شفق نيوز/ رصد "معهد هادسون" الأمريكي، مكانة وحضور تنظيم داعش في كل من العراق وسوريا، محذرا من أنه يعاود الظهور، لكن خطره السوري اكبر من خطره العراقي في الوقت الرهان، لكن المشهد قد يصبح أكثر اشتعالاً مع استكمال تطبيق الاتفاق العراقي - الامريكية حول انسحاب القوات الامريكية بحلول نهاية العام 2026، والذي يعني ايضا الانسحاب الامريكي من سوريا، ما ستكون له تداعيات كبيرة على الحرب على الإرهاب، متسائلا عما إذا كان العراقي سيلجأ الى روسيا لمساعدته في هذه الحرب بعد خروج الأمريكيين.
في 6 أيلول/سبتمبر 2024، توصلت الولايات المتحدة والعراق الى اتفاق بشأن خطط سحب قوات "التحالف الدولي ضد داعش" بقيادة الولايات المتحدة من العراق وسوريا. وبموجب هذه الخطة، سيكون هناك انسحاب أولي للقوات من العراق. بحلول أيلول/سبتمبر 2025، على ان يغادر الباقون كوردستان العراق بحلول نهاية عام 2026. وهذا يعني ايضا، في الواقع، انسحابا من سوريا، وسيكون لهذا تداعيات هائلة على الحرب ضد التنظيمات الإسلامية.
وفي محاولة لتقييم الوضع الحالي والمستقبلي لتنظيم داعش، قال المعهد الأمريكي، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، إنه سيحاول تسليط الضوء على كيفية محاولة التنظيم التعافي على مدى السنوات الخمس الماضية مع سعيه للاستفادة من التغيير المستقبلي في الديناميكيات الاقليمية.
وفي حين قال التقرير الأمريكي إن تنظيم داعش في العراق أصبح هو الأضعف على الإطلاق، أشار إلى أن التنظيم في سوريا "أظهر علامات على إعادة بناء نفسه من جديد".
وحول وضع داعش في العراق، قال التقرير إن هناك قصصا إيجابية، موضحا أن جهود مكافحة الإرهاب حققت نجاحا ملحوظا مما أدى إلى إضعاف قدرات التنظيم ومدة انتشاره داخل العراق حاليا، مشيراً إلى أنه لم يعد يمتلك تأثيرا على الحياة اليومية داخل العراق، وغالبية هجماته حاليا تتم في المناطق الريفية أو ذات الكثافة السكانية المنخفضة.
ولفت التقرير إلى أن الاعتقالات المتعلقة بداعش من قبل الدولة العراقية وحكومة اقليم كوردستان تظهر أن العديد من فلول الجماعة منذ أيام سيطرتها الإقليمية ما زالوا طلقاء، وأن الأعضاء الحاليين مستمرون في التخطيط والعمليات.
واعتبر التقرير أنه من الضروري عدم تضخيم التهديد الذي يشكله داعش، وفي الوقت نفسه يجب توخي الحذر بعدم المبالغة في التأكيد على هزيمة التنظيم في ضوء تاريخ قدرة التنظيم على العودة، وهو ما يشكل خطرا خاصا الآن حيث تبدو الولايات المتحدة مستعدة للانسحاب من العراق.
وبحسب التقرير، فإن داعش يشكل تهديدا معقدا يتطلب اللجوء إلى الضغط المستمر لإبقائه تحت السيطرة، حيث لا يزال مقاتلوه يتمتعون بالإرادة للقتال، ولو بقدرة أقل مما كان ممكنا في السابق.
تحليل الهجمات
وذكر التقرير ان تنظيم داعش والجماعات التي سبقته يشكلون واحدة من أكثر حركات التمرد دموية في العالم منذ بدء العمليات في العراق في العام 2002، مضيفا انه عندما توسع التنظيم في سوريا أولا ثم في أجزاء أخرى مختلفة من العالم، ظل العراق مع ذلك الاكثر نشاطا وعنفا حتى العام 2022 عندما تخطت عمليات داعش في نيجيريا تلك المسجلة في العراق.
