شفق نيوز- بغداد / الموصل
مع تصاعد استخدام منصات التواصل الاجتماعي وانتشار المحتوى المحرض على الكراهية والتمييز، تتزايد المخاوف في العراق من تأثير هذه الخطابات على السلم المجتمعي، ولا سيما على الأقليات الدينية والقومية، في وقت ما يزال فيه تشريع خاص بخطاب الكراهية قيد النقاش ولم يدخل حيز التنفيذ.
وقالت مديرة مركز خطابات الكراهية في مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية، آمنة الذهبي، لوكالة شفق نيوز، إن المؤسسة تتابع منذ عشر سنوات المستوى المتصاعد لخطابات الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي، وهو أمر يقلقنا كمؤسسة متخصصة بالتنمية الثقافية والإعلامية.
وأضافت الذهبي، أن "هذا الخطاب يهدد السلم المجتمعي ويحرض على العنف، وغالباً ما يروج لفكر متطرف، سواء كان اجتماعياً أو سياسياً أو دينياً"، مبينة أن "النتائج والآثار النفسية والمعنوية التي تتركها هذه الخطابات في المجتمع خطيرة".
وشددت على ضرورة ألا يترك من يروج للكراهية بلا محاسبة، أينما كان ومهما كانت مصادرها، مشيرة إلى أن مؤسسة مسارات قدمت "مسودة مشروع قانون الوقاية من التمييز وخطابات الكراهية" إلى مجلس النواب ومكتب رئيس الجمهورية، بهدف معالجة الفجوة التشريعية وتجريم خطابات الكراهية، مع حماية حرية التعبير في الوقت ذاته.
وأوضحت أن "القانون ما يزال مجرد مسودة مشروع قانون ولم يتم إقراره حتى الآن، وقد قدم إلى البرلمان العراقي من قبل الكتلة الإيزيدية في مجلس النواب".
غياب قانون يضعف حماية الضحايا
من جانبه، قال المتحدث الرسمي باسم رئاسة طائفة الصابئة المندائيين في العراق، رام أسعد العثماني، لوكالة شفق نيوز، إن الحاجة إلى تشريع قانون خاص بخطاب الكراهية "ملحة جداً، وخاصة بالنسبة إلى الأقليات الدينية ومنها الصابئة المندائيون".
وبحسب العثماني، فإن الدستور العراقي، ولا سيما المادة السابعة، منع التكفير والطائفية، لكن لا يوجد قانون خاص يعاقب على خطاب الكراهية بصورة واضحة، موضحاً أن الصابئة المندائيين يتعرضون لخطابات تكفيرية تعتبرهم كفاراً ونجسين.
ولفت إلى أن هذا الخطاب، قد يتحول إلى اعتداءات على المعابد والممارسات الدينية، فضلاً عن أشكال من التهجير والإقصاء، مضيفاً أن عدم وجود تشريع خاص يضعف قدرة الضحية على تقديم شكوى، إذ يمكن أن تحال بعض الحالات إلى مواد قانونية تتعلق بالسب والقذف، والتي وصفها بأنها "ضعيفة" أمام طبيعة خطاب الكراهية وآثاره.
وأشار العثماني إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت المنصة الأولى لبث الكراهية ضد الصابئة، مدعياً أن أكثر من 90% من خطابات الكراهية التي تستهدف الصابئة تأتي عبر منصتي فيسبوك وتيك توك.
كما تابع قائلاً إن صفحات وحسابات تنشر "معلومات كاذبة ومشوهة عن الدين الصابئي"، من بينها ادعاءات تتعلق بمعتقداتهم وممارساتهم الدينية، معتبراً أن انتشار هذه المنشورات والتفاعل معها قد يتحول في بعض الحالات إلى تهديدات مباشرة.
وأضاف أن قلة أعداد الصابئة المندائيين داخل العراق تجعل تأثير خطاب الكراهية عليهم أكثر خطورة، مبيناً أن أعدادهم، أصبحت أقل من 15 ألف نسمة داخل البلاد، مقارنة بنحو 200 ألف في فترات سابقة.
اتهامات باستغلال الخطاب الطائفي سياسياً
وبشأن دور الأحزاب السياسية في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، قال العثماني إن "بعض الأحزاب والجهات السياسية تستخدم خطاب المظلومية والطائفية لكسب جمهورها، وتستخدم جيوشاً إلكترونية لبث الفتنة بين المكونات".
