شفق نيوز- بغداد
يتفق أغلب الباحثين والأكاديميين حول العالم على أن البحث العلمي لا يمكن أن يؤدي وظيفته الحقيقية إلا إذا تأسس على ركيزتين أساسيتين الأولى الأمانة العلمية والثانية الرصانة المنهجية، وبدون هذين العنصرين، تتحول الجامعة من مؤسسة لإنتاج المعرفة إلى مجرد منصة لتوليد شهادات شكلية لا تعكس حقيقة الكفاءة العلمية.
في العراق، كما في العديد من البيئات الأكاديمية الإقليمية، لم يعد هذا المبدأ مجرد إطار نظري، بل أصبح محور جدل واسع مع تصاعد ما يُعرف بـ"اقتصاد الأبحاث الجاهزة" أو "تجارة البحوث العلمية"، وهي ظاهرة تتسع تدريجياً لتشمل الطلبة، وبعض التدريسيين، وحتى شبكات وسيطة تعمل خارج الأطر القانونية والأكاديمية.
"سوق أكاديمي"
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن ظاهرة شراء الأبحاث العلمية لم تعد حالات معزولة، بل تحولت إلى سوق مواز يعمل داخل البيئة الجامعية أو بالقرب منها، حيث إن المكتبات القريبة من الجامعات، وصفحات الإنترنت، وحتى مكاتب غير مرخصة، باتت تعرض خدمات "إعداد البحوث" بأسعار متفاوتة تبدأ من مئات الآلاف من الدنانير وتصل إلى ملايين، بحسب مستوى الدراسة.
ووفقاً لمعلومات ميدانية متداولة، فإن تكلفة بحث التخرج في مرحلة البكالوريوس قد تتراوح بين 75 و100 ألف دينار عراقي، بينما تصل رسائل الماجستير إلى ما بين 3 و7 ملايين دينار، مع وجود تفاوت بحسب التخصص.
لكن الأخطر، وفق ما يورده بعض الباحثين، أن هذه المكاتب لا تكتفي بالكتابة، بل تقوم أحياناً بـ"إعادة تدوير" الأبحاث أو تعديل عناوينها فقط، وهو ما يفتح الباب أمام حالات انتحال علمي مباشر أو غير مباشر.
ويقول أحد العاملين السابقين في هذا المجال، كما ورد في تقارير سابقة، إن "بعض البحوث تُكتب من قبل أشخاص متمرسين مقابل نسبة من الأرباح، ويتم تعديلها بشكل بسيط لتناسب الطالب".
الانتحال العلمي
السرقة العلمية أو الانتحال (Plagiarism) تُعرّف أكاديمياً بأنها تقديم عمل أو فكرة أو إنتاج علمي لآخرين على أنه خاص بالباحث دون توثيق مناسب للمصدر، ويشمل ذلك نسخ النصوص دون إشارة للمصدر، وإعادة استخدام بيانات أو أفكار دون توثيق، ونسب أعمال أكاديمية للذات دون مشاركة فعلية.
وتشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن الانتحال قد يكون متعمداً أو غير متعمد، لكنه في جميع الحالات يُعد خرقاً للأمانة العلمية، فيما تستخدم الجامعات حول العالم برامج متخصصة لكشف التشابه النصي مثل "تيرنيتن" Turnitin، و"آي ثينتيكيت" iThenticate، و"جرامرلي بلاجياريزم تشيكر" Grammarly Plagiarism Checker، و"بلاجي سكان" PlagScan، وغيرها.
لكن رغم ذلك، تؤكد تقارير أكاديمية أن "التقنيات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، زادت من تعقيد اكتشاف الانتحال بدل أن تقلله".
"ليست جديدة"
ولفهم كيف نشأت هذه الظاهرة ولماذا تتوسع وما أثرها على مستقبل التعليم العالي في العراق، أجرت وكالة شفق نيوز مقابلات خاصة مع نخبة من الأكاديميين، قدموا شهادات مقلقة تكشف جانباً من كواليس إنجاز بعض البحوث العلمية، وما يرافقها من ممارسات تثير تساؤلات جدية حول نزاهة الإنتاج الأكاديمي في البلاد.