ولفت التقرير إلى أنه منذ ذلك الوقت، تواصل تراجع نشاط تنظيم داعش في العراق مقارنة بغيره من الولايات ولايات التنظيم، وحل العراق خامسا في ترتيب عمليات التنظيم في النصف الأول من العام 2024، بعد نيجيريا وسوريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، واستعرض التقرير هذه الإحصاءات لفهم هذا الانخفاض الحاد في السنوات الخمس الماضية:
في 2019: 1252 هجوما مزعوما في العراق
في 2020: 1,459 هجوما مزعوما
في 2021: 1127 هجوما مزعوما
في 2022: 484 هجوما مزعوما
في 2023: 151 هجوما مزعوما
في 2024: 66 هجوما مزعوما (بحلول 14 تشرين الثاني/نوفمبر)؛ مع توقع وصول الرقم النهائي الى 75 بحلول اخر العام
وبحسب التقرير، فإن الوتيرة الحالية للهجمات المزعومة تمثل انخفاضا بنسبة 49% عن إجمالي العام الماضي، انخفاضاً بنسبة 94% منذ عام 2019.
ولهذا، اعتبر التقرير ان حكومتي العراقية واقليم كوردستان بالاضافة الى الولايات المتحدة والتحالف الدولي، نجحوا بشكل واضح في اضعاف داعش في العراق وتحويله من تمرد قوي نسبيا في أواخر العقد الأول من القرن الـ21، إلى تحدي إرهابي يمكن السيطرة عليه.
وليختصر الصورة بشكل أكبر، قال التقرير أن متوسط عمليات داعش بلغ في ذروته في العام 2014، 28 هجوما يوميا في العراق، لمئة بحلول العام 2023، بلغ متوسط الهجمات، 0.3 هجوما يوميا فقط.
الاعتقالات
ورأى التقرير أنه نتيجة لانخفاض معدل الهجمات، فإن الكثير من التركيز خلال السنوات الاخيرة كان على جانب الحرب القانونية في الحرب ضد داعش، من خلال اعتقال العناصر والمقاتلين والممولين وغيرهم، موضحا أنه منذ بداية العام 2023، نفذت الحكومة العراقية وحكومة اقليم كوردستان 125 حالة اعتقال ضد خلايا تنظيم داعش حتى 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
لكن برغم هذه البيانات، يقول التقرير إن هناك مؤشرات مثيرة للقلق على أن التنظيم لا يزال يمثل تهديدا كبيرا، خصوصا فيما يتعلق بهؤلاء الذين كانوا ناشطين في مرحلة السيطرة الاقليمية للتنظيم والذين ربما ما زالوا يعملون من دون أن يتم اكتشافهم، ويتحينون الفرصة لاستغلال البيئة السياسية المتغيرة داخل العراق، خصوصا في حال انسحبت الولايات المتحدة.
داعش في سوريا
وذكر التقرير أنه حتى العام 2024، فإن نمط الهجمات والاعتقالات في سوريا كانت مشابهة بدرجة كبيرة لتلك الموجودة في العراق، إلا أن السياق السوري يختلف عن السياق العراقي، حيث يبدو أن التنظيم لا يقوم بالاعلان عن هجماته في سوريا، ولهذا فان الصورة هي الأكثر إثارة للقلق هي تلك الموجودة في سوريا، حيث لا يزال هذا البلد يعاني من عناصر الحرب الاهلية، ولا توجد سلطة حاكمة واحدة تسيطر على البلد بأكمله، مشيرا بذلك الى نظام الدولة المدعومة من روسيا وايران، والمقاتلين الشيعة، والإدارة الذاتية التي يقودها الكورد المدعومة أساسا من الولايات المتحدة، والسلطة السورية المؤقتة المدعومة من تركيا الى جانب "حكومة الانقاذ" التي تسيطر عليها الجماعات الجهادية المتمثلة ب"هيئة تحرير الشام".