كما تحدث عن ما وصفه بـ"الإقصاء السياسي"، مشيراً إلى مقعد الكوتا المخصص للصابئة، مبيناً أن استغلاله سياسياً من قبل كتل كبيرة، في حال حدوثه، يمثل شكلاً من أشكال الإقصاء.
ووصف العثماني خطابات الكراهية التي تستهدف الصابئة المندائيين بثلاثة مستويات، هي "الخطاب التكفيري الديني، الذي يعتبرهم غير مؤمنين والخطاب التشويهي الثقافي، الذي يستهدف دينهم وعاداتهم وممارساتهم؛ والخطاب الإقصائي الوجودي، الذي يهدف إلى دفعهم للهجرة وإنهاء وجودهم في العراق".
الإيزيديون: القانون مطلوب بشرط حماية حرية التعبير
من جهته، قال سلام هسكاني ناشط مدني ايزيدي من قضاء سنجار لوكالة شفق نيوز، إن العراق بحاجة إلى قانون واضح يعرف خطاب الكراهية ويحدد المسؤولية القانونية عن التحريض على العنف والتمييز ضد أي مكون بسبب الدين أو القومية أو المذهب.
لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة أن يحافظ القانون على "حرية التعبير والصحافة، وألا يستخدم لإسكات الآراء أو الانتقادات"، مؤكداً أهمية أن "يطبق على الجميع دون استثناء".
وأشار هسكاني، إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة سريعة لنشر خطاب الكراهية، إذ يمكن لمنشور أو مقطع فيديو أن يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق، خصوصاً إذا تضمن تحريضاً أو معلومات مضللة عن جماعة معينة.
وفي المقابل، يرى أن هذه المنصات يمكن أن تتحول إلى وسيلة لمواجهة خطاب الكراهية، من خلال التوعية وتصحيح المعلومات ونشر الخطاب الذي يعزز التعايش.
وبشأن استخدام الأحزاب السياسية لمواقع التواصل في التحريض بين مكونات المجتمع، أوضح هسكاني، أن ذلك حصل من بعض الجهات والأحزاب، خصوصاً خلال فترات التنافس السياسي والأزمات، عندما يتم استغلال الاختلافات الدينية والقومية والمذهبية للتأثير على الناس أو تحقيق مكاسب سياسية.
وأكد أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب معايير واضحة تطبق على الجميع، سواء كان الخطاب صادراً عن سياسي أو حزب أو أي شخص آخر، واصفاً خطاب الكراهية بأنه الخطاب الذي يتحول فيه الاختلاف بين الناس إلى تحريض أو عداء ضد جماعة معينة بسبب دينها أو قوميتها أو هويتها.
ووفقاً لهسكاني، فإن هذا الأمر ليس جديداً بالنسبة إلى الإيزيديين، مشيراً إلى أن صوراً نمطية ومعلومات خاطئة وخطابات تحريضية انتشرت عنهم عبر فترات طويلة وأسهمت في ترسيخ صورة سلبية عنهم.
وربط هسكاني، بين هذه الخلفية وما تعرض له الإيزيديون عام 2014، قائلاً إن تنظيم داعش الإرهابي "استغل هذه الأفكار والصور النمطية ووظفها لتبرير جرائمه والإبادة الجماعية التي ارتكبها بحق الإيزيديين".
تشريع ومواجهة مجتمعية
وتتفق الآراء التي تحدثت إلى شفق نيوز على أن مواجهة خطاب الكراهية لا تتوقف عند سن قانون جديد، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التشريع والتوعية والتعليم والإعلام ورصد المحتوى الرقمي، مع ضمان عدم تحول مكافحة الكراهية إلى وسيلة لتقييد حرية التعبير.
وفي بلد متعدد الأديان والقوميات والمذاهب، تبرز الحاجة إلى وضع تعريف قانوني دقيق لخطاب الكراهية، يميز بين الرأي والانتقاد من جهة، والتحريض على التمييز والعنف أو استهداف جماعة بسبب هويتها من جهة أخرى، بما يعزز حماية المجتمع ويحافظ في الوقت ذاته على الحقوق والحريات التي كفلها الدستور.