شفق نيوز- بغداد

يشهد العراق خلال السنوات الأخيرة حركة معقدة ومترابطة من عودة المهاجرين من الخارج وعودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، في ظل تضافر أسباب اقتصادية وأمنية وبيئية دفعت ملايين المواطنين خلال العقد الماضي إلى مغادرة مناطقهم، فيما بدأت أعداد متزايدة منهم بالعودة تدريجياً مع تغير الظروف الداخلية والإقليمية.

وتقول السلطات العراقية إن ملف الهجرة والنزوح يشهد تحولاً ملحوظاً، مع تراجع نسبي في الهجرة غير النظامية، مقابل استمرار عودة النازحين من المخيمات ومناطق النزوح الداخلي، إلى جانب عودة بعض المهاجرين من دول المهجر، خصوصاً من أوروبا وتركيا.

الهجرة والنزوح

وفي هذا السياق، يقول وكيل وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، كريم النوري، إن الهجرة غير النظامية شهدت خلال السنوات الماضية موجات كبيرة، خصوصاً في عام 2020 عبر مسارات بيلاروسيا وتركيا وليبيا، مشيراً إلى أن أغلب تلك الحالات كانت من إقليم كوردستان باتجاه أوروبا.

ويضيف النوري لوكالة شفق نيوز، أن الحكومة العراقية، بالتنسيق مع المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي، اتخذت إجراءات لمكافحة شبكات تهريب البشر، شملت كشف مافيات الاتجار بالبشر في بيلاروسيا، وإغلاق بعض المسارات غير النظامية، إلى جانب تحذيرات من السفر عبر طرق غير آمنة.

ويوضح أن هذه الإجراءات أدت إلى "انحسار الهجرة غير النظامية بأكثر من النصف مقارنة بالسنوات السابقة"، مشيراً إلى وجود برامج دعم للعودة الطوعية، إضافة إلى وجود نحو 30 ألف طلب لجوء مرفوض للعراقيين في ألمانيا، ما يشكل عاملاً يقلل من دوافع الهجرة الجديدة.

وفي ملف النزوح الداخلي، يشير النوري إلى أن العراق شهد خلال السنوات الماضية حالات نزوح مرتبطة بالتغير المناخي والجفاف، خصوصاً في المحافظات الجنوبية، مبيناً أن البلاد سجلت سابقاً نحو 16 ألف حالة نزوح بسبب التصحر، إلا أن هذه الأرقام تراجعت مؤخراً مع تحسن نسبي في معدلات الأمطار.

ويقول إن وزارة الهجرة شكلت لجان طوارئ لمتابعة الوضع، مؤكداً أنه "لم يتم تسجيل موجات نزوح واسعة في الفترة الأخيرة"، لكنه حذر من إمكانية تجددها في حال تفاقم أزمة المياه.

وفي ما يتعلق بالنزوح المرتبط بالحرب ضد تنظيم "داعش"، يبين النوري أن معظم العائلات عادت إلى مناطقها الأصلية بدعم حكومي ودولي، لافتاً إلى أن أكثر من 15 ألف شخص عادوا من برامج التأهيل، بما في ذلك العائدون من مخيم الهول في سوريا عبر مخيم الجدعة التأهيلي في محافظة نينوى، فيما لا تزال بعض الملفات، مثل جرف الصخر شمالي محافظة بابل، مرتبطة بإجراءات تدقيق أمني.

حراك السكان المائي

وفي سياق متصل، يقول رئيس مجموعة "طبيعة العراق" البيئية، جاسم الأسدي، إن الوضع المائي في العراق "معقد ومزدوج"، إذ تشهد بعض المناطق وفرة نسبية في المياه مقارنة بالسنوات الماضية، بينما تعاني مناطق أخرى، خصوصاً على ضفاف دجلة، من شح حاد.

ويوضح الأسدي لوكالة شفق نيوز، أن العراق انتقل من مستوى مائي منخفض جداً العام الماضي لم يتجاوز 4.7 مليارات متر مكعب، إلى أكثر من 31 مليار متر مكعب حالياً، وهو ما انعكس على تحسن نسبي في الخزانات المائية والأنظمة البيئية، بما فيها الأهوار.

لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن "الأهوار الوسطى تعيش حالة تدهور بيئي"، محذراً من استمرار هجرة السكان من مناطق الكور (المركزية) باتجاه مصادر المياه، إضافة إلى نزوح تدريجي من المناطق الزراعية في ذي قار نحو المدن.

ويضيف أن جزءاً كبيراً من المياه المتاحة سيُستهلك خلال الموسم الزراعي الحالي، ما قد يترك نحو 15 مليار متر مكعب فقط للعام المقبل، وهو ما يهدد باستمرار الضغوط على المجتمعات الزراعية وزيادة الهجرة الداخلية المرتبطة بالمياه.

الواقع الاقتصادي

من جهته، يشير الخبير الاقتصادي، كريم الحلو، إلى أن الهجرة داخل العراق أصبحت متعددة الأشكال، وتشمل الهجرة الريفية نحو المدن نتيجة شح المياه وضعف الخدمات، وهجرة رؤوس الأموال إلى الخارج بسبب الفساد وضعف البيئة الاستثمارية، إضافة إلى هجرة الكفاءات المهنية بسبب محدودية فرص العمل.

ويبين الحلو لوكالة شفق نيوز، أن هذه التحولات أدت إلى تغيّر في التركيبة الاجتماعية داخل المحافظات، وارتفاع معدلات البطالة في بعض المناطق، مقابل استمرار استقطاب العمالة الأجنبية في قطاعات مهنية يعاني العراق من نقص فيها.

وفي سياق العودة من الخارج، تقول المواطنة رند محمد، وهي من بغداد وعادت من تركيا بعد سنوات من الإقامة هناك، إن قرارها بالعودة جاء بعد مراجعة ظروفها الشخصية وصعوبة استمرار الإقامة خارج البلاد.

وتضيف السيدة لوكالة شفق نيوز، أن ارتفاع تكاليف المعيشة في تركيا وطول إجراءات الهجرة إلى أوروبا دفعاها إلى إعادة التفكير بخيار العودة.

وتختم محمد، حديثها بأن "الاستقرار النسبي وتوفر فرص العمل داخل العراق" كانا من العوامل التي شجعتها على اتخاذ القرار، مؤكدة أن التجربة تختلف من شخص إلى آخر بحسب ظروفه الخاصة.