شفق نيوز- بغداد
شهد العراق تحسناً ملموساً في تصنيفه الأمني الدولي بعد إعلان وزارة الداخلية مؤخراً أن البلاد خرجت من قائمة الدول عالية المخاطر وارتقت إلى قائمة الدول المستقرة أمنياً، وهو ما اعتبره مراقبون إنجازاً سياسياً وأمنياً مهماً على المستوى الداخلي والدولي.
وجاء هذا الإنجاز وفق ما تؤكده الداخلية العراقية بعد سنوات من التحديات الأمنية والمالية التي واجهتها البلاد، وسط إجراءات عملية متواصلة لتعزيز الرقابة المالية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وبحسب خبراء فإن هذه الخطوة تمثل مؤشر ثقة دولية بعراق أكثر استقراراً، لكنها مرتبطة بمواصلة الإصلاحات الداخلية وتعزيز آليات السيطرة على الفساد وحركة الأموال داخل البلد.
وفي هذا السياق، نبه الخبير الأمني علي المعماري، إلى أن مهام وزارة الداخلية أصبحت أكثر دقة وتعقيداً، وأن تطبيق المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يحتاج إلى مهنية عالية وتنسيق كامل بين جميع الأجهزة الأمنية والإدارية.
وأوضح المعماري، لوكالة شفق نيوز أن "العراق لا زال بعيداً عن تطبيق كل ما نتمناه بسبب الفساد الإداري والأمني الذي يغطي بشكل غير طبيعي على مؤسسات الدولة، ولا تزال المحاصصة والمحسوبية لها الدور السلبي الكبير في هذا الجانب".
ولكن في النهاية، يجب العمل بالممكن ونسيان المستحيل، و"على وزارة الداخلية أن تعمل مهنياً وتكنولوجياً وميدانياً للحصول على النتائج المرجوة"، وفق المعماري.
من جانبه، يرى المحلل السياسي علي الحبيب أن خروج العراق من التصنيف الدولي عالي المخاطر يمثل إنجازاً سياسياً للحكومة ووزارة الداخلية.
وقال الحبيب، لوكالة شفق نيوز، إن "هذا الإنجاز يعكس التزام العراق بالمعايير العالمية، ويعزز الاستقرار الأمني، ويقوي العلاقات مع الغرب، ويقلل الضغوط الخارجية، كما يعزز شرعية الحكومة داخلياً كدليل على كفاءتها في مواجهة التحديات المالية والأمنية، ويدعم السيادة الوطنية عبر تقليل التدخلات الخارجية المرتبطة بالعقوبات".
وأوضح الحبيب، أن استدامة هذا الإنجاز تتطلب إصلاحات شاملة لمكافحة الفساد وتعزيز التنسيق بين الجهات الأمنية والمصرفية، إلى جانب إرادة سياسية مستمرة لتجنب العودة إلى القوائم الخاصة في ظل التحديات الداخلية مثل النفوذ الخارجي والفساد.
وفي نفس السياق، أكد المحلل السياسي داود الحلفي أن خروج العراق من "القائمة الرمادية" يمثل "منجزاً كبيراً يحسب للنظام السياسي والمجتمع والمواطن على حد سواء".
لكن الحلفي، أشار خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن مفاتيح الأمن مرتبطة بالصراع السياسي الداخلي، قائلاً: "عندما تختلف الرؤى السياسية قد يلجأ السياسيون إلى الشارع للحصول على مكاسب إضافية، مما يعرقل الاستقرار".
وأضاف: "المهم الآن هو تحقيق السيطرة على حركة السيولة النقدية والأموال، وضمان توظيفها لصالح البلد وليس لأغراض سياسية ضيقة، فالدولة حتى الآن عاجزة عن ضبط حركة السيولة وغسيل الأموال التي تبدأ من الحدود وتنتقل داخل البلد".
وكشفت وزارة الداخلية العراقية عن سلسلة إجراءات عملية لتعزيز الرقابة المالية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وذلك في إطار استكمال الخطوات التي ضمنت خروج العراق من "القائمة الرمادية" للمعايير الدولية.
وقال المتحدث باسم الوزارة العقيد عباس البهادلي، لوكالة شفق نيوز، إن المديرية العامة للجريمة المنظمة تضطلع بمهام إنفاذ القانون ضمن ساحات العمل الخاصة بها، مؤكداً أن الوزارة باشرت بالتحقيقات المالية الموازية للكشف عن المتحصلات المالية الناتجة عن الجرائم الأصلية وضمان عدم استثمارها في جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وأضاف البهادلي، أن هناك تنسيقاً وتعاوناً مشتركاً مع مكتب مكافحة غسل الأموال للتحري والكشف عن الشبهات المالية في الأنشطة التجارية المشبوهة، وأن الوزارة تؤدي دوراً فاعلاً في مجلس مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لرسم السياسات المالية والاقتصادية وفق المعايير الدولية، ولا سيما توصيات مجموعة العمل المالي (FATF).
وفيما يخص النتائج الأمنية، أعلنت وزارة الداخلية خلال مؤتمر صحفي عقدته الأربعاء الماضي، عن حصيلة واسعة للعمليات التي ساهمت في تحسين تصنيف العراق، شملت اعتقال آلاف المتهمين بجرائم صحية وتهريب وغش وغلاء الأسعار وجرائم مالية وتهريب الأدوية، بالإضافة إلى ضبط المتورطين في جرائم غسيل الأموال والعملات الرقمية وتزوير العملة والاحتيال، إلى جانب تفكيك شبكات تهريب الآثار والأسلحة غير القانونية، بما يعكس جهوداً متكاملة لتعزيز الأمن المالي والاقتصادي في العراق.
كما أعلن مدير المديرية العامة للجريمة المنظمة، اللواء أحمد جمعة، خلال المؤتمر نفسه عن تفكيك شبكة "الدولار الأسود" للنصب على المواطنين، إضافة إلى شبكات تهريب أجهزة تعدين العملات الرقمية وضبط 198 جهاز تعدين، وتفكيك شبكات للاتجار بالآثار في محافظات بغداد وديالى وبابل وصلاح الدين، ومصادرة الأسلحة والعتاد التي تم الإعلان عن رصدها عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي.
أما على صعيد الرقابة المالية والتعاون الدولي، فقد أكد محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق، نهاية أيار/مايو الماضي، التزام العراق بالتعاون مع الشركاء الدوليين في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ضمن الخطوات العملية التي اتخذتها وزارة الداخلية لضمان تطبيق المعايير الدولية على أرض الواقع.
هذا ويعني انتقال العراق من القائمة (E) إلى القائمة (B) خروجه من تصنيف الدول ذات الهشاشة الأمنية العالية، ودخوله ضمن الدول التي تشهد استقراراً أمنياً أفضل، بحسب معايير تقييم تعتمدها الجهات الأمنية المختصة، ما ينعكس إيجاباً على التعاون الدولي، وحركة السفر، والثقة بالوضع الأمني داخل البلاد.