منذ السنوات الأولى التي أعقبت سقوط النظام العراقي عام 2003، واستفادت تلك الجماعات من طبيعة المنطقة الزراعية المعقدة وموقعها القريب من طرق بغداد وبابل وكربلاء.
وكانت جرف الصخر تُدرج ضمن ما عُرف أمنياً وإعلامياً بـ"مثلث الموت" جنوب بغداد، وهو توصيف ارتبط خلال سنوات العنف الطائفي بنشاط الجماعات المسلحة والاعتداءات على الطرق والمناطق المجاورة.
ومع تصاعد نشاط تنظيم "داعش" في 2014، أصبحت الجرف واحدة من مناطق نفوذه في شمال بابل، فيما تشير سجلات إنسانية إلى أن النزوح من المنطقة بدأ قبل معركة التحرير نفسها؛ فقد أعلنت جمعية الهلال الأحمر العراقي في أيار/ مايو 2014 نزوح نحو 900 عائلة من مناطق تابعة لجرف الصخر بسبب النزاعات المسلحة.
ما بعد التحرير
لكن التحول الأكبر جاء في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، ففي 23 من الشهر بدأت عملية عسكرية لاستعادة المنطقة، عُرفت باسم "عملية عاشوراء"، بمشاركة القوات العراقية وفصائل الحشد الشعبي، وانتهت باستعادة الجرف في أواخر الشهر.
وكانت المعركة ذات أهمية عسكرية تتجاوز مساحة المنطقة، إذ رأت السلطات العراقية آنذاك أن بقاء "داعش" فيها يمثل تهديداً للطرق المؤدية إلى بابل وكربلاء والنجف.
لكن التحرير لم يكن نهاية القصة، فمع انتهاء المعارك، بقيت القوات والفصائل التي شاركت في التحرير داخل المنطقة، وتحول الجرف تدريجياً إلى منطقة أمنية مغلقة، وبحلول السنوات اللاحقة، لم يعد وجود الدولة داخل المنطقة مماثلاً لوجود الفصائل التي تولت الإمساك بالأرض.
وتشير تقارير متعاقبة إلى مشاركة أكثر من فصيل في إدارة المنطقة خلال السنوات الأولى، بينها كتائب حزب الله وفصائل أخرى من الحشد الشعبي.
وفي هذا الجانب، يفسر حسن فدعم، النائب السابق عن محافظة بابل والقيادي في تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، استمرار إغلاق المنطقة من زاوية مختلفة.
فهو يقول لوكالة شفق نيوز، إن أكثر من 70% من سكان الجرف نزحوا أثناء سيطرة "داعش"، وليس بعد تحريرها، وإن القوات التي دخلت المنطقة بعد المعارك وجدتها "ملغمة ومفخخة بالكامل".
وبحسب فدعم، فإن حجم العبوات والمخلفات كان كبيراً إلى درجة تتطلب جهداً فنياً وحكومياً واسعاً، مؤكداً أن الملف لا ينبغي أن يتحول إلى قضية طائفية أو سياسية.
وهنا تختلف رواية الأمن عن رواية السكان في تفسير ما جرى بعد انتهاء المعارك، فبالنسبة إلى السلطات المحلية وشخصيات سياسية مؤيدة لبقاء القوات التي تمسك بالأرض، فإن إزالة الألغام ومنع عودة النشاط الإرهابي هما أساس استمرار الإجراءات الأمنية.
أما بالنسبة إلى النازحين وخصوم الفصائل، فإن استمرار الإغلاق طوال 12 عاماً تجاوز الضرورات الأمنية وتحول إلى واقع سياسي وعسكري دائم.
12 عاماً خارج الجرف
وتُظهر البيانات الحكومية المنشورة خلال السنوات الماضية أن أعداد نازحي الجرف ظلت بالآلاف، ففي أيار/ مايو 2024 تحدثت وزارة الهجرة عن نحو 6 آلاف عائلة لا تزال مرتبطة بملف جرف الصخر، فيما قالت الوزارة في وقت سابق إن نحو 500 إلى 700 عائلة كانت قد خضعت للتدقيق الأمني وأصبحت جاهزة للعودة، بانتظار موافقة الأجهزة الأمنية.
