شفق نيوز- بغداد/ أربيل
شهدت محافظة كركوك ومحيطها، الواقعة على بُعد نحو 250 كيلومتراً شمال بغداد، خمس هجمات خلال الفترة من 5 إلى 14 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، في تصعيد يرى خبراء أمنيون أنه يعكس استمرار قدرة خلايا تنظيم "داعش" على استغلال المناطق الوعرة والثغرات بين خطوط انتشار القوات الأمنية.
وتنوعت الهجمات خلال الأيام العشرة بين إطلاق النار والتفجيرات بعبوات ناسفة واستهداف منظومات المراقبة، فيما ردّت القوات العراقية بعمليات أمنية وضربات جوية استهدفت مواقع للتنظيم.
تهديد مستمر
وفي هذا السياق، يؤكد مستشار الشؤون العسكرية والأمنية في إقليم كوردستان، والأمين العام السابق لوزارة البيشمركة، الفريق جبار ياور، أن تنظيم "داعش" لم يُقضَ عليه بالكامل، لكنه بات في أدنى قدراته مقارنة بعام 2014، ولا يمتلك الإمكانات العسكرية والمالية التي تتيح له السيطرة على الأراضي وإعادة إقامة ما يُعرف بـ"دولة الخلافة".
ويقول ياور لوكالة شفق نيوز، إن معظم هجمات التنظيم بعد عام 2017 تركزت في مناطق ديالى وصلاح الدين وكركوك، حيث تنشط مفارز صغيرة يتراوح عدد أفرادها بين ثلاثة وخمسة عناصر، مستفيدة من معرفتها بطبيعة المنطقة لتنفيذ كمائن وتفجيرات وخطف مدنيين قبل الاختفاء.
ويضيف أن هذه الهجمات، رغم تأثيرها في الاستقرار الأمني، تمثل تحدياً يتطلب اليقظة وتعزيز الجهود الاستخبارية، لكنها لا تعكس قدرة التنظيم على استعادة نفوذه السابق، في ظل تطور القدرات العسكرية والأمنية والاستخبارية للقوات العراقية والبيشمركة، فضلاً عن التغيرات التي شهدتها الظروف السياسية والعسكرية في العراق وسوريا.
مراجعة الخطط
ويمثل تكرار هجمات "داعش" في كركوك "مؤشراً أمنياً خطيراً" يستوجب إعادة تقييم الخطط الأمنية والاستخباراتية ومراجعة أداء القيادات العسكرية والأمنية، بحسب عضو لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي، أحمد داغر الموسوي.
ويضيف الموسوي لوكالة شفق نيوز، أن التنظيم يحاول، من خلال هذه الهجمات، إيصال رسالة بأنه لا يزال موجوداً، مشدداً على أن مواجهته تتطلب يقظة استخباراتية وتنسيقاً عالياً بين الأجهزة الأمنية ومعالجة جدية للثغرات التي سمحت بتكرار الخروقات.
ويطالب بإخضاع القيادات الأمنية للمساءلة عن أي خرق لم يُرصد مسبقاً، أو يكشف تقصيراً في تقدير الموقف أو تعارضاً مع التقارير الاستخباراتية، مع التحقيق في ملابسات الهجمات ومحاسبة المقصرين وفق القانون.
ويشير إلى أن الدور الرقابي لمجلس النواب ينبغي أن يتضمن استضافة القيادات المعنية، وطلب تقارير تفصيلية عن أسباب الخروقات والإجراءات المتخذة لمعالجتها، وتحديد المسؤوليات ووضع جداول زمنية لتنفيذ التوصيات الأمنية ومتابعتها.
المناطق الرخوة أمنياً
من جانبه، يقول الخبير الأمني، سرمد البياتي، إن معظم الهجمات تركزت في مناطق محددة، ولا سيما جنوب غربي كركوك، وهي مناطق شهدت تحركات لعناصر "داعش" في فترات سابقة.
ويوضح البياتي لوكالة شفق نيوز، أن قرب هذه المناطق من خطوط التماس بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان يتيح للتنظيم استغلال تعقيدات الانتشار الأمني، فضلاً عن وجود مناطق وعرة ومشجرة ومضافات يمكن استخدامها للاختباء والتحرك.
