شفق نيوز- بغداد/ طهران
تتصاعد حدة الضغوط الاميركية على إيران، في محاولة لإجبارها على "الخضوع" لشروطها، والتي تتمثل بالدرجة الأساس بالتخلي عن مشروع الصواريخ الباليستية ودعم الفصائل المسلحة في المنطقة العربية، رغم أن هذه الملفات تعد من أساس "الثورة الإسلامية" في إيران وعمودها الفقري، وهو ما ترفضه إيران بشكل علني وصريح.
ومنذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، دعا مؤسسها الخميني، إلى "تصدير الثورة" إلى الخارج، وهذه الدعوة بقيت محل جدل داخل إيران، وفسرت بأكثر من جانب، بين من يراها تصدير كامل ودفع الشعوب إلى الثورة على أنظمتها، وبين من قرأها التعامل "فكريا وثقافيا" مع الشعوب التي تؤمن بثورة إيران.
لاحقا وعلى أرض الواقع، دعمت إيران خلال العقود الاخيرة، حركات عدة في المنطقة العربية، وأبرزها العراق ولبنان، في البداية ومن ثم اليمن وسوريا، إلى جانب دعمها الحركات الفلسطينية، رغم أنها تختلف عنها بالعقيدة والمذهب.
ما أقدمت عليه إيران من دعم لحركات في هذه البلدان، وأغلبها باتت مسلحة وتمتلك ترسانة كبيرة ودخلت بحروب مع أميركا وإسرائيل، بات أحد شروط التوصل معها لاتفاق دولي، وقد وضع هذا الشرط لأكثر من مرة على طاولة المفاوضات، والقاضي برفع الدعم الإيراني عن هذه الحركات المسلحة، وخاصة في العراق، مقابل التوصل لاتفاق، إلى جانب أيضا إنهاء مشروع الصواريخ الباليستية والبرنامج النووي.
هذا الدور الإيراني اصطدم بمفهوم معقد داخل إيران، وهو "الثورة والدولة"، حيث تنقسم السلطة إلى قسمين، بين "الاطلاعات والحرس الثوري"، وكل منهما له دوره في إدارة الشؤون المعني بها، فالمفاوضات الدولية وخاصة مع الولايات المتحدة تجري من قبل الدولة، وليس مع الحرس الثوري كمؤسسة إيرانية.
وبين هذه التناقضات داخل إيران، فإن هذا الدور استمر لغاية الآن، بحسب ما يؤكد الخبير في الشؤون الإيرانية، مهدي عزيزي، ولم تثنيها "التحولات السياسية والاقتصادية والضغوط الداخلية إلى تقليص هذا الدور".
ويرى عزيزي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "دعم محور المقاومة بات جزءاً من هويتة إيران واستراتيجيتها، وهو ما يفسر الشروط الأميركية المتكررة التي تطالب طهران بالتخلي عن دورها الإقليمي".
وبالعودة لمفهوم "تصدير الثورة"، فإن الارتباط بين الفصائل المسلحة وإيران، هو "التأثير المعنوي وخطاب المقاومة"، بحسب عزيزي، الذي أقر بتقديم طهران مساعدات لهذه الفصائل.
وساهم هذا الدعم الإيراني بتحول الفصائل إلى قوة متكاملة "تمتلك قراراً مستقلاً وشراكة سياسية وقاعدة شعبية"، وفقا لعزيزي.
"جسم واحد"
وتشترط واشنطن، بحسب تصريحات رسمية خلال المفاوضات مع طهران، 4 نقاط لوقف التصعيد ضدها والتوصل لاتفاق وتتضمن: وقف إيران لبرنامجها النووي، تسليم اليورانيوم الذي تم تخصيبه، تدمير الصواريخ الباليستية التي تمتلك مدى يسمح باستهداف إسرائيل وعدم تشكيل تهديد في المنطقة عبر القوى المؤيدة لها.
وبشكل رسمي، وما يمثل موقف الدولة الإيرانية وليس "الثورة" التي يمثلها الحرس الثوري، وهو المسؤول عن الأذرع المسلحة في المنطقة، فإن مبعوث إيران لدى الأمم المتحدة مجيد تخت روانجي، سبق وأن أكد "أي ادعاء يُنسب إلى إيران.. أي هجوم يُنفذ ضد أفراد أو منشآت أميركية في العراق خطأ في الحقيقة، ويفتقر إلى الحد الأدنى من متطلبات الصحة والدقة"، وذلك في رده على واشنطن، حيث اتهمت جماعات عراقية مدعومة من إيران بمهاجمة قواعدها.