وفي نيسان/ أبريل 2023، كانت بيانات الوزارة تشير إلى أكثر من 7500 عائلة مسجلة ضمن نازحي الجرف، ما يعكس تغيراً في الأرقام بحسب تاريخ التسجيل وتعريف الأسر المشمولة بالملف.
وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشأن السياسي، عبد القادر النايل، إن بعض أبناء الجرف أمضوا قرابة عشر سنوات في مخيمات النزوح، لافتاً إلى مخيم بزيبز في عامرية الصمود بمحافظة الأنبار، حيث يقدّر عدد العائلات الموجودة فيه اليوم بنحو 1360 إلى 1400 عائلة.
ويشير النايل، خلال حديث لوكالة شفق نيوز، إلى أن المشكلة لم تعد تقتصر على فقدان المنزل، بل امتدت إلى فقدان مصدر الرزق والهوية الاجتماعية والاستقرار، إذ كان أغلب سكان الجرف يعملون في الزراعة، بينما أصبح كثير منهم يعتمد على المساعدات بعد فقدان الأراضي والبساتين.
ويصف النايل ظروف المخيمات بأنها قاسية، متحدثاً عن تدهور الخدمات والمياه والكهرباء والصحة والتعليم، وعن انعكاسات النزوح الطويل على الأطفال والعائلات.
مسار التسوية
من جهته، يرى عضو مجلس محافظة بابل، محمد المنصوري، أن المسألة لا ينبغي أن تُطرح باعتبارها خياراً بين "العودة" و"الإبقاء على المنطقة مغلقة"، بل باعتبارها مسؤولية تتمثل في إعادة السكان وضمان أمن المحافظة.
ويقول المنصوري لوكالة شفق نيوز، إن مجلس المحافظة عقد جلسة استثنائية مؤخراً بشأن الملف، مؤكداً أن المنطقة "محررة وليست محتلة"، ومذكّراً بأن بابل تعرضت خلال السنوات السابقة لهجمات انطلقت من مناطق قريبة من الجرف.
لكن المنصوري يقر في الوقت نفسه بأن عودة السكان تتطلب تدخلاً اتحادياً فاعلاً، وتدقيقاً يميز بين من تثبت براءته ومن توجد بحقه ملفات أمنية.
وفي مقابل التركيز على البعد الأمني، يرى الخبير الأمني، سرمد البياتي، أن طول أمد الملف جعله أكثر غموضاً، حتى بات، على حد تعبيره، أشبه بـ"الأسطورة" بسبب تراكم التصريحات السياسية والإعلامية حوله.
ويطرح البياتي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، سؤالاً ظل بلا إجابة واضحة طوال السنوات الماضية: إذا كانت الدولة قادرة على إدارة ملفات أمنية أصعب، فلماذا لم تتمكن من الوصول إلى تسوية سلمية بشأن منطقة تقع على مسافة قصيرة من بغداد؟
وبرأيه، فإن الحل لا يبدأ بالتصعيد، بل بجمع الحكومة الاتحادية والجهات الأمنية والفصائل الموجودة في الجرف وأهالي المنطقة إلى طاولة واحدة لتحديد الوضع القانوني والأمني للمنطقة، ثم وضع مسار واضح للعودة.
"قاعدة عسكرية"
وتزداد قضية الجرف غموضاً مع تقارير ظهرت خلال السنوات الماضية تتحدث عن استخدام المنطقة لأغراض عسكرية تتجاوز حماية الأرض، وربطها بوجود منشآت ومخازن ومواقع تابعة لفصائل مسلحة، فيما ذهبت تقارير أخرى إلى الحديث عن معامل وورش لتطوير الصواريخ والمسيّرات.
وفي 2018 نقلت وكالة "رويترز" للأنباء، عن مسؤولين إيرانيين ومصادر استخبارية عراقية وغربية، معلومات عن نقل صواريخ باليستية إيرانية قصيرة المدى إلى العراق، وذكرت جرف الصخر ضمن المواقع التي قيل إنها استخدمت لتخزينها.
وفي كانون الثاني/ يناير 2024 تعرضت مواقع داخل الجرف لضربة أميركية، قبل أن تتجدد الضربة في 30 تموز/ يوليو 2024، عندما أعلنت هيئة الحشد الشعبي مقتل أربعة من عناصرها في ثلاث ضربات استهدفت موقعاً تابعاً لها في منطقة السعيدات.