ويضيف أن أعداد عناصر التنظيم المتبقية محدودة ولا تسمح له بالسيطرة على الأرض، لكنها تتيح له إيقاع الأذى بالقوات المنتشرة هناك.
ويدعو إلى تكثيف عمليات التفتيش والرصد والمراقبة باستخدام الطائرات المسيّرة، خصوصاً في الوديان ومناطق القصب والمرتفعات التي يصعب مراقبتها بصورة مستمرة، إلى جانب تعزيز الجهد الاستخباري لملاحقة الخلايا المتبقية والقضاء عليها.
معركة استخبارات
بدوره، يقول الخبير الأمني، مخلد الدرب، إن بقايا "داعش" الموجودة قرب كركوك تحاول استغلال مناطق رخوة وفرصة أمنية لتنفيذ هجمات استباقية وإثبات وجودها، بعدما كانت تلك المناطق تخضع للرصد والاستمكان الجوي ضمن عمليات التحالف الدولي الذي غادر البلاد في 30 أيلول/ سبتمبر الماضي.
لكن الدرب يحذر خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، من اعتبار هذه الهجمات دليلاً على عودة التنظيم إلى سابق قوته، قائلاً إن مرحلة سيطرته السابقة على الأراضي قد انتهت، وإن ما يجري حالياً لا يعني إمكانية إعادة بناء "دولة التمكين" السابقة.
ويرى أن المطلوب هو إعادة ترتيب العمل الاستخباري بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، وتوسيع مصادر المعلومات، وتكثيف المراقبة ونصب الكمائن، بهدف رصد تحركات العناصر المسلحة قبل وصولها إلى أهدافها.
ويؤكد أن القوات العراقية تمتلك خططاً واستراتيجيات لملاحقة "داعش"، وأن جاهزية القوات البرية مرتفعة، لكنه شدد على أن المواجهة الحالية "معركة استخبارات وأمن وليست مواجهة عسكرية" بالمعنى التقليدي.
ويشير إلى إمكانية تعويض جوانب من قدرات الرصد والاستمكان الجوي السابقة عبر الطائرات العراقية، مع ضرورة استكمال جاهزية القوة الجوية وتطوير قدراتها بما يلبي متطلبات المرحلة.
اختبار القدرات الأمنية
في المقابل، يقدم الخبير الأمني والاستراتيجي، اللواء جواد الدهلكي، قراءة أكثر تحذيراً، قائلاً إن مناطق كركوك وشمال حمرين وشمال العظيم، وصولاً إلى المحاور المتصلة بالمناطق الحدودية، تشكل بيئة ملائمة لتحركات "داعش" وإدامة إمداداته اللوجستية.
ويوضح الدهلكي لوكالة شفق نيوز، أن التنظيم يتحرك عبر محاور تشمل الزاب والمناطق القريبة من كركوك وأربيل، فضلاً عن تقاطعات الدبس والكوير ومحور كركوك ـ العظيم وجبال حمرين، مستفيداً من صعوبة التضاريس واتساع المساحات التي يصعب نشر قطعات عسكرية فيها بصورة دائمة.
ويضيف أن العراق لم يقضِ على جميع خلايا التنظيم منذ عام 2017، مشيراً إلى أن معرفة عناصره بالمناطق التي ينشطون فيها تمثل أحد أبرز التحديات أمام الأجهزة الأمنية.
ويرى أن الهجمات الأخيرة قد تكون، في جانب منها، محاولات لاختبار رد فعل القوات العراقية وقياس سرعة استجابتها وطبيعة النيران المقابلة، تمهيداً لتغيير أساليب الهجوم أو اختيار مناطق أخرى.
ويحذر من احتمال تصاعد الهجمات خلال الفترة المقبلة، معتبراً أن التنظيم قد يستفيد من الظروف المناخية وطبيعة المناطق الوعرة التي يصعب الوصول إليها وإيصال الإمدادات العسكرية إليها.
ويدعو الدهلكي في الختام إلى تطوير منظومات الاستخبارات ووسائل جمع المعلومات، بما في ذلك أساليب الرصد والتنصت، لتحديد مواقع الخلايا ومسارات تقدمها قبل وصولها إلى الأهداف المحتملة، وإتاحة الوقت الكافي لتهيئة القوات المناسبة لمواجهتها.