ولهذا، يقول التقرير إن هذا الحكم المختلط يسمح لتنظيم داعش بالاستفادة من الروابط الامنية بين هذه الأنظمة السياسية التي تحاول كل منها تقويض أمن خصومها الآخرين.
ولفت التقرير إلى تطورين حصلا في تشرين الاول/أكتوبر من العام 2023، وخدما مصلحة داعش، الأول الهجوم بالطائرات المسيرة الذي نفذته "هيئة تحرير الشام" على حفل تخرج لاحدى الكليات العسكرية في حمص، مما أجبر نظام الرئيس الأسد وحلفائه الروس، على سحب القوات بعيدا عن الجانب الغربي من محافظة دير الزور للتركيز على مهاجمة هيئة تحرير الشام في معقلها في إدلب شمال غربي سوريا، وهو ما منح داعش مساحة أكبر لالتقاط الأنفاس.
أما التطور الثاني، فتمثل بما جرى بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر والرد اللاحق على الحرب الاسرائيلية في غزة من قبل الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق وسوريا، حيث بدأت القوات المدعومة من إيران في استهداف القواعد الامريكية في أجزاء مختلفة من شرق سوريا، مشيراً إلى أن القوات الامريكية اضطرت إلى تقليص نشاطها ضد تنظيم داعش، بما في ذلك عملها إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية.
ولهذا، يرى التقرير أن سوريا اصبحت حاليا مساحة أكثر تعقيدا بكثير من العراق وتوفر مناطق حيث يمكن لداعش استغلال عدم الاستقرار والتنافس بين مختلف القوى الفاعلة في الصراع السوري.
وحذر التقرير من أنه منذ ان خسر داعش آخر مظهر من مظاهر سيطرته على الأرض في سوريا في مارس/آذار 2019، تراجع عدد الهجمات المفترضة التي نفذها داعش في سوريا بشكل ملحوظ سنويا، الا انه هذا الوضع تغير في العام 2024، حيث زادت الهجمات المفترضة لداعش على عكس الوضع في العراق، وفق الأرقام التالية:
في 2019 : 1,055 هجوما مزعوما
في 2020: 608 هجمات مزعومة
في 2021: 368 هجوما مزعوما
في 2022: 297 هجوما مزعوما
في 2023: 121 هجوما مزعوما
في 2024: 259 هجوما معلوما حتى الآن، وقد يصل الى 296 بنهاية العام
ولفت التقرير إلى أن هذا الرقم الاخير، يشكل زيادة بنسبة 250% تقريبا منذ العام 2023.
وحذر التقرير من أنه بخلاف ما جرى في العراق، حيث لا يوجد دليل على ان تنظيم داعش يتلاعب بمزاعم الهجمات، فانه كانت هناك ادلة مهمة تشير إلى أن التنظيم قد تعمد عدم الإبلاغ عن هجماته في سوريا لكي يبدو بصورة الضعيف.
ورأى التقرير أن أهمية ذلك هو ان داعش سيستفيد من البيئة الامنية المتغيرة بمجرد انسحاب الولايات المتحدة من سوريا في نهاية العام 2026، مضيفا أن الأدلة قوية على أن نظام الأسد وحلفائه لن يتمكنوا من محاربة داعش بنفس القدر الذي تفعله الولايات المتحدة والتحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية، خصوصا بالنظر إلى أن النظام لا يزال ينظر الى الجهات الفاعلة الاخرى مثل "الجيش الوطني السوري" المدعوم من تركيا، و"هيئة تحرير الشام" وبقايا الجماعات المتمردة في جنوب سوريا، تشكل تهديدات أكبر لحكمه من التهديد الذي تشكله داعش.