وفي هذا السياق، يقول الأستاذ الأكاديمي خالد العرداوي، إن السرقة العلمية ليست ظاهرة عراقية فقط، بل عالمية، مضيفاً أن "الكثير من النظريات العلمية عبر التاريخ يقال إنها نُقلت أو سُرقت من علماء آخرين"، لكنه يوضح أن المشكلة الحقيقية ليست في وجودها، بل في اتساعها داخل المؤسسات الأكاديمية دون ردع كاف.
ويؤكد العرداوي لوكالة شفق نيوز: "كلما ازدادت السرقة العلمية دون محاسبة، ضعفت قيمة المؤسسات الأكاديمية، وأصبحت البحوث محل شك، مما يضر بالتصنيف العلمي للجامعات".
ويرى الأكاديمي أن الأسباب الأساسية للظاهرة تتمثل في ضعف إعداد الباحثين أكاديمياً، وتراجع الأخلاقيات المهنية، وغياب الرقابة والمحاسبة، والتركيز على الكم بدل النوع.
ويشير إلى أن الحل يتطلب حوكمة حقيقية للمؤسسات الأكاديمية، وتفعيل القوانين العقابية، ورفع جودة التوظيف الأكاديمي، والتركيز على البحث الرصين لا الإنتاج العددي.
"شراء البحوث"
من جهته، يلفت الأستاذ الجامعي علاء نجاح، إلى أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على الطلبة، بل امتدت إلى بعض التدريسيين أيضاً، حيث يتم إعادة استخدام بحوث أو شراء أعمال علمية بالكامل.
ويقول نجاح لوكالة شفق نيوز: "هناك مكتبات ومكاتب تقدم خدمات كتابة البحوث حتى للأساتذة مقابل المال، وقد تم كشف العديد من هذه الحالات ومعاقبة البعض، بينما لم يُكشف البعض الآخر".
ويضيف أن المشكلة لا تتوقف عند السرقة فقط، بل تمتد إلى إنتاج معرفة غير حقيقية، وتزييف النتائج البحثية، وفقدان الثقة بالشهادات الأكاديمية، محذراً من أن استمرار الظاهرة سيؤدي إلى "تخريج جيل يحمل شهادات دون كفاءة حقيقية، ما ينعكس على مؤسسات الدولة وسوق العمل".
الموقف الرسمي
وحاولت وكالة شفق نيوز التواصل مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية للحصول على تعليق حول ملف شراء الأبحاث، في ظل تكرار هذه الظاهرة واتساعها، والإجراءات التي اتخذتها الوزارة سابقاً للحد منها، والمخاطر المترتبة عليها، إضافة إلى سبل معالجتها أو القضاء عليها. إلا أن الوزارة لم ترد حتى لحظة إعداد هذا التقرير.
في المقابل، كانت وزارة التعليم العالي قد أعلنت في أكثر من مناسبة اتخاذ إجراءات بحق حالات سرقة علمية، شملت نقل تدريسيين إلى وظائف إدارية، وحرمانهم من مخصصات الخدمة الجامعية، وسحب شهادات في بعض الحالات، فضلاً عن تشكيل لجان تحقيق للنظر في هذه المخالفات.
كما أشارت مصادر رسمية إلى ضبط حالات سرقة بعد المناقشة، ما أدى إلى سحب شهادات طلاب، لكن في المقابل، يرى أكاديميون أن هذه الإجراءات تبقى "ردود فعل بعد وقوع الضرر"، وليست نظاماً وقائياً فعالاً.
التصنيفات العالمية
وتشير بيانات حديثة إلى أن الجامعات العراقية بدأت تظهر في عدة تصنيفات عالمية، منها تصنيف "كيو إس العالمي للجامعات"QS World University Rankings، وتصنيف "التايمز للتعليم العالي" Times Higher Education Rankings، وتصنيف "ليدن رانكينج" CWTS Leiden Ranking، وتصنيف "سيماجو للمؤسسات" Scimago Ranking.
