شفق نيوز- كركوك

في محل صغير داخل أحد أسواق كركوك القديمة، يجلس دلير الجاف محاطاً ببكرات الأفلام وكاميرات العرض العملاقة، كأنه يحرس ما تبقى من ذاكرة السينما العراقية، في زمن أطاحت فيه الشاشات الحديثة والهواتف الذكية بعالم الصالات السينمائية الكلاسيكية.

داخل المكان، تصطف مئات الأفلام العربية والأجنبية والتركية إلى جانب ثلاث كاميرات عرض ضخمة ما تزال تعمل حتى اليوم، رغم مرور عقود على استخدامها في دور السينما التي كانت تضج بالحياة في المدينة.

ويبدو محل الجاف، أقرب إلى متحف فني صغير، تختلط فيه رائحة الأفلام القديمة بصوت البكرات المعدنية، فيما تستعيد الجدران حكايات زمن كانت فيه السينما جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لأهالي كركوك.

الجاف، المولود في سبعينيات القرن الماضي، يقول لوكالة شفق نيوز، إن علاقته بالسينما بدأت منذ الطفولة، عندما كان يقصد دور العرض المنتشرة في المدينة برفقة أصدقائه، مستذكراً دخوله لأول مرة إلى سينما الخيام عام 1979 لمشاهدة فيلم أجنبي وسط ازدحام كبير من الجمهور.

ويضيف أن أكثر ما جذبه آنذاك لم يكن الفيلم وحده، بل آلة العرض الموجودة في مؤخرة القاعة، إذ كان يراقب شعاع الضوء الخارج من العدسة باتجاه الشاشة العملاقة، قبل أن يتحول ذلك الفضول إلى شغف دفعه لاحقاً إلى جمع كاميرات العرض السينمائي والحفاظ عليها.

ويشير إلى أن أول كاميرا اقتناها كانت من نوع "أولمو" بقياس 16 ملم، اشتراها من المصور عبد الواحد في سوق كركوك مقابل 52 ديناراً، وكانت تُستخدم لعرض الأفلام الوثائقية والقصيرة في المدارس والقاعات الصغيرة.

وبعد سنوات، تمكن من شراء كاميرا روسية نادرة بقياس 35 ملم مقابل 152 ديناراً، موضحاً أنها كانت مخصصة لعرض الأفلام الطويلة داخل دور السينما الكبيرة، وكانت من الأجهزة النادرة في المدينة خلال تلك الفترة.

ويؤكد الجاف أن كاميرات العرض القديمة كانت تعتمد على نظام البكرات التقليدي، حيث يُركب شريط الفيلم داخل الجهاز ويمر عبر العدسات والإضاءة القوية ليُعرض على الشاشة، لافتاً إلى أن أغلب دور السينما العراقية استخدمت أجهزة إيطالية وبريطانية وروسية الصنع، أبرزها "سينمكانيكا" و"فيكتوريا".

ويتابع أن معظم الصالات اعتمدت على أفلام 35 ملم، وهي الصيغة الأشهر عالمياً للعروض السينمائية التجارية، فيما استخدمت بعض المدارس والمراكز الثقافية أجهزة 16 ملم لصغر حجمها وسهولة نقلها.

التاريخ القديم

ورغم مرور السنوات، ما تزال الكاميرات الثلاث التي يحتفظ بها تعمل حتى الآن، إذ يحرص على صيانتها وتنظيف عدساتها وأجزائها الميكانيكية بشكل مستمر، معتبراً أنها ليست مجرد أجهزة قديمة، بل جزء من ذاكرة العراق الفنية.

ويستذكر الجاف زمناً كانت فيه السينما حدثاً اجتماعياً وثقافياً مهماً، حيث كانت العائلات والشباب تتجمع أمام دور العرض، فيما تمتلئ المقاهي المجاورة بالنقاشات حول الأفلام والممثلين والأحداث الجديدة.

ويشير إلى أن كركوك كانت تضم ما بين 5 إلى 7 دور سينما معروفة، من بينها سينما الخيام وأطلس وصلاح الدين والمعلمين، إضافة إلى صالات أخرى اندثرت مع الزمن، مؤكداً أن المدينة عاشت نشاطاً فنياً وثقافياً جعلها من أبرز المدن العراقية المهتمة بالسينما.

كما يستذكر كيف كانت الأفلام العربية والتركية والهندية والأجنبية تستقطب جمهوراً واسعاً، خصوصاً خلال الأعياد والعطل الرسمية، عندما تمتد طوابير المشاهدين لساعات أمام شبابيك التذاكر.

من جانبه، يقول الكاتب محمد خضر إن دور السينما في كركوك تمثل جزءاً مهماً من تاريخ المدينة الثقافي، وأسهمت في تشكيل الوعي الفني لدى أجيال كاملة.

ويضيف خضر، لوكالة شفق نيوز، أن تنوع القوميات والثقافات في كركوك انعكس على طبيعة الأفلام المعروضة فيها، حيث كانت الصالات تعرض أفلاماً عربية وأجنبية وتركية وهندية، ما منح الجمهور تنوعاً فنياً وثقافياً واسعاً.

ويبين أن تراجع السينما في العراق بدأ تدريجياً خلال سنوات الحروب والحصار الاقتصادي، قبل أن تختفي أغلب دور العرض بعد عام 2003 بسبب الإهمال وغياب الدعم وظهور وسائل العرض الحديثة.

ذاكرة المدينة

بدوره، يؤكد الباحث عبد الكريم خليفة أن احتفاظ دلير الجاف بكاميرات العرض القديمة يمثل توثيقاً مهماً لذاكرة المدينة الفنية، مشيراً إلى أن هذه الأجهزة تحمل قيمة تاريخية وثقافية كبيرة.

ويضيف أن السينما لم تكن مجرد وسيلة ترفيه، بل نافذة يطل منها المجتمع على ثقافات العالم المختلفة، لافتاً إلى أن الأجيال الحالية ربما لا تدرك حجم التأثير الذي كانت تحدثه الأفلام ودور العرض في المجتمع خلال العقود الماضية.

ورغم كل التحولات، ما يزال دلير الجاف يجلس يومياً بين بكرات الأفلام وعدسات الحديد، محتفظاً بذاكرة زمن كانت فيه الشاشة البيضاء نافذة للأحلام والمتعة والثقافة، فيما تواصل كاميراته القديمة سرد حكايات مدينة عاشت يوماً عصر السينما الذهبي.

This browser does not support the video element.

This browser does not support the video element.