وقالت واشنطن إن الضربة كانت دفاعية وجاءت بعد رصد تحضير لهجوم على القوات الأميركية.
وفي أعقاب ضربة تموز/ يوليو 2024، تحدثت مصادر عن مقتل مقاتلين غير عراقيين، بينما أعلنت وكالة "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية مقتل قيادي حوثي يمني قالت إنه كان في مهمة خارج اليمن، كما نقلت تقارير عن مصادر في الحشد وجود مستشارين وعناصر غير عراقيين داخل الجرف.
ومع مطلع عام 2026، وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية والمواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، عادت جرف الصخر إلى واجهة الضربات الجوية؛ ففي 28 شباط/ فبراير الماضي، هزت الناحية سلسلة انفجارات جراء غارات جوية استهدفت، بحسب تقارير، مقار ومستودعات تابعة لهيئة الحشد الشعبي.
وفي 31 آذار/ مارس 2026، تجدد القصف بضربات جوية طالت مواقع تابعة للواء 45 في الحشد داخل الجرف، وسط تقارير نسبت الهجوم إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
صراع سياسي
وتحولت المنطقة خلال السنوات الماضية إلى رمز في الصراع السياسي العراقي، ففي 2017 صوت مجلس محافظة بابل على قرار يتعلق بملاحقة الجهات السياسية التي تطالب بعودة نازحي الجرف، بينما واصل سياسيون سنة المطالبة بعودة السكان.
وفي نيسان/ أبريل 2023 قال رئيس تحالف السيادة، خميس الخنجر: "سنصلي في الجرف قريباً"، في إشارة إلى عودة النازحين، وردت قيادات في الفصائل برفض شديد، محذرة من عودة من تتهمهم بالارتباط بـ"داعش".
وبذلك أصبح كل خطاب عن الجرف قابلاً لأن يُقرأ طائفياً، ولهذا يحذر فدعم من تحويل الملف إلى "قضية طائفية أو سياسية أو إعلامية"، معتبراً أن هذا الاستخدام ساهم في تعطيل عودة النازحين.
أما النايل فيرى أن استمرار النزوح خلق شعوراً عميقاً بالظلم لدى السكان، وأن بقاء العائلات سنوات طويلة في المخيمات يضعف الثقة بالدولة ويجعل المصالحة المجتمعية أكثر صعوبة.
بسط سلطة الدولة
وفي آب/ أغسطس الجاري، عاد ملف الجرف إلى الواجهة بقوة، في وقت تتحدث فيه بغداد عن حصر السلاح بيد الدولة، وتحدثت تقارير عن خطط حكومية لتطويق مواقع تابعة لفصائل مسلحة بعد انتهاء المهلة المحددة لحصر السلاح في 30 أيلول/ سبتمبر 2026.
وتشير تلك التقارير إلى أن الخطة تركز بصورة خاصة على جرف الصخر، وجرف النداف الواقعة جنوب شرقي بغداد، مع اعتماد أسلوب التطويق وتقييد الحركة بدلاً من اقتحام المواقع مباشرة، في محاولة لتجنب مواجهة مسلحة.
ووفق تلك التقارير، فإن الفكرة تقوم على نشر قوات نظامية ومفارز تفتيش ومراقبة حول المواقع ذات الأهمية الأمنية، وتقييد حركة الأسلحة والمسيّرات، وصولاً إلى فرض سلطة الدولة تدريجياً.
وجاء ذلك بالتزامن مع عودة الاحتجاجات حول الجرف؛ ففي السبت الماضي 15 آب/ أغسطس الجاري، شهد قضاء المسيب تظاهرة شارك فيها مئات المحتجين دعماً لبقاء الحشد في جرف النصر ورفض ما وصفوه بالخطاب الطائفي.
وفي اليوم التالي، الأحد، 16 آب/ أغسطس الجاري، كان من المقرر أن تبدأ لجنة حكومية جديدة زيارة ميدانية للمنطقة لمتابعة الملف، بحسب ما أفاد به عبد الرحمن الجزائري، القيادي في تيار "القسم الوطني" المنضوي في ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وكالة شفق نيوز.
وفي الختام، يؤكد فدعم أن حكومة بابل ومجلس المحافظة يتحركان لإنهاء الملف، مشدداً على أن حسمه يتطلب جهداً حكومياً وفنياً كبيراً لتطهير المنطقة.