شفق نيوز- بغداد
مع دخول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى يومها التاسع، يواجه العراق تداعيات متزايدة للصراع الإقليمي المرشح لمزيد من التصعيد خلال الأيام المقبلة.
وتحاول بغداد النأي بنفسها عن الانخراط العسكري المباشر، بينما يواجه الاقتصاد العراقي ضغوطاً متنامية نتيجة الاضطراب في أسواق الطاقة وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لتجارة النفط العالمية.
ويحذر مختصون من أن استمرار الحرب لن يقتصر على تداعياته العسكرية، بل سيمتد إلى آثار سياسية واقتصادية واسعة قد تطال دول المنطقة، ولا سيما العراق الذي يعتمد اقتصاده بشكل كبير على صادرات النفط التي تمثل أكثر من 90% من إيرادات موازنته.
وتتزايد المخاوف مع تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز وإعلان شركات طاقة حالة "القوة القاهرة"، في وقت تواصل فيه أسعار النفط الارتفاع وسط توقعات ببلوغها مستويات أعلى إذا استمرت الأزمة.
تصعيد عسكري
وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام الفيلي، أن مسار الصراع يشير إلى احتمالات تصعيد إضافي في المرحلة المقبلة.
ويقول الفيلي لوكالة شفق نيوز، إن الأوضاع في المنطقة "تسير نحو مستوى أعلى من التصعيد"، مشيراً إلى أن المواقف المتشددة للأطراف الرئيسية تقلص فرص التهدئة في المدى القريب.
ويضيف أن إيران ترفض الشروط التي تطرحها الولايات المتحدة لوقف الحرب، في حين لا تبدو واشنطن مستعدة لإنهاء المواجهة قبل تحقيق أهداف استراتيجية داخل إيران، سواء عبر إضعاف النظام القائم أو بروز تيار سياسي أكثر تقارباً مع الولايات المتحدة.
ويحذر الفيلي من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى أزمات متلاحقة في المنطقة، لا سيما مع انخراط أطراف إقليمية أخرى، مثل الفصائل المسلحة العراقية وحزب الله اللبناني، ما يزيد من تعقيد المشهد ويقلص فرص التوصل إلى تسوية سريعة.
ويأتي هذا التحذير مع تقارير ميدانية أكدت بدء شركات النفط الأجنبية بإجلاء موظفيها من حقول البصرة نحو الكويت، تزامناً مع إعلان توقف الإنتاج فعلياً في حقل الرميلة العملاق وحقول إقليم كوردستان، مما تسبب بخسارة يومية بلغت 1.6 مليون برميل.
أزمة الطاقة
على الصعيد الاقتصادي، يرى الباحث أحمد عيد، أن الحرب دخلت مرحلة من "الاضطراب وعدم اليقين" بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية.
ويقول عيد لوكالة شفق نيوز، إن التوترات في الخليج والتهديدات التي تطال الملاحة في مضيق هرمز رفعت كلفة النقل والتأمين البحري، ما أربك تدفقات النفط وأثر في الأسواق العالمية.
ويضيف أن العراق، رغم عدم مشاركته المباشرة في الحرب، يظل من أكثر الدول عرضة للتأثر بتداعياتها الاقتصادية، بسبب اعتماده الكبير على صادرات النفط لتمويل الموازنة العامة.
وتشير بيانات السوق إلى أن تعطل الملاحة في مضيق هرمز لمدة أسبوع أدى إلى احتجاز نحو 140 مليون برميل من النفط عن الأسواق العالمية، ما دفع أسعار خام برنت إلى أعلى مستوياتها في نحو عامين عند 93 دولاراً للبرميل.
هذا الشلل دفع بشركات طاقة في المنطقة، بينها مؤسسة البترول الكويتية وقطر للطاقة، لإعلان حالة "القوة القاهرة"، وهو ما يمهد لموجة غلاء عالمية قد تقفز بالبرميل إلى ما بين 150 و200 دولار، وفق توقعات برلمانية إيرانية.
آفاق الاقتصاد
من جانبه، يقدم مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون المالية والاقتصادية، مظهر محمد صالح، قراءة لخيارات العراق في مواجهة تداعيات الأزمة.
ويقول صالح في تصريح، صباح اليوم، لوكالة شفق نيوز، إن العراق قد يواجه توقفاً تحوطياً في بعض الحقول النفطية إذا تعذر تسويق النفط عبر مضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى فقدان ما بين 50% و60% من القدرة الإنتاجية، أي ما يعادل نحو 1.5 إلى مليوني برميل يومياً.
ويوضح أن ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية قد يعوض جزءاً من الخسائر المحتملة، عبر ما يعرف بـ"كلفة الفرصة البديلة"، لافتاً إلى أن التأثيرات المالية الفعلية لإغلاق المضيق قد تبدأ بالظهور بعد نحو 60 يوماً.
ويشير صالح إلى أن الحكومة تسعى إلى توسيع خيارات التصدير عبر خط الأنابيب العراقي – التركي نحو ميناء جيهان، الذي يمكن أن ينقل نحو مليون برميل يومياً، إلى جانب إمكانية نقل كميات إضافية بواسطة الشاحنات.
وفي السياق ذاته، قال مرصد "إيكو عراق" إن توقف الإنتاج في حقل الرميلة وعدد من حقول إقليم كوردستان أدى إلى خسائر تقدر بنحو 128 مليون دولار يومياً، ما يزيد الضغوط على الموازنة العامة.
وفي ظل هذه التحديات، يشير مسؤولون إلى أن الصين، بوصفها أكبر مستورد للنفط العراقي، قد تلعب دوراً مهماً في الحفاظ على جزء من تدفقات الصادرات.
وبهذا الصدد، يقول مظهر محمد صالح، إن قدرة بكين على نقل كميات كبيرة من النفط عبر أسطولها البحري قد تساعد العراق على استمرار تصدير جزء من إنتاجه حتى في ظل المخاطر الأمنية في الخليج.
ومع ذلك، يحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الاضطراب في طرق التجارة والطاقة قد ينعكس أيضاً على إمدادات الغذاء والسلع الأساسية في المنطقة، في حال طال أمد الأزمة.