وبين أيضا أن "الذريعة الأميركية بأنَّ مثل هذه الهجمات قد نُفذت لردع إيران وما يُسمى بالجماعات المسلّحة المدعومة منها، عن شنّ أو دعم المزيد من الهجمات.. ليس لها أساس واقعي أو قانوني، لأنها تقوم على مجرد التلفيق".
بالمقابل، فإن الحرس الثوري الإيراني، يعد داعما علنيا للفصائل المسلحة في العراق، عبر التواصل المستمر والمشاركة في أغلب فعالياتها وإسنادها.
وبين هذه الرؤيتين الإيرانيتين، فإن طهران مستمرة بدعم هذه الفصائل العراقية، رغم الضغوط والتحديات الاقتصادية التي تعاني منها، وفقا للدبلوماسي الإيراني السابق هادي أفقهي.
ويؤكد أفقهي، أن الدعم "ليس بالضرورة مالياً أو اقتصادياً، بل له أساليبه وقنواته الخاصة التي تختلف بحسب جغرافية كل حلقة من حلقات المقاومة".
وفي المرحلة الحالية، تحولت إيران والفصائل المسلحة إلى "جسم واحد"، بحسب وصف أفقهي، مضيفا بأن "هذا ما يفسر استمرار طهران في هذا النهج رغم التصعيد الأميركي والتهديدات العسكرية".
"الثورة والدولة"
في إيران، وكما تقدم، فإن مفهوم إيران الثورة بعد عام 1979، وإيران الدولة عام 2026، مختلفا، فالأخيرة هي دولة مؤسسات، "ولا يمكن لأي نظام سياسي تفكيكها أو تجاوزها، بدءاً من موقع الولي الفقيه وصولاً إلى أصغر مؤسسة رسمية"، بحسب المحلل السياسي عماد المسافر.
لكن ما يجري شهد متغيرات، فدعم الفصائل المسلحة تغير بـ"الآليات والشكل" وفقا للمسافر، وذلك عبر الانتقال من مرحلة تصنيع السلاح داخل إيران وتهريبه إلى الخارج، إلى مرحلة "نقل الخبرات العسكرية والتقنية" إلى الدول، ما أتاح للفصائل تصنيع أسلحتها داخل جغرافيتها الوطنية، كما يقر المسافر.
وهذا المتغير في المعادلة، أدى لأن تكون الفصائل والحركات المسلحة، قادرة على تطوير قدراتها العسكرية بنفسها وبادواتها، كما جرى في لبنان واليمن والعراق.
تموضع داخلي
في مقابل ما تقدم، فإن رئيس المركز العربي الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، أحمد الياسري، يقدم قراءة مغايرة نسبياً، معتبراً أن استهداف حزب الله وحماس، إلى جانب التحولات الكبرى بالمنطقة، دفع إيران إلى "إعادة تنظيم حساباتها الاستراتيجية"، بعد أن كانت تعتمد على ما يُعرف باستراتيجية "الدفاع المتقدم" أو "أطواق النار" لإشغال إسرائيل والولايات المتحدة ومنعهما من مهاجمة إيران مباشرة.
وبحسب هذه الرؤية، فإن طهران بدأت تعتمد بشكل متزايد على فكرة الردع من داخل إيران، لا من خارجها، ويؤكد الياسري: ضعف استراتيجية أطواق النار لا يعني نهاية الفصائل المرتبطة بإيران، بل نهاية دورها الإقليمي الاستراتيجي".
وهذا التحول، جاء بعد أن باتت الفصائل، سواء في العراق أو في لبنان، إلى فواعل محلية سياسية وعسكرية داخل بلدانها، ما دفع إيران إلى الرهان على شراكاتها مع قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا، بعد أن تيقنت أن قدرات الفصائل "محدودة في حروب غير نمطية تحتاج إلى تكنولوجيا متقدمة وحلفاء دوليين"، وفقا للياسري.