شفق نيوز - حلبجة
تخطو حلبجة بثبات نحو إعادة تعريف نفسها كوجهة سياحية بارزة في إقليم كوردستان، مستفيدة من تنوعها الطبيعي الذي يجمع بين الجبال الشاهقة والوديان العميقة والمياه المتدفقة، ولا سيما في مناطق هورامان التي تُعد من أكثر المناطق تفرداً على مستوى العراق.
وعلى امتداد الجغرافيا السياحية للمحافظة، تتوزع عشرات المواقع التي تشكّل عناصر جذب رئيسية، من بينها شلالات "أحمد آوا"، إضافة إلى مناطق بيارة، وخورمال، ومرتفعات هورامان التي تتميز بطابع معماري جبلي فريد وطقس معتدل في أغلب فصول السنة.
كما تنتشر الينابيع الطبيعية والممرات الجبلية التي تستقطب هواة التخييم والمشي الجبلي، فضلاً عن الغطاء النباتي الكثيف في الربيع، ما يمنح المنطقة بعداً بيئياً وسياحياً متكاملاً.
ورغم هذه المقومات، لا تزال حلبجة بعيدة عن استثمار كامل طاقتها السياحية، وسط مطالبات متزايدة بتحويلها إلى وجهة تضاهي أشهر المناطق العالمية.
أصوات من الميدان
في جولة لمراسل شفق نيوز، عبر عدد من السياح القادمين من محافظات عراقية مختلفة عن إعجابهم بطبيعة حلبجة، مقابل تسجيل ملاحظات تتعلق بالخدمات والبنية التحتية.
يقول أحمد سعد، سائح من بغداد إن "هذه زيارتي الأولى إلى حلبجة، وبصراحة تفاجأت بحجم الجمال الطبيعي الموجود هنا، خصوصاً في المناطق الجبلية القريبة من هورامان، المناظر تشبه إلى حد كبير المناطق الأوروبية، لكن المشكلة الأساسية التي واجهتنا كانت في الطرق، فبعض المواقع يصعب الوصول إليها بسبب وعورة الطرق أو عدم تعبيدها بشكل جيد، ولو تم تطوير هذا الجانب، أعتقد أن عدد السياح سيتضاعف بشكل كبير".
أما زينب علي، القادمة من صلاح الدين، فتشير إلى أن "حلبجة تمتلك كل مقومات السياحة من طبيعة ومناخ وهدوء، لكنها تحتاج إلى تنظيم أكبر، خصوصاً في ما يتعلق بتوفير الخدمات الأساسية مثل الاستراحات والمرافق العامة المجانية، ونحن كسياح نبحث عن تجربة متكاملة، وليس فقط عن مناظر جميلة".
من جانبه، يقول حسين جابر، سائح من الانبار "المنطقة جميلة جداً وتستحق الزيارة أكثر من مرة، لكننا نحتاج إلى بنية سياحية حقيقية، مثل فنادق حديثة ومنتجعات منظمة، إضافة إلى وجود مرشدين سياحيين وتعريف بالمواقع".
دعوات لنقلة نوعية
في السياق ذاته، يؤكد الناشط السياحي سردار محمود، لوكالة شفق نيوز، أن "حلبجة و هورامان تمتلكان ثروة سياحية هائلة، وإذا ما تم استثمارها بشكل صحيح يمكن أن تتحولا إلى واحدة من أهم الوجهات السياحية في المنطقة، بل ويمكن تسويقهما عالمياً تحت مسمى (سويسرا كوردستان).
وأضاف أن "المشكلة لا تكمن في نقص المقومات، بل في غياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، وضعف الاستثمارات في القطاع السياحي، نحن بحاجة إلى مشاريع نوعية، مثل المنتجعات الجبلية، وتلفريك، ومرافق سياحية حديثة، إلى جانب تحسين الطرق والبنية التحتية".
وتابع محمود القول "كما أن الترويج السياحي لا يزال دون المستوى المطلوب، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، في وقت تمتلك فيه المنطقة صوراً طبيعية قادرة على المنافسة عالمياً، إذا توفرت الإرادة الحقيقية، يمكن أن نرى حلبجة خلال سنوات قليلة ضمن أهم الوجهات السياحية في الشرق الأوسط".
موقف سياحة حلبجة
من جانبه، قال المتحدث الرسمي باسم مديرية سياحة حلبجة، هورامان جلال، للوكالة إن "الحركة السياحية في محافظة حلبجة تُعد جيدة مقارنة ببقية مناطق إقليم كوردستان، حيث شهدت المحافظة خلال هذا العام والعام الماضي توافد أعداد كبيرة من السياح، وكانت من بين أكثر المحافظات استقبالاً للزوار على مستوى الإقليم".
وأضاف أن "هذا الإقبال يعود إلى التنوع الطبيعي الكبير الذي تتمتع به حلبجة، وتعدد المواقع السياحية التي تناسب مختلف المواسم، إذ لدينا حالياً 36 منطقة سياحية، بعضها مخصص لموسم الصيف، وأخرى لموسم الربيع أو الشتاء، وهذا يمنح المحافظة ميزة الاستمرارية السياحية على مدار العام".
وأوضح جلال "مع ذلك، لا يمكن القول إن الواقع السياحي وصل إلى المستوى المطلوب، فهناك تحديات حقيقية، أبرزها الأزمة المالية التي تمر بها حكومة الإقليم، والتي أثرت بشكل مباشر على تنفيذ المشاريع السياحية وتطوير البنية التحتية".
وأشار إلى أن "هناك أيضاً مشاكل تتعلق بالطرق المؤدية إلى العديد من المواقع السياحية، حيث تحتاج إلى تأهيل وتطوير لتسهيل وصول السياح، إضافة إلى التحديات البيئية، إذ أن بعض السلوكيات غير المنظمة من قبل الزوار تؤثر سلباً على نظافة وجمالية تلك المناطق".
وتابع جلال قائلا: "عملت مديرية السياحة خلال الفترة الماضية على إطلاق حملات توعية بيئية، وحققنا نتائج إيجابية مقارنة بالسنوات السابقة، لكن هذه الجهود تحتاج إلى دعم أكبر من الجهات الحكومية، وتعاون من وسائل الإعلام، وكذلك من السياح أنفسهم".
واختتم المتحدث باسم مديرية سياحة حلبجة، حديثه بالتأكيد بأن "تطوير القطاع السياحي في حلبجة يتطلب تكاتف جميع الجهات، سواء الحكومية أو الخاصة، إضافة إلى جذب الاستثمارات وتمويل المشاريع، لأن المحافظة تمتلك بالفعل مقومات تؤهلها لتكون واحدة من أبرز الوجهات السياحية في العراق والمنطقة.”
وبين إشادة السياح بجمال الطبيعة، وتحذيرات المختصين من استمرار التحديات، تقف حلبجة أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة هويتها، ليس فقط كمدينة تحمل ذاكرة مؤلمة، بل كوجهة سياحية واعدة، قد تتحول يوماً ما إلى "سويسرا كوردستان" إذا ما أُحسن استثمار كنوزها الطبيعية.