كما أظهرت تقارير رسمية أن عشرات الجامعات العراقية أصبحت ضمن تصنيفات "التايمز" العربية، حيث ظهرت أكثر من 21 جامعة في تصنيف "ليدن"، وتوسع حضور الجامعات العراقية في التصنيفات البحثية.
لكن خبراء يحذرون من تفسير هذه الأرقام بشكل خاطئ، إذ إن "الظهور في التصنيفات لا يعني بالضرورة جودة النزاهة البحثية"، بل يعتمد على حجم النشر والاستشهادات والتعاون الدولي وجودة البحث.
"مزارع الأبحاث"
وتشير دراسة أكاديمية حديثة إلى ظهور ما يُعرف بـ"مزارع الأوراق البحثية"، وهي شبكات تنتج أبحاثاً مزيفة تُباع للباحثين، وتعمل هذه الشبكات عبر إنتاج أوراق علمية مزيفة، وبيعها للباحثين، ونشرها في مجلات ضعيفة أو "مفترسة"، وإعادة تدوير البيانات.
وقد كشفت دراسة تحليلية شملت ملايين الأوراق العلمية وجود أنماط غير طبيعية في الاقتباسات والنشر، ما يشير إلى وجود شبكات احتيال منظمة.
وتؤكد الدراسة أن هذه الظاهرة تتوسع بشكل أسرع من البحث الحقيقي، وتهدد مصداقية العلم عالمياً، وتؤثر حتى على نماذج الذكاء الاصطناعي.
وفي سياق مشابه، ظهرت تقارير عن حالات سرقة علمية في بعض الجامعات العربية في دول جوار العراق، حيث تم تسجيل حالات سحب شهادات بعد اكتشاف اقتباسات غير موثقة.
كما تم اعتماد إجراءات جديدة تشمل فحص إلكتروني للأطروحات، ولجان سرية للتدقيق، وتحديد نسب اقتباس صارمة.
أزمة أعمق
وفي هذا الجانب، يرى الأستاذ الأكاديمي صفوان قصي أن المشكلة تتجاوز العقوبات، مؤكداً أن بعض الباحثين يلجؤون إلى شراء البحوث بهدف الترقية، في ظل ضعف الرقابة على المجلات العلمية، وصعوبة إنجاز بعض البحوث ضمن مددها الطبيعية.
ويشدد قصي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، على ضرورة كشف نتائج التحقيقات المتعلقة بحالات الفساد العلمي بشكل علني، وسحب الألقاب العلمية من المزورين، إلى جانب تعزيز الرقابة على النشر الأكاديمي والحد من التلاعب في الإنتاج البحثي.
ويأتي هذا بعدما كشف مصدر مطلع في جامعة ذي قار لوكالة شفق نيوز مؤخراً، عن تسجيل حالة وُصفت بـ"الفضيحة العلمية" داخل إحدى الكليات، تورط فيها تدريسيان، تمثلت بسرقة علمية ونشر مزدوج لبحث واحد في أكثر من مجلة علمية، وهو ما أسفر عن ترتيبات مرتبطة بترقية علمية ومنصب أكاديمي حساس داخل الجامعة.
وفي قراءة أوسع للظاهرة، وصف المستشار الأكاديمي محمد الربيعي في مقال له اكتشاف مثل هذه الحالات بأنه "اكتشاف متأخر لظاهرة معروفة"، مشيراً إلى أن السوق الأكاديمي غير الرسمي بات يعمل بشكل علني داخل بعض البيئات الجامعية.
ويضيف الربيعي بنبرة نقدية أن "المفاجأة ليست في وجود بيع البحوث، بل في الاستغراب من وجوده أصلاً"، محذراً من أن استمرار تجاهل هذه الممارسات يحول الجامعات إلى "معارض للترقيات" و"مصانع للشهادات" بدلاً من كونها مؤسسات لإنتاج المعرفة.