شفق نيوز- بغداد/ طهران/ لندن

يتفق أربعة خبراء في الشؤون الإيرانية والأمن الاستراتيجي، على أن تهديدات طهران باستهداف كابلات الإنترنت البحرية تعكس توجهاً نحو توسيع أدوات الضغط في أي مواجهة عسكرية مقبلة.

لكن الخبراء يحذرون من أن انتقال الصراع إلى البنية التحتية الرقمية قد يفاقم المخاطر الاقتصادية والأمنية على إيران ودول الخليج والعراق، ويحوّل شبكات الاتصالات إلى ساحة مواجهة تتجاوز أطراف الحرب المباشرين.

الكابلات ورقة ضغط

وجاءت هذه التهديدات على وقع تصاعد الخطاب الإيراني بشأن استهداف البنية التحتية الرقمية في المنطقة، إذ هدد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، الأحد الماضي، باستهداف كابلات الاتصالات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي إذا تجددت الحرب.

وفي اليوم التالي، أعلن مدير صحيفة "كيهان" الإيرانية وممثل المرشد الإيراني فيها، حسين شريعتمداري، تأييده لهذه التهديدات، معتبراً استهداف كابلات الألياف الضوئية في مياه الخليج "حقاً مشروعاً" لإيران، داعياً إلى استخدام مرور الكابلات البحرية ورقة ضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

وذهب شريعتمداري إلى أن نحو سبعة أنظمة رئيسية للكابلات تمر عبر قاع الخليج ومضيق هرمز، مدعياً أن إلحاق أضرار بها، ولو محدودة، قد يعطّل أكثر من 80% من الاتصالات التجارية والمصرفية والعسكرية واتصالات الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا السياق، يرى الكاتب والباحث في الشأن الإيراني، صالح القزويني، أن التهديدات الإيرانية تأتي في إطار معادلة "الرد بالمثل"، في حال اتسعت الحرب لتشمل مختلف أنحاء إيران.

ويقول القزويني، لوكالة شفق نيوز، إن طهران قد توسّع قائمة أهدافها إذا تعرضت لهجوم شامل، مع إعطاء الأولوية للمصالح والقواعد والشركات الأميركية في المنطقة، مضيفاً أن إيران تسعى إلى إلحاق أضرار بالطرف الآخر إذا لحقت بها أضرار كبيرة.

ويوضح أن حجم الرد الإيراني وطبيعته سيعتمدان على سلوك الطرف المقابل، قائلاً إن طهران مستعدة للرد بالطريقة التي تراها مناسبة إذا اختارت الولايات المتحدة التصعيد.

سلاح البيانات

من جهته، يرى المتخصص في الشؤون الإيرانية، الأكاديمي فراس إلياس، أن التهديدات تكشف تحولاً محتملاً في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد المنشآت العسكرية وموارد الطاقة وحدها ضمن الحسابات الاستراتيجية، بل امتدت إلى شبكات الاتصالات وتدفقات البيانات.

ويقول إلياس لوكالة شفق نيوز، إن الكابلات البحرية تمثل أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الرقمي العالمي، وإن استهداف عدة مسارات في وقت واحد قد يربك الاتصالات الدولية والخدمات المصرفية والتجارة الإلكترونية، فضلاً عن المؤسسات الحكومية والشركات المعتمدة على الخدمات الرقمية.

ويشير إلى أن إيران تحاول توسيع أدوات الضغط المتاحة لها، مستفيدة من موقعها الجغرافي قرب الممرات البحرية الحيوية، على غرار توظيف مضيق هرمز ورقة ضغط مرتبطة بأسواق النفط.

لكن إلياس يشدد على أن حجم التأثير الفعلي سيعتمد على طبيعة الأهداف التي قد تتعرض للهجوم، ومدى توافر مسارات بديلة لنقل البيانات، لافتاً إلى أن التهديد لا يعني بالضرورة أن يؤدي استهداف كابل واحد إلى انقطاع شامل للإنترنت.

وعلى المستوى الإقليمي، يحذر من أن العراق لن يكون بمنأى عن التداعيات، رغم امتلاكه مسارات ربط برية مع دول الجوار، فقد تتأثر جودة الاتصال والخدمات المالية والمصرفية والتحويلات الإلكترونية إذا امتد التعطل إلى أكثر من مسار إقليمي.

ويتابع قائلاً إن التطورات تفرض التعامل مع أمن الاتصالات بوصفه جزءاً من الأمن القومي والاقتصادي، لا مجرد ملف تقني، خصوصاً مع تزايد اعتماد المؤسسات والأسواق على تبادل البيانات والخدمات الرقمية.

الخليج "جبهة أمامية"

وفي قراءة أوسع للسياق الإقليمي، يربط الباحث والمحاضر في جامعة إكستر البريطانية، هيثم الهيتي، التهديدات الإيرانية بمحاولة توسيع الضغط على الولايات المتحدة عبر مصالح حلفائها في الخليج.

ويقول الهيتي لوكالة شفق نيوز، إن طهران تنظر إلى الساحة الخليجية باعتبارها "جبهة أمامية" للمواجهة مع واشنطن، وإن الضغط على دول المنطقة قد يهدف إلى إثارة الشكوك بشأن قدرة الولايات المتحدة على توفير الحماية الأمنية لحلفائها.

ويضيف أن الضربات والتهديدات التي تطال المصالح الحيوية في المنطقة قد تدفع دول الخليج إلى إيصال رسائل إلى واشنطن بشأن المخاطر الناجمة عن اتساع المواجهة الأميركية الإيرانية.

وفي هذا السياق، يقرأ الهيتي التهديدات المتعلقة بالبنية التحتية الرقمية باعتبارها رسالة تحذير من استخدام أوراق ضغط بديلة، في ظل محدودية قدرة إيران على استهداف الأراضي الأميركية مباشرة، مقارنة بقدرتها على تهديد مواقع ومصالح استراتيجية في المنطقة.

كما يربط هذه التطورات بالضغوط الأميركية على إيران، مشيراً إلى التهديدات المتعلقة بعزلها عن العالم رقمياً، بعد عزلها اقتصادياً، بوصفها جزءاً من معادلة الضغط المتبادل.

تهديد الأسواق والطاقة

أما الخبير الاستراتيجي، أحمد الشريفي، فيرى أن التلويح باستهداف الكابلات الضوئية يضيف أبعاداً جديدة إلى أوراق الضغط في المواجهة الجديدة المحتملة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

ويقول الشريفي لوكالة شفق نيوز، إن الكابلات البحرية التي تمر في الخليج ومضيق هرمز تشكل جزءاً أساسياً من منظومة الربط الرقمي بين دول المنطقة والعالم، وإن استهدافها قد تكون له انعكاسات اقتصادية وسياسية وأمنية، تتجاوز قطاع الاتصالات نفسه.

ويحذر من أن تعطل الاتصالات الرقمية قد ينعكس على الأسواق المالية والنقدية والتحويلات المصرفية، فضلاً عن الأنظمة الإلكترونية المرتبطة بإدارة صادرات النفط وتشغيل قطاعات اقتصادية حيوية.

ويوضع الشريفي العراق ضمن الدول المعرضة للتأثر بهذه التداعيات، بسبب اعتماد التعاملات المالية والإدارية والخدمات الاقتصادية على الاتصال الرقمي، محذراً في الختام من أن اتساع نطاق الاضطراب قد يزيد الضغوط على المعاملات النقدية والتحويلات والخدمات المرتبطة بقطاع الطاقة.