وحذر التقرير أن من سياسة داعش هذه كانت ناجحة بالفعل أنها تسببت في تهدئة الولايات المتحدة والتحالف الدولي نحو شعور زائف بالانجاز، لافتا إلى أنه من المحتمل أن يكون التنظيم اقوى مرتين إلى ثلاثة أضعاف مما توحي به ادعاءاته وحدها.
مستقبل داعش في العراق وسوريا
وذكر التقرير الأمريكي أن تحديد المسار المستقبلي لتنظيم داعش في العراق وسوريا، سيتم تحديده بدرجة كبيرة من خلال مستقبل الوجود العسكري الامريكي في المنطقة، مشيرا إلى أن التوصل الى اتفاق ثنائي بين العراق والولايات المتحدة، يمكن أن ينهي الأساس القانوني لعمل القوات الأمريكية في سوريا، مضيفا أنه بينما ان تنظيم داعش ليس بنفس القوة في سوريا كما كان قبل عقد من الزمن، إلا أنه لا يزال يحافظ على تمرد قوي وسيستفيد بلا شك من انسحاب القوات الأمريكية.
وقدم التقرير هذا السيناريو فيما لو انسحبت الولايات المتحدة والعواقب السلبية لذلك: تستغل تركيا غياب الولايات المتحدة لتصعيد هجماتها ضد قوات سوريا الديمقراطية التي تضطر الى الانسحاب من دير الزور لحماية قلب الكورد في الحسكة، ثم يستغل داعش الوضع من خلال محاولة اخراج مقاتليه السابقين من نظام سجون قوات سوريا الديمقراطية، بينما من المرجح ان يستمر نظام الأسد وحلفاؤه في الفشل في قمع التنظيمات الاسلامية ونشاط داعش في أراضيها، وهو "حريق محتمل" من شأنه السماح لداعش ببسط سيطرته على الارض مرة اخرى في شرق سوريا واستخدام هذه المساحة، "من اجل اعادة زرع تمرده في العراق"، محذرا أنه من المرجح ألا تتمكن بغداد من احتواء تداعيات اي عودة لداعش في سوريا بشكل كامل.
وخلص التقرير إلى القول إن "هذه مؤشرات مقلقة للمستقبل" وأن "فصل المسرحين (السوري والعراقي)، كما حاولت الحكومة العراقية أن تفعل، هو وصفة لاحتمال تكرار التاريخ حيث يستعيد داعش في سوريا قوته ويضخ الموارد مرة اخرى في عملياته في العراق".
وتابع قائلاً إنه "مع بقاء روسيا بجوار القوات الأمريكية في سوريا ومع تعزيز العلاقة بين روسيا وإيران (ووكلاء إيران في العراق الذين يريدون باستمرار الضغط على اي وجود عسكري أمريكي إقليمي)، فهل سيطلب العراق من روسيا تولي دور الراعي الرئيسي لمكافحة الإرهاب بعد انسحاب القوات الامريكية؟".
ورأى التقرير انه في ظل مثل هذا السيناريو، سيجري استبعاد الولايات المتحدة وشركائها من النقاط الساخنة الثلاث الرئيسية في العالم حيث النشاط الجهادي أكثر حدة، أي من العراق وسوريا وأفغانستان ومنطقة الساحل الافريقي.
وختم التقرير بالقول إن "المخاطر عالية جدا للغاية"، موضحا أنه في حال كررت الولايات المتحدة نفس الخطأ الذي ارتكبته في العام 2010 عندما سحبت الجزء الأكبر من قواتها من العراق، فقد يكون هناك تهديد متجدد لداعش داخل سوريا والعراق مع ما لذلك من تداعيات عالمية. واوضح التقرير انه على عكس ما حدث في العام 2014، فإن الولايات المتحدة قد لا تكون قادرة على الحد من هذه المشكلة عسكريا، وبدلاً من ذلك تكون متأثرة بنزوة القوى الفاعلة المتناحرة التي ستترك لواشنطن خيارات أقل بكثير للتعامل مع المشكلة".
ترجمة وكالة شفق نيوز