شفق نيوز- بغداد/ لندن
تتواصل الأجواء المشحونة في العراق حول ملف رئاسة الحكومة، في ظل التمسك المستمر من زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي بترشيحه، وسط ضغوط أميركية متصاعدة وارتباط الملف بالتوازنات الداخلية والإقليمية.
ويأتي هذا التوتر في سياق تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب السابقة، وتحذيرات وزارة الخارجية الأميركية التي أكدت ثبات موقف واشنطن وملفات النفوذ الإقليمي، مشددة على أن اختيار المالكي سيكون "نتيجة سلبية للشعب العراقي"، ملوحة بإجراءات دبلوماسية في حال المضي به.
في المقابل، يصر المالكي (75 عاماً) على أن أي عدول عن ترشيحه يجب أن يكون بقرار داخلي رسمي من الإطار التنسيقي (الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في العراق)، لا نتيجة ضغط خارجي.
وأكد في تصريحات عدة أن حصر السلاح بيد الدولة ووحدة القرار العسكري يشكلان من أولويات حكومته، مع رفض أي اعتداء على السفارات والبعثات الدبلوماسية في العراق.
"السيادة أولاً"
وفي هذا السياق، يقول القيادي في ائتلاف دولة القانون، عمران الكركوشي، إن "السيادة الوطنية فوق كل شيء"، موضحاً أن الولايات المتحدة لم تقم بأي خطوات عملية على الأرض لضرب الاقتصاد العراقي، وإن "التكهنات" لا تعني وجود تهديد مباشر.
ويرى الكركوشي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أنه "ليس من الضروري أن يكون هناك تطابق في السياسات بين العراق وأميركا، صحيح نحن شركاء في الحرب على الإرهاب، لكن القرار السيادي العراقي هو قرار عراقي صرف".
وتابع أن "المالكي مصر على الترشيح، ونصر على تثبيت قواعد العملية الديمقراطية، وإذا تدخلت أميركا اليوم ستصبح نافذة لتدخل أي دولة أخرى في العراق إقليمياً وعالمياً".
ويعكس هذا الموقف تمسك القوى الشيعية داخل الإطار التنسيقي بموقفها، رغم الضغوط الأميركية المتزايدة، وتمديد المهلة الممنوحة للإطار من قبل واشنطن حتى يوم الجمعة المقبل، بحسب ما كشفه مصدر مسؤول لوكالة شفق نيوز.
وأشار المصدر إلى أن اجتماع الإطار الذي عقد ليلة أمس الاثنين في منزل رئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي، غياب عنه زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، وأمين عام عصائب أهل الحق قيس الخزعلي.
الصراع الإقليمي
بدوره، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية، هيثم الهيتي، إن "ترشيح المالكي والتمسك به ليس بمعزل عن الصراع الأميركي - الإيراني، وقد يكون رسالة من طهران عبر بغداد إلى واشنطن".
ويرى الهيتي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "الاصرار الإيراني قد يقابله تعنت أميركي، وربما يؤدي إلى تفتت الإطار التنسيقي إلى قسمين جزء يفكر بالمصالح العراقية مع أميركا، وجزء مرتبط بالمصالح الإيرانية".
ويلفت إلى أن "كل العلاقات الدولية تقوم على أساس النخب الحاكمة، أما أحزاب العراق فهي تواجه مشكلة كونها مسلحة أو قبلية أو طائفية، ما يجعلها غير قادرة على تمثيل المصالح العراقية الكاملة، وبالتالي لن تتحقق علاقة مستقرة مع واشنطن".
الرؤية الإستراتيجية
من جانبه، يوضح المحلل السياسي عائد الهلالي، أن العراق يقف أمام لحظة سياسية حساسة، تتقاطع فيها السيادة والتوازنات الإقليمية والمصالح الاقتصادية.
ويقول الهلالي لوكالة شفق نيوز، إن "أي اشتراط خارجي على شكل الحكومة يعد تدخلاً في القرار الوطني، لكن لا يمكن تجاهل دور الولايات المتحدة في الملفات الاقتصادية والأمنية".
ويضيف أن "الرؤية الأعمق تقتضي الانتقال من ثنائية (الخضوع أو المواجهة) إلى مقاربة ثالثة تقوم على الاستقلالية عن جميع المحاور، بتشكيل حكومة برنامجها وطني، تحصر السلاح بيد الدولة، وتضبط السياسة الخارجية وفق مبدأ المصالح العراقية أولاً".
ويستدرك: "إذا تشكلت حكومة قوية داخلياً وذات شرعية سياسية، ستتمكن من التفاوض مع واشنطن أو غيرها بشكل أفضل، وسيقل احتمال فرض العقوبات، لأن المجتمع الدولي يتعامل مع الدول المستقرة بمنطق المصالح لا العقاب".
ويختتم الهلالي بالتأكيد على أن "القرار الوطني المستقل لا يعني القطيعة مع واشنطن ولا الارتهان لطهران، بل بناء معادلة توازن ذكية، علاقات متوازنة مع الجميع وانحياز كامل لمصلحة العراق، وهي الصيغة الوحيدة التي تحمي السيادة وتجنب كلفة المواجهة المفتوحة".
الضغوط الأميركية
وكانت وزارة الخارجية الأميركية، أكدت لوكالة شفق نيوز، الأربعاء الماضي (18 شباط/ فبراير الجاري)، أن موقف الولايات المتحدة لا يزال "ثابتاً وحازماً" تجاه قضية ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية، ملوحة بإجراءات دبلوماسية قاسية في حال المضي بهذا الخيار.
وحددت الخارجية الأميركية ثلاث ركائز أساسية لموقفها الحالي يتمثل العامل الأول بضرورة إنهاء هيمنة "الميليشيات" المدعومة من إيران على المشهد السياسي العراقي لما تشكله من خطر إقليمي ودولي، وثانياً العمل على تقليص النفوذ الإيراني في مفاصل الدولة، وثالثاً السعي لبناء شراكة اقتصادية وتجارية متينة مع شركاء يشاطرون واشنطن أهدافها.
ويأتي الضغط الأميركي المتصاعد على العراق، ترجمة لتهديدات الرئيس دونالد ترمب الصريحة والتي حملت انتقادات للمسار السابق الذي اتخذه المالكي، حين تولى رئاسة الحكومة خلال دورتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014.